ناصر أبو عون
بعد حربين شبه عالميتين خاضتها أمريكا بذريعة مكافحة الإرهاب؛ الأولى كانت بمواجهة القاعدة في أفغانستان مازالت جروحها نازفة حتى الآن، وحرب ضد العراق خرج من تحت رمادها طائر العنقاء يحمل على جناح فتنة طائفية والآخر صراعات إثنية وانتهت بظهور (داعش) ومخططات تقسيمية.
لقد كانت نظرية السلطان قابوس في مواجهة الإرهاب الدولي والجماعات المتطرفة تقوم على (التعاون الثنائي) بين البلدان التي تواجه خطر الإرهاب وإعلان (حرب غير معلنة) و( استخدام التنمية الاقتصادية) كوسيلة ناجعة في إغناء المنخرطين في سلك هذه التنظيمات ومواجهة (الفكر المتطرف) بمنظومة تعليمية وإعلامية تقوم على (نشر الفكر المعتدل) و(صحيح الإسلام) بينما صمت أوباما حتى استفحل خطر داعش واستولت على البلاد والعتاد وجاء ليدعو إلى تحالف دولي تقوم استراتيجيته على أربعة محاور.
وبقراءة خطة أوباما للقضاء على داعش تبرز العديد من الأسئلة خاصةً أنّ هناك تحفظات إيرانية ومشاركة تركية رمزية ومن أهم هذه التساؤلات: هل أميركا ومعها حلف الناتو عن القضاء على تنظيم متطرف من بضعة آلاف وأصبحت في حاجة إلى (تحالف دولي)؟ ولماذا صمت العالم حتى استطاعت هذه العصابة الاستيلاء على ثلث مساحة أكبر دولة تمتلك احتياطا نفطيا في العالم؟ ومن ساعدها ومن مولها؟.. لقد جاءت خطة أوباما تحت مسمى (التحالف الدولي للقضاء على الإرهاب) بعد أن أصدر الشهر الماضي تعليماته إلى الجيش الأمريكي للقيام بعمليات موجهة ضد داعش لوقف تقدمها. أسفرت عن 150 ضربة جوية في العراق. بهدف حماية الموظفين والمنشآت الأميركية، وساعدت القوات العراقية والكردية كي تستعيد مناطق هامة.
محاذير استراتيجية
ولكي يأتي التحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة أمريكا ثماره المرجوة وحتى لا تتحول المواجهة إلى (حرب استنزاف) طويلة الأمد لن تخسر أمريكا فيها شيئا لأنها أخذت الدروس والعبر من حرب أفغانستان وحرب العرق ومن قبلها فيتنام وتعلمت أن تنقل الحرب في أرض الغير أو أرض الخصم – وهي السياسة الجديدة لأمريكا والتي أشار إليها أوباما في مقدمة خطبته بقوله (وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، قمنا بنقل المعركة بثبات إلى الإرهابيين الذين يهدّدون بلادنا) على المشاركين فيه الأخذ بعين الاعتبار عدة محاذير أهمها:
1- تحديد مصطلح الإرهاب ومعايير انطباقه على أية فئة وشروط تحققه
2- أن يكون أي تحالف دولي لمكافحة الإرهاب شاملا لا يقتصر على مواجهة تنظيم بعينه أو القضاء على بؤرة إرهابية بذاتها بل يمتد ليشمل كافة البؤر الإرهابية.
3- أن تكون هذه الاستراتيجية ليست معنية بمنطقة الشرق الأوسط أو في إفريقيا فحسب بل لابد من التوسع فيها لتشمل كل بلدان العالم.
4- تدارك الأبعاد الجديدة التي بدأت تطرا على صراعات المنطقة والتي تستهدف تاجيج الخلافات الطائفية والمذهبية وهي الصراعات الناجمة عن تهميش بعض المذاهب او الطوائف وإقصائها.
5- وضع المعالجات التنموية والعامل الاقتصادي في الاعتبار وضرورة أن يحتل أهمية كبرى في استراتيجية مكافحة الإرهاب إذ أن الفقر يمثل بيئة خصبة لنمو الإرهاب والفكر المتطرف.
