من جونو إلى شاهين: ماذا تعلمت عُمان من الأعاصير؟

عن الكاتب

محمد العريمي
محمد العريمي

محرر وكاتب صحفي

من جونو إلى شاهين: ماذا تعلمت عُمان من الأعاصير؟
ماذا تعلمت عُمان من الأعاصير؟
أثير – محمد العريمي
لم تكن الأعاصير التي مرّت على سلطنة عُمان خلال العقدين الماضيين مجرد حالات جوية عابرة، بل اختبارات متتالية كشفت، في ساعات قليلة، كيف يمكن للمطر والرياح والمياه أن تغيّر المشهد، وتضع التخطيط والبنية الأساسية وقدرة المؤسسات والمجتمع على الاستجابة أمام اختبار حقيقي.
ومن جونو في 2007م إلى فيت وميكونو وشاهين، تراكمت الخبرة العُمانية، وتغيّرت معها طريقة التعامل مع الحالات المدارية؛ من الاستجابة بعد وقوع الحدث إلى الاستعداد له، ومن التعامل مع الكارثة كحالة طارئة إلى محاولة فهم مسارها ومخاطرها قبل وصولها
ولفهم هذه التحولات من زاوية جغرافية وبيئية، حاورت “أثير” الدكتور علي بن سعيد البلوشي، أستاذ مشارك الجغرافيا الطبيعية بجامعة السلطان قابوس، حول ما تكشفه الحالات المدارية عن طبيعة عُمان، ولماذا تتحول بعض الأمطار إلى سيول جارفة، وما الذي تغيّر منذ جونو، وما الذي لا يزال بحاجة إلى تطوير.

لماذا تتحول الأمطار إلى سيول جارفة؟

يقول الدكتور علي البلوشي إن الحالات المدارية تصاحبها عادة أمطار شديدة وغزيرة خلال فترات قصيرة، تمتد من يوم إلى ثلاثة أيام، وقد تتجاوز كمياتها أحيانًا 300 ملم.
وفي الأراضي الجافة، يصعب استيعاب هذه الكميات الكبيرة خلال فترة قصيرة، فتتحول المياه إلى جريان وسيول، وتزداد حدة ذلك في شمال عُمان ومحافظة ظفار، حيث تجاور السهول والمراوح الفيضية الضيقة سلاسل جبلية شديدة الانحدار، وهنا تجتمع غزارة المطر وقصر مدته وتركيزه مع شدة الانحدار، فتتشكل جريانات هائلة قد تتجاوز مجاري الأودية.

”جونو“ نقطة التحول

قبل إعصار جونو عام 2007م، كانت خبرة سلطنة عُمان في التعامل مع الأعاصير المدارية محدودة، كما لم تكن الهيكلية الحالية لإدارة الكوارث والأزمات موجودة بالشكل الذي نعرفه اليوم.
ويشير البلوشي إلى أن عُمان تقع أصلًا ضمن المسار المحتمل للأعاصير المدارية، بحكم موقعها على بحر العرب والمحيط الهندي، وفي نطاق العروض التي تتحرك فيها هذه الأنظمة.
لكن كثيرًا من الأعاصير ينحرف نحو الشمال الشرقي، أو يتلاشى فوق البحر، أو يضعف بفعل رياح القص والظروف الجوية غير المناسبة، ولذلك لا يصل إلى السلطنة إلا عدد محدود منها.
وكان جونو مختلفًا، إذ شكّل نقطة تحول في فهم حجم المخاطر والاستعداد لها، ثم جاءت حالات أخرى، أبرزها فيت وميكونو وشاهين، لتضيف دروسًا جديدة إلى التجربة العُمانية.

”ميكونو“ عندما تتجاوز المياه قدرة الاستيعاب

يتحدث البلوشي عن إعصار ميكونو بوصفه إحدى الحالات المدارية التي اتجهت إلى محافظة ظفار وضربت غربها بقوة، وحملت كميات كبيرة من الرطوبة، مع أمطار قد تكون وصلت إلى نحو 500 ملم خلال يوم أو يومين.
ويؤكد أن كميات بهذا الحجم خلال فترة قصيرة تتجاوز قدرة أي دولة على استيعابها بالكامل، وهو ما أدى إلى أضرار واضحة.
لكن التجربة، في المقابل، أكدت أهمية الخبرة المتراكمة وسرعة الاستجابة، إذ أسهمت الجاهزية والإجراءات المتخذة في الحد من آثار الحالة، رغم ضخامتها.

