مدادذاكرة أحداق القطط !
تأملات أدبية في الذاكرة التي تستدعي الغائب وتخلط المطر بالذكريات، وفي النسيان الذي يداهمها، والحنين الذي يشعل الماضي ويترك جرح الذكريات مفتوحًا.
!ذاكرة أحداق القطط
سعدية مفرح
أيتها الذاكرة اللعينة.. كم من الخبايا ترقد تحت ركامك!
** ** **
تعمل الذاكرة اللعينة بكل طاقتها وعكس ما نريد عندما نريد أن ننسى أحدهم، فتستحضر لنا كل شيء في لحظة؛ صوته، رائحته، رنين ضحكاته، همهماته الغائمة.. كل شيء، كل شيء، ولا تخفي سوى جرحه الأخير!
** ** **
كأحداق القطط.. تتسع نوافذ ذاكرتي كلما حل الظلام!
** ** **
يبتهجون بالمطر.. وأبتهج بغيث ذاكرتي عندما يهطل المطر! لا أعرف ما العلاقة بين انتعاش الذاكرة ودفق السماء لكن هذا ما يحدث فعلاً، حتى أنني صرت لا أفرق بين رذاذ المطر ورذاذ الذكريات، فأتبلل بكليهما بينما أمضي في طريقي بقلب مشتعل ومظلة مضمومة!
** ** **
قررتُ يوماً ما أن أنحر ذاكرتي عند عتبة مرحلة جديدة من حياتي. ثم أنني نحرتها فعلاً بسكينة مسنونة بعناية، ثم عبرت العتبة ودخلت بثقة، لكني فوجئت بذاكرتي اللعينة تستقبلني وهي تبتسم لي بسخرية!
** ** **
كفّتْ الكلمات عن شوقها إليك. لا، لعلها اختفتْ كلياً من ذاكرتي منذ أن اختفيتَ عن ناظري. أنا الآن أريد كلماتي لأكتب بها أنني أريدك!
** ** **
تلك الأطلال التي ألمحها في أقصى ذاكرتي، تلوح كباقي الحب، كلما قررت أعادة ترتيب الذاكرة.. ماذا تريد مني؟
** ** **
من يضيء شاشة ذاكرتي منذ الومضة الأولى.. يبقى طويلا في قاع الروح بطرقة ذاتية متجددة!
** ** **
النسيان.. الضيف الذي يداهمنا بلا موعد مسبق، فيطرق باب الذاكرة وما أن تفتح له حتى ينقض ليقضي عليها!
** ** **
رغم أنني أعاني من النسيان كحالة مرضية ربما إلا أن الحالات الجمالية وحدها تستطيع مقاومة نسياني وتعزيز صيدلية ذاكرتي!
** ** **
الحنين.. شخصٌ تلتقيه فيذكرك بالآخر، عبر سؤال أو إجابة أو خبر أو حتى تجاهل، فتندلع حرائق الذاكرة في حشائش النسيان!
** ** **
أعرف حزني جيداً، وأعرفُ أنه أليفٌ وجميلٌ، وأنه مقاتلٌ وشرس، وأنه لن يتخلى عن وطنه في ذاكرتي.
** ** **
أشياء صغيرة تسعدنا مثل قصاصة من جريدة وضعتها في كتاب منذ عدة سنوات. أعود للكتاب الآن وأجدها.. أقرأ ما فيها فينهال علي طوفان الذكريات!
** ** **
هي وهي.. يتناوبان، رغم رحيلهما، على إيقاظي من سبات الذكريات الميتة بخضرة كلماتهما الحية، فكيف أنجو؟!
** ** **
: أيتها الذاكرة.. أنتِ دائي ودوائي. أيها النسيان أنتٓ أيضاً كذلك!
** ** **
:فتحت صندوق الذكريات بحثاً عن ذكرى معينة، وعندما أردت غلقه مرة أخرى اكتشفت أنني أضعتُ القفل.. سأمضي ليلتي مع ما لا أريد تذكره من ذكريات.. مضطرةً!
** ** **
أتلهى بكل شيء بين يدي، لكن الذكريات تتكثف بقوتها الرهيبة لتهاجمني كسيل عارم في اللحظة المناسبة عبر الثغرة المناسبة، فيبدو هذا الكل شيئا نسياً منسياً!
** ** **
رائحة بئر عميقة مهجورة تحاصرني الآن؛ خليط من عطر الذكريات مع شجن الماضي وأسى الحاضر وعطن النسيان.. يا لبؤسي!
** ** **
يتآمر المطر على نسياني، فيتضامن مع ذكرياتي المعتقة ويفتح لها باب الهروب من سجن الذاكرة ويملأ الفراغ خلفها بفيض الدموع!
** ** **
عموماً.. عموماً.. الذكريات جرح غير قابل للالتئام تماماً.. أبداً.. نهائياً!
** ** **