نظرية السلطان قابوس لمواجهة الإرهاب
لقد كانت نظرية السلطان قابوس في مواجهة الإرهاب الدولي والجماعات المتطرفة تقوم على (التعاون الثنائي) بين البلدان التي تواجه خطر الإرهاب وإعلان (حرب غير معلنة) و( استخدام التنمية الاقتصادية) كوسيلة ناجعة في إغناء المنخرطين في سلك هذه التنظيمات ومواجهة (الفكر المتطرف) بمنظومة تعليمية وإعلامية تقوم على (نشر الفكر المعتدل) و(صحيح الإسلام) فمنذ ثلاثين عاما ونيف تحدث السلطان قابوس عن رؤيته السياسية لمواجهة الإرهاب الدولي ودعا إلى استخدام (العامل الاقتصادي) كوسيلة ناجعة في تجفيف مصادر تجنيد وتمويل الإرهاب بالطاقات البشرية المعطلة ومحاربة الفكر المتطرف بصحيح الإسلام فقد قال ردًا على سؤال (لجريدة الحياة اللندنية2951996) حول دعوة السلطنة في أكثر من مناسبة إلى تكثيف الجهود الدولية لمواجهة التطرف الديني ورؤية السلطنة لأسباب هذه الظاهرة وسبل علاجها.. قال جلالته: (إنّ هذه الظاهرة إنَّما تغرر بصغار العقول ومن عنده فراغ ثقافي أو ديني ومن ليس عنده وضوح الرؤيا في مثل هذه الأمور)، وأضاف جلالته: (إنني أعتقد أنَّ الأجهزة المعنية في كل الدول يجب أن تقوم بواجبها لتوضيح الأمور والتوجيه السليم لمثل هؤلاء الناس الذين لا يفهمون الفهم الصحيح ويأتيهم من يأتيهم ويغرر بهم أو أنّ هناك الجهل والجهل ما من شك آفة فإذا قضي على هذا الجهل بالتوعية أعتقد أن الأمور ستسير في مسارها الصحيح في كل الدول التي تعاني من هذه الظواهر.. وكذلك الأمور الاقتصادية لها أيضا دور فالجائع أحيانا قد يستمع إلى أي طرف يقول له أنا الذي سأنقذك مما أنت فيه).
وعلى محور آخر دعا السلطان قابوس إلى مواجهة ظاهرة الإرهاب من خلال تفعيل (التعاون الثنائي)، وبطرق غير معلنة تجنبًا لتداعيات المواجهة المباشرة التي غالبا ما تكون عواقبها سقوط ضحايا كثر من المدنيين قد تتخذهم الجماعات المسلحة دروعًا بشرية ففي سؤال وجهه له إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام المصرية في 0441985 حيث كان الإرهاب العالمي أبرز سمات الأحداث تلك الأيام في عديد من الدول كما حدث في الكويت والهند وبريطانيا.. فكيف تستطيع الدول العربية أن تقف موقفا حازما ضد هذا الإرهاب؟
فأجاب جلالة السلطان قابوس: لقد فكرنا كثيرا في هذا الموضوع ونحن في هذه المنطقة قد تحدثنا بإسهاب في ذلك ووجدنا أن الأفضل في هذا المجال هو الاتصال الثنائي بين كثير من الدول العربية والعالمية والتفاهم معها في هذا الشأن لأنه من اصعب أن نطلب رسميا من هذه الدول أن تتخذ شيئا في هذا المجال. والأفضل بصيغة عامة أن نعالج هذه الحالات بالطرق الثنائية وبهدوء وبطرق غير معلنة.. إنني أعتقد اعتقادا جازما ان الخطر على الخليج يكمن في محاولة زعزعة استقراره من الداخل بتصدير الإرهاب إلى داخل دوله.. إنّ محاولة تقويض الأمن الداخلي لدول الخليج ربما يكون الهدف الأكثر توقعا.. خصوصًا وأن تقويض الأمن الداخلي يمكن أن يفتح الباب على مصراعيه لعوامل التدخل الخارجي.. إنني أعتقد أن ذلك هو مكمن الخطر الأول بل لعل ذلك هو ما يدخل في احتمالاتنا رغم أن مسقط أكثر دول المنطقة استقرارا وتوازنا.
