الرحالة البريطاني مايلز 1874م : العماني بسيط في عاداته، قنوع ، لا يحيط نفسه بمظاهر الترف

الرحالة البريطاني مايلز 1874م : العماني بسيط في عاداته،  قنوع ، لا يحيط نفسه بمظاهر الترف
Atheer - أثير

أثير – تاريخ عمان

ولد صامويل بارت مايلز عام 1838م وفي عام 1858م التحق بالجيش في شركة الهند الشرقية البريطانية كضابط صف في الكتيبة السابعة، و تمّت ترقيته إلى ملازم، ومن ثم انخرط في السياسة بتعينه حاكما للمعسكر، ونائبا للمندوب السامي في اليمن، وفي عام 1872م تم تعينه معتمدا سياسيا وقنصلا في مسقط.

لم يكن مايلز معتمدا سياسيا أو رحالة فقط، بل كان باحثا في الأدب الإغريقي، والروماني، وعالما في اللغة، والثقافة العربية.

إن الوقت الذي أتى فيه مايلز إلى عمان تميز بالاضطراب السياسي الذي كان يلازم عهد السيد تركي بن سعيد (1871 – 1888م)، وصراعه مع الإمام عزان بن قيس، ومن والاه في صراع انتهى في الأخير بمقتل الإمام عزان بن قيس، وسقوط هذه الإمامة التي كانت تعارض حكم السيد تركي الذي عانى عهده كذلك من صراع المتنافسين (الهناوية والغافرية)، والهجمات التي كانت تتعرض لها مسقط من ثوار الداخل ذي التوجهات الدينية في أغلبها.

الأعراق :

لقد كتب مايلز عن عمان في موضوعات مختلفة لم يتناولها سابقا غيره من الرحالة، فتجده مثلا يتحدث عن تفاصيل بعض الفئات، أو الأعراق في المجتمع، وبمعلومات جديدة بالنسبة لكل المستشرقين الذين وفدوا على المنطقة، فمثلا يقول مايلز في هذا الصدد عن (غجر العرب) في عمان:

” يمكن تمييزهم بأنهم شعب مختلف عن العرب، فهم أطول قامة، وذوو بشرة دكناء، كما أن ملامحهم فيها تلك النظرة الدالة على الدهاء والمكر، النظرة التي يمكن ملاحظتها بسهولة لدى غجر أوروبا، وهم منتشرون في وسط الجزيرة العربية وشرقها من مسقط حتى بلاد الرافدين وعددهم في عمان كبير إلا أننا نجدهم في كل مكان مجموعة منفصلة لا يزاوجون الغرباء ، وبالرغم أن العرب كانوا يزدرونهم كعرق وضيع إلا أن العمانيين كانوا يقدرونهم ويحترمونهم على ما يقدمونه للمجتمع من خدمات جليلة، فقد كانوا تجارا، وحرفيين، ومهرة يعملون كأطباء بيطريين، وحدادين ،وصانعي علب، ونجارين، وحلاقين، وصانعي بنادق وفتائل، وكانت لغتهم خليطا من العربية والفارسية “.

والملفت للنظر أن مايلز أشار بإعجاب إلى سكان الشريجة في الجبل الأخضر أو شيرازي كما ينطقها هو لأنه يؤمن بأن سكان هذه القرية بعضهم من بقايا الغزو الفارسي الذي غزا عمان في النصف الثاني من القرن العاشر، فوصلوا إلى الجبل الأخضر، واستطاعوا السيطرة عليه قبل طردهم من عمان جميعهم ما عدا فئة قليلة بقيت في الشريجة التي أسموها فيما بعد ( شيراز الصغرى) ويرى أنهم أدخلوا الكثير من الفواكه الفارسية القيمة في الجبل الأخضر كالرمان، والعنب، والجوز، والخوخ، والفستق واللوز، وانصهروا مع مرور الوقت بالتدريج في قبيلة بني ريام، والتي كانت من كبرى القبائل في المنطقة ، إذ قال :

” لقد اندمجوا مع العرب خلال فترة احتلالهم الطويلة لعمان، فتبنوا لغتهم، وملابسهم، وعاداتهم غير أنهم يمتازون عنهم بأنهم أكثر بياضا منهم بعض الشيء وباختلاف ملامحهم، والواضح انهم ينأون بأنفسهم قدر المستطاع عن العرب، فقلما يداخلونهم أو يزاوجونهم، ولا ينزلون سهولهم أبدا، وهم قوم مسالمون وهادئون”.

