د. الرمضاني يكتب: اقتصاديات النفط .. بين ترشيد الإنفاق وتنويع مصادر الدخل (1)

ناقش د. سيف بن حمد الرمضاني في 2015 أثر الاعتماد المرتفع على النفط في الإيرادات الحكومية، ورأى أن تنويع الدخل ينبغي أن يوازي تقليل الهدر وترشيد الإنفاق الحكومي.

د. الرمضاني يكتب: اقتصاديات النفط .. بين ترشيد الإنفاق وتنويع مصادر الدخل  (1)
Atheer - أثير

د. سيف بن حمد الرمضاني

 

 

 

 

 

 

 

تشهد معظم البلدان المصدرة للنفط الخام خصوصا تلك التي تُعد فيها هذه السلعة هي الأولى في قائمة مصادر الدخل لديها العديد من الإشكالات والتبعات التي جرها لها اعتمادها الكامل على سلعة واحدة تتأثر كغيرها بعامل العرض والطلب ، بالإضافة إلى تأثرها بالعوامل الجيوسياسية ، إلى جانب كونها من السلع الناضبة التي لا يمكن الاعتماد عليها كثيرا فيما يتعلق بالمستقبل ، خصوصا إذا ما ظهرت بدائل أخرى لها أقل تكلفة وأرخص سعرا.

 

والسلطنة إحدى هذه الدول التي تتأثر بأي هزة سعرية لهذه السلعة التي ما تزال تمثل نسبة إسهاماتها في الإيرادات الحكومية عالية تصل إلى 80 % ، وكغيرها من الدول النظيرة فإن السلطنة تسعى جاهدة لتجاوز هذه الأزمة بأقل الأضرار ، مع التفكير الجاد في مستقبل إسهام هذه السلعة في الناتج المحلي.

 

لقد أعدت بالأمس نشر عدة تغريدات سابقة لي على صفحة الفيسبوك عن تنويع مصادر الدخل ، ردّاً على أحد المعقبين من الأصدقاء الفيسبوكيين الذي عاب على الحكومة والمواطنين انشغالهم بأمر ترشيد الإنفاق لاحتواء تبعات الأزمة المالية بدلاً من البحث عن حلول لمصادر أخرى للدخل تكون بديلاً للنفط في المستقبل القريب ، ومع صحة ما ذهب إليه في تعقيبه إلا أن معالجة جوانب الهدر والتسريب المالي لا يقل أهمية من البحث عن بدائل ، فلا يمكن لأحد أن يجمع الماء مثلاً عبر وعاء مثقوب.. هذا أولاً.

 

أما ثانياً فإن جلالة السلطان قابوس المعظم -حفظه الله – قد دعا للاهتمام بتنويع مصادر الدخل منذ اليوم الأول للنهضة المباركة ، ومن ذلك قوله عام ١٩٧٢م ( وسنعمل على تنمية مواردنا الطبيعية بالعمل على أن تعطينا الزراعة في المستقبل اكتفاء ذاتيا وفائضا نصدره إلى الخارج بعد ذلك ، كما أن شركة استثمار الثروة السمكية على أهبة الاستعداد للعمل ليس لسد حاجة البلاد من السمك فقط بل للعمل على انخفاض السعر وتعليب الفائض وتصديره الى الخارج). وقوله – أبقاه الله – عام ١٩٨٢م ( لقد سعينا ومنذ عدة سنوات إلى تنويع مصادر الداخل القومي، وتوسيع قاعدة اقتصادنا الوطني ، وذلك بالاتجاه نحو تخفيف الاعتماد على عائدات النفط، واستغلال الموارد الطبيعية المتوفرة في بلادنا).

 

كما أن خطة التنمية الأولى التي بدأت عام ١٩٧٥م كان من بين أهم أهدافها تنويع مصادر الدخل إلى جوار الإيرادات النفطية لتحل محلها في المستقبل ؛ وكذلك الحال بالنسبة لخطة ٢٠٢٠ التي ركزت على التنويع الاقتصادي المستمر والمتجدد. من هنا فإن نظرة جلالته للأمور كانت منذ البدء أكثر تقدمية وعصرية من كثير من المسؤولين في القطاعين العام والخاص ، لكن لم يجد بعضها – للأسف الشديد – من يحولها سريعاً إلى واقع نعيشه الآن ، نظراً لأن بعض هؤلاء المسؤولين والمستشارين لم يواكبوا هذا الفكر المستقبلي الرصين ، أو ربما شغلت البعض منهم فتنة الحياة الدنيا التي لم يستطيعوا الفكاك منها فغلبوا المصالح الشخصية على العامة.