وفي حوار مع مجلة المصور المصرية (2111985) دعا جلالة السلطان قابوس إلى العودة إلى روح الإسلام والتعايش المذهبي وضربًا مثالا بسلطنة عُمان بقوله (وأظن أن العلاقات بين طوائف المسلمين في مسقط إنما تقوم على الاحترام المتبادل بين كل المذاهب فشيعة عُمان مسلمون أنقياء ومواطنون صالحون وهم يمارسون شعائرهم في حرية واحترام كاملين.. لقد تعايشت هذه المذاهب في تواد وتراحم في معظم مناطق الخليج ولم تفلح أية محاولات عديدة سابقة من أجل استغلالهم بدعاوى يبرأ منها الإسلام. لأن جوهرها يعبر عن روح الإسلام. إنه دين العقل الذي لم يغلق أبدا باب الاجتهاد لكي يبقى المسلمون دائما على وفاق مع عصرهم.. وللأسف فإن البعض يريد للإسلام الجمود وللمسلمين التخلف عن روح العصر.. هؤلاء فيما أعتقد لا يخدمون الإسلام وإنما يخدمون أهدافا أخرى غريبة عن الإسلام وليست في صالحه). وحول ماهية الجماعات الإرهابية أشار جلالته في حديث مع صحيفة السياسة الكويتية في ( 11/12/1985 28) إلى أنّ (هناك عناصر وُجِدَت لإيذاء المواقف العربية داخليا وعالميا. ودون الحسم نعطي فرصة للفاعل كي يكرر فعلته). وفي حديث لجلالته مع دورية ميدل ايست بوليسي الأمريكية في ( 3041995) قال له مراسل المجلة: تَعَرَّضْتَ في بياناتِك العامة إلى قضية التطرف السياسي.. كيف تُقيِّم الخطر المحتمل للحركات المتطرفة في العالم العربي والخليج على وجه التحديد؟ فأجاب جلالته: لا أعتقدُ أنني أستطيع أن أفعل شيئا في ذلك أفضل من إحالتك إلى الخطاب الأخير الذي ألقيته على شعبي بمناسبة العيد الوطني السابق، إنَّ التطرف – مهما كان شكله – يجب أن يُنبذ ويُرفَض بشدة من قِبَل الناس الواعين والعقلاء.. فعلى الجميع أن يلتزم بالأحكام الواضحة للدين والقانون بعيدًا عن التحريف والتشويه وعند فعل ذلك وعن الالتزام ومراعاة المبادئ المجربة والراسخة التي تُعلِّم الإنسان العيش في ظلها فإننا نستطيع جميعا أن نسلك طريق الإنسانية والفطرة السليمة والتقدم وهذا ينطبق على العالم العربي وأي مكان آخر. وإنني على ثقة من أنّ شعوب العالم العربي لو وضعت ذلك في ذهنها ولو اعترضت وقاومت بشدة حجج وخداع الذين يريدون تحريف وتشويه ديننا لتحقيق غايات سياسية.. عندها لن يفلح ذلك الخطر أبدًا)
خطة أوباما طويلة الأمد
لقد كانت نظرية السلطان قابوس في مواجهة الإرهاب الدولي والجماعات المتطرفة تقوم على (التعاون الثنائي) بين البلدان التي تواجه خطر الإرهاب وإعلان (حرب غير معلنة) و( استخدام التنمية الاقتصادية) كوسيلة ناجعة في إغناء المنخرطين في سلك هذه التنظيمات ومواجهة (الفكر المتطرف) بمنظومة تعليمية وإعلامية تقوم على (نشر الفكر المعتدل) و(صحيح الإسلام) بينما صمت أوباما حتى استفحل خطر داعش واستولت على البلاد والعتاد وجاء ليدعو إلى تحالف دولي تقوم استراتيجيته على أربعة محاور هي:
1- القيام بحملة منظمة من الضربات الجوية ضد داعش. والتنسيق العسكري مع الحكومة العراقية لضرب أهدافا لداعش بالتزامن.
2- إرسال 475 عسكريًا إضافيا إلى العراق. – لن يشاركوا في أية مهام قتالية وعدم الدخول في أتون حرب برية – وجودهم فقط لمساندة القوات العراقية والكردية في مجالات التدريب والتخابر والعتاد. ثم دعم جهود العراق لتشكيل حرس وطني لمساعدة لتأمين تحريرها من سيطرة داعش.
3- منع مصادر تمويل داعش؛ وتحسين الاستخبارات؛ وتعزيز الدفاعات؛ والتصدي لعقيدة داعش المشوهة؛ وضبط تدفق المقاتلين الأجانب إلى الشرق الأوسط ومنه. وحشد المجتمع الدولي بدرجة أكبر بشأن هذه المهمة.