الصراع القبلي في عمان ووحدتهم لمواجهة الخطر الخارجي:

وصف مايلز بعض الصراعات التي كان يغلب عليها الطابع القبلي في تلك الفترة المظلمة من تاريخ عمان إذ قال:

” إن الحرب الأهلية التي انتهت فعليا بانتخاب ناصر بن مرشد إماما عام 1624م، تعد علامة بارزة في التاريخ العماني، إذ قسمت البلاد أكثر من أي وقت مضى إلى فئتين متنافستين: الهناوية، والغافرية، وهي ذات الأسماء التي تعرف بها اليوم”.

وقد شهد مايلز بنفسه بعض مظاهر العداء القبلي، ففي العوابي مثلا “وجد شيخ البلدة حزينا على ما تعرض له أهل بلدته من قبل جيرانه من الضرب، وعلى الخراب الذي ألحقوه بأشجار النخيل إذ تجد المئات من جذوعها، حسب تعبيره، واقعة في كل مكان “.

وفي سمائل وجد الصراع والتنافس بين الفئتين بالغا منتهاه أي بين الغافرية، والهناوية ،إذ قال، وهو يصف معركة من المعارك هناك:

” إن هذا الخط الفاصل واضحا بين هذين المعسكرين المتعادين، هو خندق قطري مستعرض يسمى شرقة الحيدة، الذي جرت فيه عدة معارك، فالقبائل دائما في صراع، وقتال هو في الواقع أقرب على المناوشات منه إلى الحرب، وجرت العادة في هذه المناوشات أن يبدأ المقاتلون بإطلاق بعضهم النار على بعض عبر الخندق من الخلف، تتبع ذلك مناوشات شفهية كل فريق يوبخ الآخر، ويستفزه ساخرا منه بغضب، حتى يلتقيا مستخدمين السيوف العمانية ذات الحدين استخداما فاعلا مؤثرا”.

كما أكد مايلز رغم كل تلك الحروب، والصراعات في عمان بقدرة العمانيين على أن يتوحدوا، ويصبحوا يدا واحدة في حال تعرض أمن بلادهم للخطر، والغزو الخارجي ،إذ لخص كفاح العمانيين ووحدتهم في هذه الظروف كالتالي:

“قليلة هي البلدان التي تعرضت لمثل هذا البغض والازدراء من قبل جاراتها وأقل منها التي أظهرت مثل هذا الاعتزاز، والاعتداد بالنفس في وجه الظلم، ومثل هذه البسالة، وهذه القوة في استعادة الحيوية، والعافية، فالتاريخ لا يمكن أن يأتينا بمنظر أشد قسوة على النفس من مظهر هذا الشعب الأبي الأصيل “.

التعليم:

لقد كان مايلز رجلا دقيق الملاحظة، فوصف جوانب كثيرة من حياة العمانيين لم ينتبه لها الرحالة السابقون إذ يعتبر من أوائل الذين وصفوا نظام التعليم التقليدي في عمان، فقد زار مدرسة (حلبان) وشبهها ” كمدرسة هندية مقامة في الهواء الطلق تحت شجرة المانجو، وكان فيها معلم كبير السن يحمل خيزرانا، ويجلس أمامه أطفال أبناء وبنات ”

أما بالنسبة لمظاهر التعليم في نخل، فقد قال عنها مايلز:

“في أثناء إقامتي زرت مدارس البلدة الخمس رأيت فيها أطفالا يتلقون الدروس بالطريقة الإسلامية التقليدية، فيرددون بصوت عال آيات من القرآن، أو ينصتون إلى قواعد الإعراب، وهي تلقى عليهم من المعلم، يحضر الأطفال إلى المدارس صباحا إذ تجدهم يهرعون إلى المدرسة باكرا بنات وبنين معا يحمل بعضهم على رؤوسهم منفا وهو مسند خشبي يوضع عليه القرآن، ويحمل الآخر لوحا ملونا يتعلمون عليه الكتابة، والدروس التي يتقونها بدائية ومقصورة فقط على قراءة النحو العربي، وكتابته وقراءة القرآن وشيء من الرياضيات، إلا أن أطفال الميسورين والمتعلمين غالبا ما يتم تعليمهم في بيوتهم عن طريق معلم ويواصلون دراستهم، إن غياب الصرامة المنهجية في الدراسة يعوض عنها بقدرة الأطفال على الحفظ وإصرارهم عليه “.

