تمتمة الصوت، هدير الأثير..قراءة في كتاب “هنا عمان”

عرضت القراءة في 2015 فصول كتاب «هنا عُمان» عن نشأة إذاعة سلطنة عُمان وتطور إذاعتي مسقط وصلالة، وحضور المرأة والعمل الإذاعي خلال السنوات الأولى للنهضة حتى 1979.

تمتمة الصوت، هدير الأثير..قراءة في كتاب “هنا عمان”
Atheer - أثير

نعمة الكندي

 

نحنُ بحاجة إلى بعض الأصوات غير المتصدعة،

رُبما الجهورية السعيدة بِقُوتها…

 

شيءٌ ما يقوُدكَ نحو الخيال، إذ إن أكبر فِكرة تجتّرُ الخيال وتُبلوره هي تلك الأصوات التي تتمخضُ في كوننا، تنبعثُ من أساريره ومخابِئه، تندفعُ لِتُولد أمواجًا تهدُرُ بإيقاعات مُتناغمة تعلو مرةً وتخفُضُ تارةً أخرى، وهكذا تصدع عوالم الإذاعات وأثرياتها، صوت للشعوب ولسان الأوطان. فيأتي كتاب “هُنا عُمان ” نشأة وتطور إذاعة سلطنة عُمان كدِراسة أكاديمية في درجة الماجستير بجامعة السُلطان قابوس للإعلامية فاطمة بنت مُحسن اللواتي تنبُشُ فيها الأيونات الأولية لِتشكُّل بِناء الإذاعة في عُمان مُنذ انبلاجِ نُورِ النهضة وحتى العام 1979م.

 

دراسة حافلة لِمُنجز ولِد خلال سويعات من تسلُم جلالة السلطان قابوس مقاليد الحُكم ، إنها حكاية المذياع الذي أصبح همزة الوصل لُكلِ عُماني في السهل والجبل ،للفلاّح في مزرعته ،والتاجر في رُكنه الصغير بأحد أزقت الأسواق المتبعثرة وسط مدُن وقُرى عمان المُترامية الأطراف ،ولرُبما أن مولد الإذاعة أصلا لم يكُن حديث العهد – كما تذكر الكاتبة – فلقد كان في فترة الخمسينيات يعمل في مُحيط ضيق للغاية بولاية مطرح ،إذ كانت تعمل إذاعة مُتنقلة في سيارة لاندروفر عملا بها كُلٌ من السيد ثويني بن شهاب وحفيظ الغساني، كما أن وثائق بريطانية أشارت إلى أن مسقط طلبت من هيئة الإذاعة البريطانية الـ BBC تقديم استشارات تتعلق ببرامج الراديو إلا أن هذا الأمر لم يكتمل.

 

جاءت الإذاعة في بداية النهضة وهي تحمل صوت الرجل الذي سيُغير دفّة الحُكم وينتشل أبناء البلد مِن ظُلمت العُزلة، ذلك الصوت الذي وحّد العمانيين عِندما انبثق صوته لأول مرة في صبيحةِ أحد أيامِ يوليو ،كان الهدف الأول هو مُحاربة الفِكر الماركسي الذي صُدّر من عدن حيث كانت تعمل إذاعة صلالة وكانت سابقا تُدعى بإذاعة الحصن كـ “إعلام حربي” لتحذير أبناء الجنوب من الوقوع في شِرك الماركسية الشيوعية المُنافيةِ للإسلام ،كما كان لها دور في استقطاب المعارضين المتمردين للعودة إلى الصواب. بينما ركزت إذاعة مسقط على التوعية والتثقيف بالإضافة لدعوة العمانيين المهاجريين للعودة لأرض الوطن وبناءه طوبةً طوبة.

 

وجود إذاعتين الأولى في مسقط والثانية في صلالة مكّن الدولة من إيصال صوتها لأكبر قدر ممكن من المواطنين، لكننا نتحدث رغم ذلك عن ستة موظفين فقط يعملون في الإذاعة من بينهم امرأة جاءت بعد افتتاح الإذاعة بشهرين، إنها المُكرمة الأستاذة منى بنت محفوظ المنذرية، لتكون بذلك أول أمرأه عمانية لتسبق بهذا ثلاث دول خليجية كانت قد بدأت بثها للإذاعة قبل السلطنة بعقود، الأمر لم يكن بهذه البساطة لمُجتمع محافظ لايزال في تِلك الحِقبة يرى أن المرأة لا يمكن ان تخرج للعمل ،منها ما تستذكره الإعلامية زينب الزدجالي التي عملت في العام 1975م إذ أنه وصل حال بعض أفراد العائلة لقطع العلاقات معها!

 

يسبر الكتاب بفصوله السبعة بشكل منهجي وعلمي بداتها الكاتبة بالإعلام العماني مرورا بالإذاعتين مسقط وصلالة، وفصل خصصته للمرأة في الإذاعة ثم الإطار المنهجي والنتائج التي خلُصت مِنها الدراسة، كتاب لا يخلو من المفاجأة في اكتشاف هذه الحقبة من الزمن ، كما أنها لا تخلو من المواقف التي عاشها العاملين في هذا البراح منها ما ذكره الأستاذ الإعلامي عبد العزيز السعدون في أحد أيام شهر رمضان حيث نسي رفع أذان المغرب من الأرشيف ،اضطره لرفعه بصوته ، ما ترتب عليه مسائلة في اليوم التالي أدت إلى ترقيته ثلاث درجات نظير حنكته في التصرف السريع لهذا الموقف الغير معهود في الاذاعة.

شارك هذا الخبر