المعرفة والترجمة والعرب (١)

عرض المقال الصلة بين حركات الترجمة والازدهار المعرفي، مستعيدًا دور مدن ومؤسسات عربية في نقل العلوم، وداعيًا إلى ترجمة فكر الأمم وإنتاج المسلمين عبر لغاتهم المتعددة.

المعرفة والترجمة والعرب (١)
Atheer - أثير

محمد الحمزة @Mhamza22
الرياض- المملكة العربية السعودية


 

تسهم المعرفة في إلهام النهضة الفكرية ودفع التنمية وازدهار الحضارة، كما أنها تجعل من حياة الناس أكثر ثراءً وتشجعهم على الحوار مع الآخرين وتساعد في ردم الفجوات الثقافية بين شعوب العالم، وخلال فترة العصور المظلمة في أوروبا وحتى نهاية الألفية الأولى كان العلماء العرب والمكتبات العربية يقومون بدور ريادي في مجال المعرفة عن طريق الترجمة والنشر والمحافظة على كنوز المعرفة العلمية والطبية والفلسفية والأدبية، والترجمة هي القدرة على نقل الكلام إما حرفياً أو بتصرف من لغة إلى أخرى دون زيادة أو نقصان بما يحقق للقارئ أو السامع فهم النص المترجم كما يفهمه قارئ النص الأصلي أو مستمعه، وتعد الترجمة عنصرا أساسيا للتفاعل بين الشعوب والحضارات، ومن خلالها نستطيع معرفة تراث الأمم وما أنتجته من فكر وأدب وعلم والاستفادة الكاملة منه، فالترجمة هي جسر لمعرفة ثقافات وعلوم المجتمعات وأداة للتأثير والتأثر، يقول لويس كيلي: ( أوروبا الغربية تدين بحضارتها للمترجمين ).

 

الترجمة والازدهار المعرفي..

 

ولم يسبق لأيّ حضارة أن حققت نهضة في تاريخها بشكل أو بآخر دون أن تسبق تلك النهضة أو تعاصرها حركةٌ للترجمة، وقد ازدهرت المعرفة بفضل ترجمة العديد من الأعمال المهمة إلى اللغة العربية، وكان المترجمون محطّ تقدير كبير خلال ذلك العصر الذهبي، وقد أطلقت حركات الترجمة فتراتٍ رائعة من الازدهار الثقافي في مدن عربية عدة، فكانت الاسكندرية بمكتبتها العريقة منارة للتفاعل بين الحضارات، والأندلس وكانت باباً لدخول الغرب للنهضة، وانفردت طليطلة بإشعاعها للعلوم والفلسفة والفلك والاجتماع، كذلك بغداد في حكم العباسيين (بيت الحكمة وديوان الترجمة)، وحديثاً عصر محمد علي انطلقت صحوة الترجمة من القاهرة وامتدت للشام بمدرسة الألسن.

 

تراكمية المعرفة..

 

الحضارة والمعرفة الإنسانية هي تراكمية وتكاملية، فكل حقبة حضارية تُكمل ما بدأته حقبة حضارية سابقة، وتستكمل نفسها من خلال ما تنتجه حضارة معاصرة لها، ومهما يكن من أمر فليس من السهل تجاهل تأثير الحضارات في بعضها البعض، فكل المنتجات الحضارية تعلو وتهبط إلا المقومات الفكرية فإنها تزدهر باستمرار، وليس بالضرورة في مكان وزمان محددين، بل تتناقل هذا الازدهار حضارة عن حضارة، وجيلٌ عن جيل، غير أن اختلاف اللغات يقف حائلاً بين أبناء اللغات المختلفة، ومنذ ترجم علماء المسلمين الكتب اليونانية والفارسية إلى العربية؛ كانت تلك الترجمات ذات أثر واضح في الحضارة العربية والثقافة الإسلامية، وتنبع الحاجة اليوم للعناية بالترجمة من التقدم العلمي والفكري الذي سُبقت إليه الأمة العربية من أمم الغرب والشرق، ولا شك أن المعارف تتمايز في أهميتها وقدر احتياجنا إليها، ولكن الترجمة ينبغي أن تكون مفتوحة على جميع الاتجاهات والأفكار، ثم عندما تكون المخرجات بين أيدينا نتعاطى معها حسب احتياجنا إليها وأهميتها بالنسبة لنا، فلكل فن طلابه الساعون إليه والباحثون عنه.

 

الترجمة لـ( الغير ) و لـ( العين )..

 

الأستاذ الدكتور ضياء الدين سردار وهو مفكر مسلم من أصل باكستاني يقيم في بريطانيا، وهو صاحب “المستقبليات الإسلامية” Islamic Futures: The Shape of Ideas to Come ، ذكر في إحدى اطروحاته يقول: وقع بصري على أسماء مفكرين وعلماء مسلمين كبار لم أسمع بهم قط، فضلا عن أن أكون قرأت لهم؛ فتساءلت: يتحدث كثير من المترجمين وفقهاء الترجمة وبعض الأقلام الأدبية وقليل من أهل الحل والعقد السياسي عن الترجمة لــ” الغير ” (أو الآخر)، ويقصد به عادة “الغرب” (أمريكا وأوروبا خاصة)، وأحيانا قليلة جدا “الشرق” (الصين واليابان والهند)، لكن الواقع أنه ينبغي الترجمة لـ” العين ” (أو الذات أو الأنا) أيضا، فقد أصبحت هذه العين غَيْرًا أحيانا، حتى إن كثيرا من العلماء والمفكرين والمثقفين المسلمين، وربما أكثرهم، لا يعرف بعضهم بعضا بسبب اللغة، فكثير من هؤلاء لا يكتبون أو يقرأون إلا بلغة واحدة: العربية أو الإندونيسية أو الماليزية أو الأوردو أو الفارسية أو التركية أو غيرها من لغات البلدان المسلمة، علما بأن بعضهم من الأقليات ولا يتكلمون إلا لغات الغالبية، مثل الصينية والهندية والروسية والانجليزية والفرنسية والألمانية.


شارك هذا الخبر