”شاهين“: المشكلة لم تكن في المطر وحده

في إعصار شاهين، يرى البلوشي أن أحد أهم العوامل كان مسار دخول الإعصار؛ فجونو، بحسب وصفه، لم تدخل عينه إلى محافظة مسقط، بينما دخل شاهين بكامل محيطه إلى اليابسة، وهو ما أحدث تأثيرًا مختلفًا.
دخل الإعصار أولًا إلى المناطق الساحلية المنخفضة، فأدى إلى تشبع التربة وارتفاع منسوب المياه، ثم تحرك باتجاه المناطق الجبلية، لتأتي الأودية بعد ذلك بكميات إضافية من المياه نحو السهل الساحلي.
وعندما تكون التربة مشبعة مسبقًا، تقل قدرتها على استيعاب مياه الأودية، فتزداد احتمالات خروج المياه عن مجاريها
ويضيف أن طبيعة المنطقة نفسها أسهمت في تضخيم الأثر؛ فالسهل الساحلي يجاور الجبال شديدة الارتفاع، وسُجلت كميات أمطار تجاوزت 400 ملم في بعض المناطق، كما توجد كثبان رملية ساحلية وأودية قصيرة لا تمتلك في بعض الحالات مخارج مباشرة إلى البحر، إلى جانب وجود مخططات سكنية في مناطق منخفضة.
لذلك، لا يمكن اختزال ما حدث في قوة الإعصار وحدها، بل هو نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها كمية المياه وشدة الهطول وتركيزه ومسار الإعصار وطبيعة التضاريس، إضافة إلى قدرة الطرق والعبارات والمخارج المائية على استيعاب الجريان.

ماذا تغيّر بعد شاهين؟

يصف البلوشي شاهين بأنه تجربة فريدة في الباطنة، مشيرًا إلى أن مساره لم يكن متوقعًا، وأن دخوله إلى بحر عُمان بهذا الشكل كان حدثًا نادرًا خلال العقود السابقة.
لكن الأهم أن التجربة تحولت إلى إجراءات عملية؛ إذ جرى، بحسبه، زيادة عدد العبارات في المجاري الرئيسية، ورفع طرق، ووضع مخارج للأودية، وتوسيع مجارٍ مائية، في محاولة للاستفادة من التجربة وعدم تكرار مواطن الضعف التي كشفتها,
ويختصر البلوشي الدرس في فكرة واضحة: ليس المهم ألا تتضرر، بل أن تستفيد من الضرر، وتحول التجربة إلى توقعات وإجراءات أفضل في المستقبل,

الأعاصير تكشف ما لا تكشفه الخرائط

بعيدًا عن الخسائر، يرى البلوشي أن الحالات المناخية القوية تكشف مشكلات تخطيطية قد لا تظهر في الظروف العادية، فحتى مع وجود المعايير والاشتراطات، قد تظهر نقاط ضعف يستفيد منها متخذ القرار في تعديل التخطيط وتجنب تكرارها، سواء عبر تشديد بعض الإجراءات أو نقل بعض السكان أو اتخاذ حلول أخرى.
لكن الحالات المدارية لا تحمل آثارًا سلبية فقط، فالأمطار الغزيرة يمكن أن تسهم في تغذية الخزانات الجوفية وملء بحيرات السدود، ونقل التربة وتجديد خصوبة بعض الأراضي الزراعية، وغسل التربة المتملحة في السهول، إلى جانب نقل بذور النباتات الطبيعية التي قد تبقى كامنة في التربة لفترات طويلة.
كما يمكن للسيول أن تنقل الملوثات وتجميعها عند مخارج الأودية، بما يسهل التعامل معها، فضلًا عن أنها تكشف مستوى التضامن المجتمعي وقدرة المؤسسات والمجتمع على التكاتف في مواجهة الظروف الاستثنائية.

هل أصبحت المخططات السكنية أكثر أمانًا؟

يؤكد البلوشي لـ “أثير” وجود معايير دولية ووطنية تُراعى عند توزيع المخططات السكنية، وأن الأراضي المعرضة لجريان الأودية يمكن التقدم بطلب استبدالها، كما تُحتسب مخاطر الجريان وفق فترات زمنية مختلفة، منها 50 و100 و150 و200 عام.
لكن الكارثة قد تتجاوز أحيانًا مستوى التوقعات التي بنيت عليها هذه المعايير، وهو ما لا يعني بالضرورة أن التخطيط كان خاطئًا، وإنما قد يعني أن حجم الحدث الجديد فرض واقعًا يستدعي إعادة النظر في المعايير والقوانين، لتصبح أكثر قدرة على التعامل مع المخاطر التي تكشفها الكوارث

لماذا ما زالت الأودية تحصد الأرواح؟

لا يرى البلوشي أن كل وفاة أثناء عبور الأودية تعني بالضرورة وجود خلل حكومي أو قانوني أو تخطيطي، فقد تقع الكارثة رغم الاستعدادات والاحتياطات.
لكن وقوع الوفيات يفرض مراجعة ما سبق، سواء عبر زيادة برامج التوعية، أو تغليظ العقوبات عند الحاجة، أو تعديل بعض الإجراءات لتتوافق مع حجم الخطر، فالهدف في النهاية هو تقليل الوفيات إلى الحد الأدنى، حتى عندما تتجاوز الكارثة بعض التوقعات السابقة.