 

إن البحث عن حلول لتنويع مصادر الدخل – وما أكثرها في بلادنا المعطاء – لا بد أن يواكبه وفي نفس المسار البحث عن الرتوق أو الثقوب التي قد يتسرب منها ما قد نجمعه من مكاسب عامة ، وأعني بها ضرورة تقليل الهدر وترشيد الإنفاق ، وهي مسؤولية يشترك فيها الجميع من أكبر موظف لأصغرهم.

 

وهنا ؛ لعلني أسرد – في هذا المقال – بإيجاز وعلى شكل نقاط بعضا مما قد أحسبه سيسهم مع الآخرين في عملية البحث هذه التي تنشد خير هذا الوطن العزيز الذي لن نفيه حقه مهما بذلنا وعملنا. على أن يتلوه مقال آخر يعنى بتنويع مصادر الدخل.

– من صور ترشيد الإنفاق الحكومي لمعالجة الأزمة المالية الحالية تصحيح بعض الهياكل التنظيمية الحكومية بالدمج او الالغاء.

– معالجة النتوءات او الزوائد النابتة في الجسد الحكومي وتمتص الكثير من مقوماته ، كهيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم التي يمكن توسيع نطاق عملها لتتولى الإشراف على جميع المناطق الصناعية أو الموانئ وليس الدقم لوحدها، لتكون مثل الشركة العمانية لإدارة المطارات، أو الشركة العمانية للقطارات، أو الشركة العمانية للنقل البحري. والهيئة العامة للصناعات الحرفية التي تستنزف الكثير مقابل القليل مما تقدمه للدولة ، ولعله كان من الأجدى والأفضل تأسيس شركة مساهمة عامة ربحية لتطوير الصناعات الحرفية وتصنيعها وبيعها يستقدم لها عمال مهرة من الدول المتقدمة كالصين مثلاً الى جانب الحرفيين العمانيين. وهناك الهيئة العامة لسجل القوى العاملة التي يعاني رئيسها التنفيذي وموظفوها كذلك من البطالة في ظل وجود وزارة للقوى العاملة وأخرى للخدمة المدنية وفي ظل عودة نظام التوظيف المركزي كسابق عهده.

 

– إلغاء أو تأجيل بعض المشروعات غير الضرورية كساحات تخميس السيارات وبوابات الولايات وميادين سباقات الهجن.

– الاكتفاء بحفلات مبسطة لتخريج طلاب مؤسسات التعليم العالي برعاية رؤساء الجامعات أو مسؤولي التعليم العالي كما هو الحال في الدول المتقدمة.

– احالة بعض المستشارين ممن هم في درجة وزير او وكيل للتقاعد ، خصوصا من بلغ منهم السن القانونية للتقاعد ، وبعضهم لهم مكاتب وموظفون لتخليص أعمالهم.

– إلغاء الامتيازات التي ما يزال يتمتع بها موظفو بعض الجهات الحكومية كمخصصات تعليم الأبناء والتأمين الصحي لعائلاتهم وعلاوات استقدام خدم المنازل والقروض بدون فوائد والسيارات الحكومية مع الاحتفاظ بعلاوة النقل… الخ.

– تقليل أعداد السيارات التي توضع تحت تصرف رؤساء الوحدات الحكومية ووكلائها.

– تقليل اعداد الموظفين في سفارات السلطنة حول العالم في الوقت الحاضر ، خصوصاً اصحاب العائلات منهم لاضطرار الدولة لاستئجار سكنات عائلية لهم والصرف على تعليم ابنائهم وعلاجهم وتنقلاتهم الجوية، حيث ان ما يصرف لهم من خدمات ربما يكون اكثر بكثير من رواتبهم الفعلية.

 

هذه بعض الأمثلة القليلة لترشيد الإنفاق ، وهناك أمثلة أخرى كثيرة ، لا شك أن الدولة واعية بها ومطلعة عليها ، وستسعى خلال قادم الأيام لمعالجتها وتصحيحها لما في خير هذا الوطن ومواطنيه في ظل باني نهضة عمان الحديثة جلالة السلطان المفدى حفظه الله ورعاه.

شارك هذا الخبر