استنطاق الذاكرة المكانية لولاية صور

تحفظ أسماء الأماكن في ولاية صور شواهد لغوية وأنثروبولوجية على علاقة الإنسان بالبحر والأرض، ويصون توثيق نطقها الذاكرة الشفهية من التبدد والنسيان.

عن الكاتب

استنطاق الذاكرة المكانية لولاية صور
ولاية صور
أثير - عبدالله العريمي
في أفق الأمسية الثقافية التي استضافها مقهى ومكتبة فينيق بتنظيم من مبادرة مدى الثقافية، وتحت عنوان “تأثيل أسماء الأماكن في ولاية صور: دراسة لغوية أنثروبولوجية”، رسم الباحث الدكتور علي بن حمد الفارسي، في جلسة أدارها الكاتب والروائي خالد بن علي المخيني، معالم دعوة بحثية جادة لاستنطاق أصول المسميات والجغرافيا؛ إذ يتجلى أمام المتبصّر أنه في محراب الكلمة وعالم الآثار اللغوية، ويدرك أن الجغرافيا تتجاوز حدود التضاريس الصامتة لترتقي إلى مخطوطة حضارية تكتب بأحرف من أسماء.
إن التأثيل في أبعاده اللغوية والأنثروبولوجية هو رحلة غوص في سراديب الذاكرة المكانية، واستجلاء لغوامض المعاني الصامتة التي تنبض تحت أسماء الأماكن؛ فالاسم الجغرافي لم يكن يوما محض إشارة عابرة أو أداة تعريف طارئة فرضتها المصادفة، وإنما وثيقة تاريخية وقنديل معرفي يضيء تطلعات الإنسان، وصراعه الممتد مع البحر والأرض، ويختزل صدى خطوات الأوائل في محاريب المكان.
تتجلى في هذا السياق أهمية استنطاق البناء الصرفي والتركيب اللغوي لأسماء الأماكن في البيئات البحرية الضاربة في القدم كولاية صور؛ حيث يتدفق ماء الحياة في الألفاظ، وتستمد دلالتها من الارتباط الوثيق باللغات العربية القديمة في امتداداتها الشمالية والجنوبية، متجاوزة حدود التوصيف المعجمي السطحي نحو التحليل التركيبي والتأثيلي العميق.
إن فك شفرة الأسماء المركبة ومقابلة صيغ الإفراد بالجمع يفتحان نافذة على المناهج الذهنية التي صاغ بها الإنسان الأول لرؤيته للمدى، لا سيما عند تتبع ظاهرة الإسناد داخل اللفظ؛ أي تتبع الشرايين الدلالية التي تربط الفعل بالفاعل أو المبتدأ بالخبر المدمج في طيات الكلمة الواحدة، وكيف استحالت الجملة الكاملة الواصفة للحدث أو المعلم الجغرافي، عبر الأحقاب والقرون.
تتشكل أسماء الأماكن عبر الخصوصية اللغوية للبيئة المحلية في ولاية صور، حيث تتماهى تضاريس الطبيعة مع اللفظ الفصيح والموروث الشفهي في عناق جمالي فريد. وهنا تنبع ضرورة علمية استثنائية تتمثل في التوثيق الصوتي للمسميات التي دعا إليها الدكتور علي بن حمد الفارسي؛ فنطق الأسماء بألسنة أصحابها الأصليين وكبار السن يعصم نبرتها التاريخية من التبدد، ويحفظ الأرواح الصوتية للآثار الكلامية القديمة قبل أن تذروها رياح النسيان أو يتسلط عليها التحديث العمراني المعاصر.
إن رصد الأصول التراثية للألفاظ وتحويل الذاكرة الشفهية إلى مادة معرفية قابلة للدراسة والتحليل يعيد الاعتبار التام للتاريخ اللامادي. فالتعمق في دلالات أسماء الأماكن وتوثيق أصواتها يمنح السائر في الأزقة القديمة قدرة على قراءة المدى الجغرافي باعتباره قصيدة مفتوحة السطور؛ لتظل الأسماء، إضافة إلى الحجر، الشاهد الأصدق والأبقى على أن المكان لم يكن يوما مجرد حجر وطين، بل كان دوما صياغة إنسانية خالدة تشهد على عمق الأثر، وأصالة التجربة، واستمرار الحوار بين الإنسان وأرضه.
لقد شكّلت الأمسية محطة معرفية شديدة الثراء، تجاوزت حدود السرد السطحي لتصل إلى أعماق الدلالة والأثر؛ فاستحالت المحاضرة شهادة حية على غنى التراث اللغوي لولاية صور بشكل خاص والإرث العماني بشكل عام، ودعوة مفتوحة لإعادة قراءة الذاكرة المكانية بوعي يزاوج بين رصانة البحث العلمي وجلال الموروث الحضاري.

شارك هذا الخبر