د.عبدالله باحجاج يكتب :حسم الخيار الاستراتيجي للخليج العربي

د.عبدالله باحجاج يكتب :حسم الخيار الاستراتيجي للخليج العربي
د. عبدالله باحجاج يكتب: التلاعب بالحالات النفسية

د.عبدالله باحجاج


كاتب عماني

لم يكن مفاجئا لنا، العودة البريطانية إلى الخليج الآن، فالمنطقة الخليجية كانت تبحث عن قوة دولية تسد الفراغ الأمني الناجم عن التراجع العسكري والأمني الأمريكي، خاصة بعد فشل القمة التشاورية الخليجية في مايو عام 2015م في الرياض في أن تكون فرنسا البديل العسكري بعد استضافتها الرئيس فرانسوا هولاند في هذه القمة.

وهذا الفشل كان منطقيا على عكس النجاح الخليجي البريطاني بسبب عمق الجذور التاريخية بين الجانبين التي تضرب في (200) عام.

ولعل مقولة أمير الكويت في الجلسة الختامية عن بريطانيا أكثر دلالة تعبر عن هذا التاريخ، وحمولاته النفسية للأنظمة الخليجية، وبالتالي مدى قبول لندن دون غيرها لضمان أمن الخليج في ظل تفجر مجموعة من التحديات الوجودية تهدد الدول الخليجية ، وذلك عندما قال إن الأحداث الدولية أثبتت عمق وصلابة العلاقة مع بريطانيا باعتبارها حليفا تاريخيا، وهذا الحليف التاريخي قد تم في قمة المنامة تجديد صلاحيته الآن، وهذا يرجع الخليج إلى حقبة ما قبل السبعين، مع اختلاف الظروف والمعطيات.

وهنا وقفة تأمل جوهرية في الوعي السياسي للنخب الخليجية وللفاعلين الحكوميين ، ففي الوقت الذي كان ينظر إلى الوجود البريطاني في الخليج على أنه احتلال ، أصبح ينظر إليه الآن بأنه قوة انقاذ وضمانة للأمن الخليجي، بل عند بعض الانظمة ديمومتها في السلطة.

ربما يكون ذلك وراءه تعاظم الشعور النفسي بمجموعة أخطار وجودية تتقاطع في المرحلة الراهنة ، يستوي عندها خطر ترامب مع خطر ايران والقوى اللادولة المتطرفة، ودون أن تدري وربما تدري هذه النخب، أنها قد ساهمت في تسويق مثل هذه عودة الأجنبي للخليج بصورة ابتزازية قبل قمة المنامة، كيف ذلك – سنتناولها في مقال مقبل في ضوء مشاركتنا في المنتدى الثالث للخليج والجزيرة العربية في الدوحة عشية قمة المنامة -.

والتساؤل الذي يطرح الآن ، هل تشعر الأنظمة الخليجية الآن بالاطمئنان من خطر ترامب؟ سنؤجل الإجابة عليه للمقال المقبل، لكن، ما يطرحه هذا التساؤل من خلفيات ، يرجعنا إلى تصريحات المسؤول البحريني عشية القمة عن طرح ملف الاتحاد الخليجي دون السلطنة على طاولة قمة المنامة، فلماذا تم التلويح به، وكل المؤشرات كانت تشير إلى الخيار البريطاني كقوة بديلة لتعزيز الأمن في الخليج؟

ربما لدواعي التهيئة النفسية، ورفع حدية مخاوفها عند الرأي العام الخليجي إلى عنان السماء حتى يتم قبول الخيار البريطاني كضرورة وجودية للأنظمة والشعوب من الأخطار المقبلة.

لكنه كان تلويحا غير موفق ، وسيحسب سلبا في الذاكرة السياسية.