الأسواق:

كتب مايلز كغيره من الرحالة عن الأسواق في عمان، فهو يقول عنها واصفا زوارها ” جماهير نشطة صاخبة، وسيول من البشر في ملابس مزخرفة مبهرجة بمختلف الألوان” كما قدم لنا وصفا نموذجيا لسوق نزوى لما يميزه عن غيره من الأسواق في عمان ،إذ قال:

“تشد ناظر الغريب دوما الحياة العربية بنمطها الشرقي البدائي ، فتجد الحداد، والنحاس، وصابغ الأقمشة، وغيرهم منشغلين بمهنهم على نحو آسر أخاذ، فهناك صانع أسرجة الجمال، والخزاف، وصائغ الفضة، وحائك الثياب، والنجار، والمشتغل على السكر، والبنّاء، وناسج الحصر وصانع الحلوى، وغيرهم ، وتتميز نزوى عن غيرها من مدن عمان، وبلداتها بنوع خاص من الحلوى إذ أن حلواها لها مذاق يختلف عن مذاق حلوى مسقط، وغالبا ما يتم تصديرها إلا أن العلامة الفارقة لسوق نزوى هي ذلك الجزء الخاص بالنحاس، فهو على ما فيه من جمال يسحر الناظر بغرابة معروضاته، وفرادتها يفتقد النظافة، ولا يحميه من أشعة الشمس شيء سوى قطع من الحصير متناثرة هنا وهناك، الحق أن هذا الجزء منفر كريه بسبب ضجيجه المزعج للأذن الناجم عن ضربات الطرق المتواصل”.

العمارة:

أما من الناحية المعمارية، فقد قال مايلز وهو واصفا الفن المعماري العماني التقليدي كما رآه ماثلا أمامه في نخل كالتالي:

” البيوت في نخل مبنية بالقرميد الذي جففته الشمس، أو بالأحجار المكسوة بالجص، وهي مبان عالية رحبة بسيطة، إلا أنها على بساطتها، وخلوها من مظاهر الجمال العمراني لا تفتقر إلى الزخارف التي تضفي رونقا على شكلها الخارجي، فعتبات البيت منقوشة، والأبواب مزخرفة ومدعمة بمقابض حديدية مستدقة الرأس، أو بحلي معمارية، والنوافذ نادرا ما تصقل إلا أنها تغلق في الليل بمصاريع خشبية متينة، كما تزود أحيانا بالمشربيات، وتحمي أحيانا أخرى بقضبان حديدية مستعرضة صلبة، غير أن تصميم الأجزاء الداخلية للبيوت ليس بالذي يبهر الناظر فالسلالم شديدة الضيق والانحدار والشقق العليا طويلة ضيقة، أما الأسقف المكسوة بالجص، أو القماش، فهي ليست منتشرة هنا، على أن دعامات خشب الساج أو العوارض الخشبية بشكل عام منحوتة نحتا جميلا، ومصبوغة بزاهي الألوان، ومختلفها ، كما توجد على الأرضية سجادات وحصر، ووسائد، وتوجد حول الغرف أيضا رفوف عريضة تظهر عليها تشكيلة عتيقة فريدة من ساعات الوقواق التي تحدث صوتا، ومواد أخرى تشير إلى الوقت، كما تظهر عليها دلال القهوة، وأوانن وزخارف، وألعاب إنجليزية، وهندية، وتحف أخرى يقدرها صاحب المنزل حق قدرها ، ولم تكن هناك أرائك أو كراسي في البيوت العمانية القديمة لأن العماني رجل بسيط في عاداته، وليس فيه ما يدفعه إلى التباهي، وهو قنوع بالقليل، ومهما بلغ به الغنى، فهو لا يحيط نفسه بالترف”.

