أوقفوا حرب الإعلانات التليفزيونية على أطفالنا

يناقش المقال، المنشور عام 2015، نماذج من رسائل الإعلانات التلفزيونية وآثارها المنسوبة إلى الأطفال والقيم الاجتماعية، ويطالب بضوابط رقابية وميثاق شرف إعلامي.

أوقفوا حرب الإعلانات التليفزيونية على أطفالنا
Atheer - أثير

ناصر أبو عون
باحث بمركز الدراسات والبحوث
Nasser_oon@yahoo.com


 

لقد صارت الإعلانات التليفزيونية أشد خطورة على أطفالنا من (الإرهاب)، و(المخدرات)، والدراسات تؤكد أنها حرب ممنهجة على هوّيتنا العربية؛ بل (حرب إبادة للأخلاق العربية والإسلامية) تستهدف استنساخ (شخصية عربيّة) بمواصفات جديدة، في شكل (مسوخ بلا هويّة)، و(كائنات بشرية رخوة)، صورتها صورة (إنسان)، ولكن بـ(جسد مترهِل، وعقل خامل)، إنسان مسخ المستقبل خارج حساباته، والتطوير، والإبداع من وجهة نظره ترف لا يستحق المعاناة، والتاريخ، والتراث، والأعراف في اعتقاده تخلّف ورجعيّة، والعقيدة والإيمان في رأيه مسألة فيها أقوال كثيرة. إنها الشخصية العربية الجديدة شخصية بلا مرجعية دينية أو فكرية صنعها بارونات الإعلانات.

 

ونسوق هنا مثالا فظا للنص المنطوق أحد الإعلانات التليفزيونية لنعرف حجم الكارثة: {إمبارح مقدرش أغيّره، وبُكره ما أعرفوش،، اشرب (……) وعيش اللحظة}.. هذه كلمات إعلان عن مشروب عالمي وتحمل في مضمونها رسائل خطيرة، أمّا على مستوى (الفيديو) فأطفالنا يشاهدون صباح مساء إعلانا يروّج لمشروب عالمي آخر حيث يرى أطفالنا بطل القصة الإعلانية يمارس أبشع أنواع العنف الجسدي ضد صديقه حيث يترجَّل من سيارته، ويعلّق صديقه على جذع شجرة بعد تقييده بالحبال بعد نزاع على (علبة مشروب صناعي). وفي إعلان ثالث نشاهد بطل القصة الإعلانية يتحول من (شاب كامل الرجولة) إلى (فتاة كاملة الأنوثة) تحت تأثير الجوع وينتهي الإعلان بعبارة: (أنتَ مش أنتَ وأنتَ جَعَان).

 

ما تقدم غيض من فيض تصبّه على رؤوسنا إمبراطورية صناعة الإعلان التليفزيوني حول العالم، وتغسل به أدمغة أطفالنا في غفلة، أو رقدة أسرية قد يطول أمدها إلى يوم المحشر، مصحوبة بغياب للرقابة الصارمة من (جمعيات، وهيئات حماية المستهلك) التي انحصر دورها في مراقبة (غذاء البطون) و(السلع الاستهلاكية). ولأن الأمر جِدّ خطير فقد وجبت المطالبة بتمديد دورها، وتوسيع نفوذها الرقابي ليطال أيضا قائمة (غذاء العقول) وفي مقدمتها (الإعلانات التجارية المذاعة والمتلفزة) اقتداءً بالدول الأوربية حيث تمَّ إقرار ضوابط وقواعد لا تتخطاها الشركات المنتجة للإعلانات، مع شرط الفرادة، والتميّز بالإبداع والإبهار تحت مظلة (ميثاق شرف إعلامي)، أمَّا في وطننا العربي الكبير تتسع مساحة إساءة استخدام الإعلانات في جميع القنوات الفضائية بلا استثناء حتى في قنوات الأطفال. فمن حيث ندري ولا ندري – نحن العرب – نحطم الأجيال الجديدة والأرصدة الاستراتيجية للأمة من شباب المستقبل عندما نترك أطفالنا ضحية (إعلان تلفزيوني) تمّ إخراجه باحترافية عالية، وإنتاج ضخم، ويُذاع على أكثر من 1294 فضائية عربية في وقت واحد.