من جونو إلى اليوم: ماذا أنجزت عُمان؟

يقول البلوشي إن سلطنة عُمان استطاعت تقليل حجم الخسائر المرتبطة بالحالات المدارية بدرجة كبيرة، وإن قدرتها على التكيف أصبحت مرتفعة.
ويرى أن من أبرز الاحتياجات الحالية الإسراع في إنشاء مراكز الإيواء، حتى لا تتعطل الخدمات، خصوصًا التعليم، إلى جانب توسيع استخدام التقنيات الحديثة في التنبؤ بالحالات ومراقبتها وتحديد مساراتها، بما يسمح بإجلاء المتضررين بسرعة.
وتتسق هذه الرؤية مع مسار تطور المنظومة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة في سلطنة عُمان، التي انتقلت تدريجيًا من استجابة محدودة ومجزأة قبل جونو إلى منظومة أكثر تكاملًا تقوم على الوقاية والاستعداد والاستجابة والتعافي.
فخسائر جونو عام 2007م، التي بلغت نحو 49 إلى 50 وفاة، والأضرار الواسعة التي طالت المنازل والطرق وشبكات الكهرباء والمياه، كشفت الحاجة إلى منظومة وطنية تتجاوز رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي والتنسيق المؤسسي.
ثم جاء إعصار فيت عام 2010م ليعزز هذا الاتجاه، ويدفع إلى مراجعة شاملة لإدارة الكوارث، شملت تطوير الخطط الوطنية، وبناء قواعد بيانات للمنشآت والطرق والتضاريس، وتجهيز مراكز الإيواء، وتوزيع مخزونات الإغاثة، وتعزيز الجاهزية للتعامل مع المواد الخطرة

منظومة تعمل قبل الكارثة وأثناءها وبعدها

اليوم، تقوم المنظومة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة على لجنة وطنية ومركز وطني لإدارة الحالات الطارئة، إلى جانب قطاعات متخصصة للرصد والإنذار المبكر، والبحث والإنقاذ، والاستجابة الطبية، والإغاثة والإيواء، والخدمات العامة، والإعلام، والتعامل مع المواد الخطرة، والتعامل مع الضحايا.
وتعمل المنظومة عبر الرصد والإنذار المبكر، والتدريب والمحاكاة، والتنسيق بين الجهات، والاستجابة الميدانية، وإدارة الموارد والتوعية المجتمعية.
كما شهدت السنوات الماضية توسعًا في البنية المرتبطة بإدارة المخاطر، شمل إنشاء سدود جديدة، وتطوير فرق متخصصة للبحث والإنقاذ والتعامل مع المواد الخطرة، واستحداث السجل الوطني للمخاطر، وإنشاء صندوق وطني للحالات الطارئة، والعمل على إنشاء مراكز إيواء ثابتة في عدد من الولايات.

الجغرافيا والذكاء الاصطناعي؛ إلى أين؟

يرى البلوشي أن التعامل مع الكوارث مستقبلًا لن يعتمد على الخبرة وحدها، بل على البيانات، ويبدأ ذلك بجمع الإحصاءات والمعلومات وإنشاء قواعد بيانات وخرائط دقيقة، ثم استخدام نظم المعلومات الجغرافية والرصد والاستشعار عن بُعد، وربط البيانات القادمة من السفن والطائرات ومراكز الرصد الإقليمية والدولية
ثم يأتي الذكاء الاصطناعي ليقدم نماذج محاكاة أكثر تطورًا، تساعد في توقع مسارات الأعاصير، وتحديد المناطق الأكثر عرضة للتضرر، وتحسين عملية اتخاذ القرار، لكن التكنولوجيا، كما أكد لـ “أثير”، لا تستطيع منع الكارثة ”نحن فقط نخفف من آثار الكارثة، لا نستطيع منعها”.
وربما هنا تكمن خلاصة التجربة العُمانية مع الأعاصير: ليست الجاهزية في القدرة على إيقاف المطر أو تغيير مسار الإعصار، وإنما في معرفة أين ستتجه المياه، ومن سيتأثر بها، وكيف يمكن إجلاؤه، وكيف تحمي البنية الأساسية، وكيف تتحول كل كارثة إلى معلومة، وكل خسارة إلى درس، وكل درس إلى إجراء، فمن جونو إلى شاهين، لم يتغير الطقس وحده، بل تغيّرت معه طريقة عُمان في قراءة الخطر والاستعداد له.
مصدر صورة الموضوع: هيئة الطيران المدني

شارك هذا الخبر