الصناعة:

ولا يغفل مايلز جانب الصناعة المحلية في عمان، وهو من رأى مصانع للتمر، والطحين، والأقمشة، والنحاس في بلدات عمان المختلفة، فقد قال مثلا وهو يصف طبخ التمر وتجفيفه:

” إن تحضير التمر الجاف الذي يعرف في عمان بالبسر، وفي الهند بالكرك، غالبا ما يتم في العوابي وكان الموسم قد بدأ الآن، فأردت أن أغتنم الفرصة وأشاهد العملية فزرت مصانع التمر برفقة الشيخ فوجدت أن النوع المختار كان المبسلي والخنيزي الذي يقطف قبل أن ينضج كاملا وكان المصنع على ارتفاع 15 قدما فيها عدد من مراجل نحاسية دائرية مفتوحة ويوضع البسر في هذه الأوعية ليغلى برفق على نار هادئة وتترك الثمرة في المياه مدة نصف ساعة ثم يتم إخراجها ووضعها على أحصرة أو أقمشة تحت الشمس حتى تجف وتصبح صلبة تصطبغ بصبغة حمراء باهتة”.

والجدير بالذكر بأن هذه النوعية من التمور كانت تصدرها عمان بشكل كبير إلى الهند وإلى أسواق نيويورك وبوسطن وبالأخص تمر الفرض العماني الذي يستلذه الأمريكان بشكل كبير.

ولقد أعجب مايلز بمصنع الطحين في نخل، والذي كان يعمل على الطاقة المائية مؤكدا في نفس الوقت بأنه لأول مره يرى في بلاد العرب مكينة كهذه، وقال وهو يصف هذا المصنع:

” كان المصنع يتكون من صخرة علوية دائرية الشكل تميل حافته نحو عجلة مغطاة موضوعة أفقيا، وبها شفرات مائلة وضعت فيها حبوب غير مقشرة فبدأت الشفرات تتدرج في طحنها”

وفي المكان نفسه بنخل وجد الكثر من مكائن الخياطة اليدوية التي تعنى بنسج اللفاع المزخرف، وقماش قطني من اللون البني الطبيعي يدعى (خودرنج)، كما أشاد في نخل بصناعة الغزل الأزرق واحزمة الحرير المزخرفة وغيرها من صناعات تقليدية جميلة.

العادات والتقاليد والتسامح:

كان مايلز معجبا جدا بكرم ضيافة العمانيين، وتسامحهم الممتزج بالدعابة ، إذ كان يُستقبل بحفاوة من قبل الشيوخ والأهالي فقال إن شيخ قرية (المزارع) وضع يده على حلقه قائلا بأنه سيخنقه إن أبى أن ينزل عنده ضيفا معززا مكرما وأن عند دنوه من القلعة تم إطلاق قذائف زنة كل منها 12 رطلا ترحيبا بوصوله.

وفي بهلا ذكر مايلز بأنه استقبل بألعاب الفروسية، فكان فارسان مثلما وصفهما يركبان جواديهما وينطلقان بهما وهما يحملان بندقيتيهما ويدورانها في سرعة هائلة ويطلقان النار.

ويلخص كل هذا بالقول:

” استقبلت بكل ما فطر عليه العرب من الحفاوة والود .. إن استقبالي الحار في هذه البلدة وغيرها من البلدات لهو واضح على ما يكنه العمانيون من مشاعر الود، حقا لقد لقيت في جميع نزهاتي ورحلاتي رفاقي من الشيوخ ما يدعوني أن أكون شاكرا لهم ومقرا بجميلهم فقد استقبلوني دوما بدفء لم يفتر ولم يظهر تبرما أو استياء مما سببته لهم من تكليف ومشقة بل كانوا على أهبة الاستعداد لأن يحققوا لي ما أبتغيه أيا كان المكان والزمان، وكانت سلامتي وراحتي -عند العمانيين -شغلهم الشاغل وأولى أولوياتهم في مواقع الجد والخطر”.

المرجع: عمان في عيون الرحالة البريطانيين، قراءة جديدة للاستشراق، د. هلال الحجري، ترجمة د. خالد البلوشي ، النادي الثقافي سلطنة عمان، دار الانتشار العربي (بيروت) ، الطبعة الأولى 2013م.

المرجع

شارك هذا الخبر