الملفاتصناعة المصرفية الإسلامية في سلطنة عمان
في مادة منشورة عام 2015، استعرض الكاتب مسار المصرفية الإسلامية في سلطنة عمان منذ انطلاقتها عام 2012، ونمو الأصول، والإطار الرقابي، والحاجة إلى التوعية ودعم الاستثمار.
مصطفى بن ناصر الناعبي
متخصص في الصيرفة والتمويل الإسلامي
كانت الانطلاقة الأولى للمصرفية الإسلامية في سلطنة عمان في عام 2012م بموجب المرسوم السلطاني (69/2012)، والقاضي بإصدار تعديلات على بعض أحكام القانون المصرفي ما يسمح بتقديم المعاملات المصرفية الإسلامية بالسلطنة، ومنذ لحظتها انطلقت الأعمال سواء من جهة المصارف الإسلامية الخالصة كبنك نزوى وبنك العز، أو النوافذ الإسلامية التابعة لمختلف البنوك التقليدية العاملة بالسلطنة.
وكانت بداية البنوك والنوافذ الإسلامية مجتمعة في السلطنة برأس مال وقدره 450 مليون ريال من بينها: 150 مليون ريال عماني رأسمال بنك نزوى ، وحصة النافذة الإسلامية ميثاق 150 مليون ريال عماني التابعة لبنك مسقط، ويبلغ رأسمال بنك العز الإسلامي 100 مليون ريال عماني، كما أعلن البنك الوطني العماني عن نافذته للأعمال المصرفية الإسلامية “مزن” برأسمال 15 مليون ريال عماني، وأسس البنك الأهلي نافذته “الهلال للخدمات المصرفية الإسلامية” ، وكان أيضا قد أعلن بنك صحار عن تخصيص 10 ملايين ريال عماني لنافذته للخدمات المصرفية الإسلامية “صحار الإسلامي”.
وبالرغم من أن الصيرفة الإسلامية بدأت متأخرة في السلطنة كآخر دولة خليجية ، إلا أنها وبحسب الخبراء يتوقع نجاح تجربتها بشكل كبير، وذلك لتوفر العديد من مقومات هذا النجاح، حسبما جاء في موقع اتحاد المصارف العربية في تلكم الفترة، لا سيما وأن السلطنة أرادت البدء من حيث انتهى الآخرون، وأن تتجنب الأخطاء والمطبات التي وقعت فيها هذه الصناعة في فترة نموها في العقود الأربعة الأخيرة، وجاء الإطار التنظيمي والرقابي للأعمال المصرفية الإسلامية والذي صدر بموجب المادة 122متوجا لهذه النظرة، ومن أهم ما ميز هذا الإطار هو عدم اجازة التعامل بالتورق أو المرابحة في السلع الدولية بأي صيغة وتحت أي شكل من الأشكال، والتورق – وكما هو معلوم- مثار جدل بين الفقهاء، ومنعه جاء ليعطي دفعة قوية للمصارف الإسلامية لتعمل وفق صيغ شرعية أكثر تأثيرا في الواقع الاقتصادي.
والمصرفية الإسلامية ما زالت تحقق الكثير من النجاح سواء على المستوى المحلي أو العالمي، فقد نمت أصول المصرفية الإسلامية عالميا، فحسب تقرير موسسة آرنست أند يونغ أن حجم الأصول الإسلامية لدى المصارف التجارية بلغ 778 مليار دولار بنهاية عام2014، وأن أصول المصرفية الإسلامية العالمية شهدت معدل نمو مركب وصل إلى 17% بين عامي 2009 و 2013م. وأيضا فحسب المؤسسة ذاتها أن المصرفية الإسلامية تمكنت عام 2013م من تسجيل أرباح متجمعة تتجاوز عشرة مليارات دولار لأول مرة في ستة أسواق هي قطر وتركيا وإندونيسيا والمملكة العربية السعودية والإمارات وماليزيا، مضيفة أنه بحال استمرار نسب النمو الحالية فستصل الأرباح المجمعة في هذه الدول إلى 25 مليار دولار بحلول عام 2018..
وفي الشأن المحلي فإن البداية كانت وكما أسلفنا في عام 2012م برأس مال 450 مليون ريال موزعا على المصارف الإسلامية والنوافذ التابعة للبنوك التقليدية، فحسبما جاء في تقرير عمان للتمويل الإسلامي 2015 والذي دشن ضمن فعاليات المنتدى الاقتصادي الاسلامي العالمي العاشر بإمارة دبي، فإن أصول المصرفية الإسلامية في السلطنة كانت في عام 2013 تمثل ما نسبته 3.5% من أصول البنوك العاملة في السلطنة ، في حين أنها ارتفعت لتصل إلى 4.4% بمنتصف عام 2014، وهذا نمو وتطور ملحوظ للصناعة المالية الإسلامية في السوق العماني. ويتوقع حسبما ورد في ذات التقرير أن يصل حجم أصول المصارف الإسلامية إلى 10% بحلول 2018 من إجمالي أصول البنوك العاملة في السلطنة، وهذا النمو حسب معطيات السوق ونمو الطلب على منتجات التمويل الإسلامي يبشر بتوسع كبير لهذه الصناعة في السوق العماني، وفي آخر تصريح للبنك المركزي العماني فإن هذه الأصول بنهاية أغسطس 2015 وصلت إلى 6.3%، من اجمالي الأصول المصرفية في السلطنة.
وبالرغم من الجهود المبذولة إلا أن الرقي بهذه الصناعة يحتاج إلى بذل مزيد من الجهد، وضخ جهد توعوي كبير لأكبر شريحة في المجتمع، فما زال المجتمع بحاجة إلى كثير من العمل التوعوي المنظم، والذي يقع جزء كبير منه في عاتق المصارف الإسلامية العاملة في السلطنة، فعليها أن تعمل مجتمعة وفق خطط استراتيجة لإيصال المعرفة الصحيحة عن النظام المالي الإسلامي وآلية عمله، وبيان الفروق الجوهرية بينه وبين النظام المصرفي التقليدي، كما أنه يستلزم من هذه المصارف والنوافذ في آن معا، أن تكون حريصة جدا على ايصال المعلومة الصحيحة من خلال الموظفين الذي هم على احتكاك دائم بمن يطلب الخدمة من هذه المصارف.
ويأتي الدور أيضا على رجال الأعمال في دعم هذه الصناعة، من خلال تنشيط الاسثتمارات والدخول في شراكات مع المؤسسات المالية الإسلامية، لدعهما ودعم مسيرة نجاحها، فما نريده هو أن يكون النظام المصرفي الإسلامي في السلطنة مثالا يحذى به، ولكن للوصول إلى هذه المرحلة نحن بحاجة إلى قرارات جريئة وشجاعة تتمثل في دعم هذه الصناعة من مختلف المؤسسات ذات العلاقة، وإلى تسهيل الإجراءات لها ، كما هو الحاصل من خطوات حثيثة من حكومة إمارة دبي في خطتهم لجعل دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي، فالمجال ما زال مفتوحا أمامنا في السلطنة بأخذ زمام المبادرة، ولكن لا بد أن يكون الجهد مجتمعا، وأن تكون النظرة بعيدة المدى وفق خطط واستراتيجيات مدروسة ومعدة مسبقا.