 

وحجم الكارثة أكبر عندما نعرف أنّ حجم الإنفاق العربي على الإعلانات يتضاعف سنويا حيث تشير تقارير الإنفاق الإعلاني، الصادرة عن المركز العربي للبحوث والدراسات الاستشارية “بارك”، إلى ارتفاع إجمالي الإنفاق الإعلاني العربي بنسبة 21% ليصل إلى نحو 6.07 مليارات دولار. كما أوضحت الإحصاءات أن الإعلانات التليفزيونية استحوذت على النصيب الأكبر من إجمالي الإنفاق الإعلاني عربياً، فقد استحوذ الإعلان التليفزيوني على نحو 53.6% بقيمة 3.2 مليار دولار، تلتها الإعلانات عبر الصحف التي بلغت قيمتها 1.8 مليار دولار لتستحوذ على ما نسبته 26% من إجمالي قيمة الإنفاق الإعلاني، ثم المجلات بقيمة إعلانات بلغت 368 مليون دولار لتستحوذ على ما نسبته 5.6%. هذه فقط نماذج من إحصائيات عام 2010 وقد زادت في عام 2015 إلى ما يقارب العشرة مليار دولار.

 

في الحقيقة هذه صناعة واستثمار ويضخ سيولة في الأسواق، وتفتح أبواب عديدة لوظائف نوعية تعتبر إضافة في مجال التنمية البشرية لكنها في الوقت ذاته تنطوي على شرّ مستطير (بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ)، إنّ المحتوى الذي يتجرعه أبناؤنا ليل نهار، يستهدف محو القيم الإسلامية، وتسطيح الفكر، وتحويل أجيالنا إلى (جنس ثالث) ناهيك عن قائمة طويلة من الأمراض العربية، والنفساويّة، وتشجيع (الأنويّة)، وتسويق (الاتجاهات الماديّة)، والتغيير الممنهج لمجتمعاتنا فتحوّلت في عقد من الزمن إلى (مجتمعات استهلاكية)، تقوم فيها الإعلانات بعملية طويلة المدى تستهدف محو منظومة (القيم والأعراف الاجتماعية)، من خلال (قصة تافهة) مصوَّرة بتقنية عالية، و(محتوى مبتذل)، و(حوار يضجّ بـ(الإيحاءات الجنسية).

 

ناهيك عن استقاء شركات الإعلانات العاملة في بلادنا العربية بعض أفكار وقصص الإعلانات من (التاريخ والتراث الإسلامي والعربي)، وقيام المخرجين بتحريف مضامينها، وتشويه مغزاها، ووضعها في قوالب هزيلة تحطّ من شأن الشخصية العربية، وتوظيف كل هذه المكونات بما يسيء إلى التراث والتاريخ، والأعراف بعد وضعها في قالب (فني، وإعلاني، وتقني) هزيل، يشتغل على تثبيت نظرة ازدرائية في أذهان الأجيال الشابة نحو أمتهم ومنجزاتها.

 

ومن غسيل أدمغة الأطفال إلى (الاتجار في البشر) حيث استطاع بارونات الإعلان (بيع المرأة الجميلة)، وليس (المنتج المعلَن عنه) أكدت ذلك دراسة مصرية أوضحت أن 84.5%، من الإعلانات (تبيع صورة المرأة الجميلة المصورة في الإعلانات، وأكدت أن كثير من الإعلانات تصوَّر المرأة بطريقة سلبية مشوهة تخالف واقع المرأة العصرية، حيث تقدم الكثير من الإعلانات المرأة كمثير جنسي، وفي أدوار تقليدية. وفي رسالة جامعية بأخرى عنوان “صورة المرأة في إعلانات التليفزيون المصري” أن 95 بالمائة من الإعلانات تستخدم المرأة، وتركز على جوانبها الأنثوية كالجمال، والابتسامة.