4- توفير مساعدات إنسانية للمدنيين الأبرياء الذين شردتهم داعش. سنّة وشيعة والمسيحيين وغيرهم من أبناء الأقليات الدينية.
وبقراءة المحاور الأربعة نجد أمريكا تتنصل من الحرب البرية تجنبا للخسائر في صفوف الأمريكيين وتطبيق مبدأ (إدارة الحرب عن بعد) وهو مبدأ يثير شكوك كثيرة. وهو ما أكد جون كيري عليه بأنّ أي تدخل بري لن يتم وجزم مستخدما عبارة “لن يكون هناك تدخل بري نقطة على السطر” مما يعني أنه حتى الساعة تبقى النية في مواجهة داعش بضربات جوية محددة الأهداف. وفي موازاة ذلك تم الاتفاق على العمل لتجفيف منابع تمويل الإرهاب بالإضافة الى إقفال حدود الدول المجاورة للمساحة التي يسيطر عليها التنظيم واعتماد سياسة التطويق، بهدف خنقه شيئا فشيئا. كما يقتضي على الدول المشاركة في هذا الحلف أن تقوم بمكافحة انتشار “داعش الفكر” داخل حدودها.
تحفظات إيرانية ومشاركة تركية رمزية
قالت المتحدّثة باسم وزارة الخارجيّة الإيرانيّة، مرضية أفخم، اليوم الخميس، إنّ التحالف الدولي ضد داعش، يحمل في طيّاته أهدافاّ مبهمة وغير واضحة، معتبرة أنّ القضاء على كل أشكال الإرهاب والتطرّف من جذوره، أمر غير واضح في صيغة هذا التحالف، فمن غير المؤكد أنّ هذه الدول ستسعى إلى هدف من هذا النوع. ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسميّة (إرنا) عن أفخم، قولها إنّ “بعض الدول التي شاركت في هذا التحالف، كانت تقدّم الدعم المالي والعسكري للإرهابيين، في كل من العراق وسوريا، والبعض الآخر يريدون إحداث تغييرات في هذين البلدين”. ورأت أفخم، أن “هذه الازدواجيّة في التعامل وعدم الوضوح، هي التي أدّت إلى تطور ظاهرة الإرهاب والتطرف في المنطقة، وساعدت تنظيم داعش على ارتكاب جرائمه”. وقالت إنّه “على دول التحالف أن تتصرّف بشكل عملي واقعي، وتبتعد عن الشعارات الظاهريّة، وهو ما سيؤدّي بالفعل إلى محاربة الإرهاب”. وبالتالي إن أي تحالف دولي ضد الإرهاب يعني انخراط أطرافه ومنهم تركيا جنبا إلى جنب مع مقاتلي حزبي العمال والاتحاد الكرديين.. وهذا في منتهى الخطورة بالنسبة لفلسفة الأمن القومي التركي.. علما أن تطورات الحرب الكردية – الداعشية أعطت زخما كبيرا لضرورة بقاء حزب العمال الكردستاني مسلحا ليس فقط للدفاع عن المطالب الكردية في تركيا بل لمساندة أكراد شمال العراق وأكراد سوريا بما يحوله إلى قوة إقليمية تزيد من تأثيره وبالتالي الضغوط على تركيا.إن أي محاولة لهزيمة “داعش” في العراق تعني أيضا المزيد من تسليح الجيش العراقي وبالتالي تقوية حكومة بغداد وهو ما ترفضه أنقرة التي قال وزير خارجيتها الجديد مولود تشاووش أوغلو إنه جيش يعتمد بنسبة 95 في المئة على الشيعة وبالتالي من غير الواضح، وفقا للوزير، معرفة وجهة استخدام السلاح الجدي. وبمعزل عن مدى صلة تركيا بتنظيم داعش أو جبهة النصرة أو غيرها من التنظيمات السورية المعارضة فإن إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش في العراق يضعفه في سوريا وهو ما يعني، وفقا لتشاووش أوغلو، تقوية النظام في سوريا.. وهذا لا يخدم الهدف التركي الدائم في إسقاط النظام هناك.تركيا ليست سوى شريك رمزي وافتراضي في اجتماع الرياض كما في الحرب على الإرهاب، ولهذا كما يعتقد تأثيرات سلبية على علاقاتها بواشنطن التي لا تزال رغم بعض التحسن الذي طرأ عليها مؤخرا، متوترة وهشة.