 

والمصيبة أكبر، والمصاب أشد، والخطب عظيم إذا ما علمنا أن الإعلانات التي تستهدف أطفالنا (جسديا وعقليا فطبقًا للنتائج التي توصل إليها «مانفريد شبتزر» من مركز «أولم» المتخصص في أبحاث المخ اتضح أن التلفزيون يلحق ضررًا بمخ الأطفال، لأن المخ لديهم لا يمكنه معالجة ومتابعة الصور والضوضاء المتلاحقة الصادرة من الجهاز، والإعلانات والبرامج التلفزيونية. وأجرت جامعة مونتريال الكندية دراسة شملت نحو ألفي طفل بين السنتين ونصف السنة، قالت نتائجها إنَّ الأطفال الذين يشاهدون التلفزيون بمعدل ثلاث ساعات يوميًا أكثر عُرضة للإصابة بمشكلات صعوبات النطق والمهارات الحسابية. واتفقت معظم الأبحاث التي أجريت حول تأثير الإعلانات على رزنامة النتائج التالية:

أولا – الإعلانات تغرس قيم المجتمع الاستهلاكي وتزيد من تطلعات الأطفال نحو طلب الكماليات.

ثانيًا – جعلت الإعلانات الأطفال يرفضون واقعهم الأسرى ويتمردون عليه، ونمّت لديهم (حب التملك).

ثالثًا – انحطاط الإعلانات وألفاظها وعباراتها السوقية حطّت من سلوك الطفل الذي يقلده ويتأثر به.

رابعًا – أدت الإعلانات إلى إصابة الأطفال بفقر المفردات، والانطواء، والانعزال عن المجتمع، والتقليد الأعمى للآخرين في الملبس والمأكل والمشرب والسلوك الاجتماعي

خامسًا – ساهمت الإعلانات في قتل الابداع وإصابة الطفل بعدم القدرة على إجراء حوارات وصلات اجتماعية سوية.

سادسًا – يغلب على الإعلانات التليفزيونية الطابع الطبقي، وتسببت في إحباطات أطفال الطبقتين المتوسطة والفقيرة، وإصابة أطفال هذه الشرائح بحالة تشبّع بمشاعر الحرمان، مما أضر بسلوكياتهم وتكوينهم النفسي.

سابعًا – اعتماد الإعلانات على المرأة كعنصر جذب تجاري وتسويقي، وبث المشاهد غير الأخلاقية يساهم في في تحريك غريزة الأطفال الجنسية، ومن ثَمَّ يبدأ الأطفال في إثارة مجموعة من التساؤلات التي قد تكون محرجة للوالدين، كما أنهم يعقدون مقارنة بين المرأة التي يشاهدونها على في التليفزيون وأمهاتهم وأخواتهم البنات.

ثامنًا – الإعلانات التي أبطالها أطفال تولّد لدى الأطفال المشاهدين الشعور بالدونية والنقص ويعتقدون أنهم (أقل من الأطفال أبطال الإعلانات) ولا يستطيعون الاستحواذ على اهتمام المجتمع مثلهم فيشعر ون بالسلبية تجاه والديهم ويتهمونهم بالتقصير ويتسرب لديهم شعور بأن الأبوين مقصران معه لعدم مقدرتهما على تلبية كل متطلباته النفسية و المادية من السلع التي تعرض أمامه ولا يستطيع أبواه شراءها له مما يولد الاحساس الطبقي بين الأطفال اجتماعيا منذ الصغر ويعتقد الطفل المشاهد أن والدي (الأطفال نجوم الإعلانات) افضل من أبويه.

 

في الحقيقة نحن في حاجة إلى وقفة مع النفس، نقرأ من خلالها الواقع، ونتدبر أحوالنا، ونضع خطط بعيدة المدى لمجابهة التحوّل الدراماتيكي في شخصية أطفالنا وشبابنا، ونطالب بتفعيل دور ورقابة (جمعيات وهيئات حماية المستهلك ليطال كل صغيرة وكبيرة في حياة الإنسان المعاصر حتى لا نندم يوم لا ينفع الندم.

شارك هذا الخبر