هل هي عودة أم تعزيز وتعميم الوجود البريطاني في الخليج، هذه قضية لن نتوقف عندها ، ويكفي بطرح التساؤل دون إجابة ، فالمتأمل فيه ، سيجد في مضامينه الكثير من الرؤى والاستشرافات التي سوف تنتج وقائع كانت عند بعض الدول الخليجية خطوطا حمراء ، فكيف تحولت إلى خضراء؟ إنه بالتأكيد الشعور بالخطر الوجودي ، فهل ايران عدوة الآن؟

يستوقفنا كثيرا بعض فقرات في خطاب تيريزا ماي، رئيسة الوزراء البريطانية، خاصة عندما قالت “سنساعد الخليج على التصدي لعدوان إيران. بل أنها لم تكتفي بذلك، حيث عززته بقول آخر مهم ، أكدت فيه أن هناك تهديداً واضحاً من قبل إيران لدول الخليج، لذا علينا بناء خطة استراتيجية تجاه تلك المسألة.

وهذه المكاشفة البريطانية تجنح كثيرا نحو المنظور السعودي من توصيف طهران ، فماذا وراءه من خلفيات ؟ كما شددت تيريزا ماي على أن أمن الخليج هو أمن بريطانيا أيضاً، والإرهاب الذي يستهدف دول الخليج يستهدف شوارعنا أيضاً، وعلينا معاً مكافحة داعش في سوريا، وأشارت إلى أن التنظيم تراجع في العديد من الأماكن.

والمتتبع للبيان الصادر عن وزارة الخارجية البريطانية قبيل القمة البريطانية الخليجية ، ونشرته “أثير” مؤخرا – سوف يخرج منها بقناعة أن دول الخليج العربي قد حسمت نهائيا توجهها الاستراتيجي نحو لندن ليس كبديل عن واشنطن – وهنا اختلافنا الكبير عن الآخرين – وإنما لسد الفراغ الأمريكي الناجم عن التراجع العسكري الأمريكي في المنطقة.

وقد كشفت الوزارة عن تعاون أمني وشراكة دفاعية بين دول الخليج وبريطانيا ، وقد كانت رئيسة الوزراء قد أكدت في تصريح لها قبيل زيارتها إلى البحرين بأن ”أمن الخليج الآن هو أمننا أكثر من أي وقت مضى” ، وأضافت “أنه ولهذا السبب نستثمر في القوة العسكرية هناك، حيث سننفق ما يفوق (3) مليارات جنيه استرليني بمجال الدفاع على مدى العقد القادم في الخليج، وذلك يفوق ما ننفقه في أي منطقة أخرى في العالم.“

وأضافت قائلة بأن تأسيس قاعدة إتش إم إس الجفير في البحرين يعتبر بمثابة قاعدة دائمة في المنطقة، وهي الأولى في منطقة شرق السويس منذ 1971، وهذه القاعدة قد تم إقامتها منذ بضعة شهور.

وهذا يعني أن الجانبين الخليجي الأمريكي كان يخططان منذ فترة على إقامة تعاون أمني وشراكة استراتيجية رادعة ، فما حجم الثمن ؟ وهل تداعيات الأزمة النفطية ستسمح إقامة مثل هذه الشراكة أم ستكون على حساب جيوب المواطنين ؟ هواجس كثيرة وعميقة تثار الآن ، وربما تضعنا أمام رؤية خلفيات وأبعاد السياسات المالية والاقتصادية الخليجية ، وعصر الضرائب المقبلة رغم تحسن أسعار النفط.

هل العلاقة الخليجية البريطانية في ثوبها الجديد ، وسوف تخلق التوازن الإقليمي ؟ هاجسنا هنا الأمن والاستقرار الإقليمي بعيدا عن التوترات العسكرية ، ومن هذا المنظور ، ربما نفسيا كذلك فقط ، لكن عمليا ، لا يمكن الرهان على القوة العسكرية والأمنية في تحقيق الاستقرار والأمن بين دول المجلس.

من هنا ، نجد في كلمة أمير الكويت الافتتاحية مسار مواز لتوطيد العلاقات الخليجية البريطانية في المجالين العسكري والأمني ، وهو الدخول في حوار خليجي ايراني يرتكز على حسن الجوار وعدم التدخل في الشئون الداخلية، وحل النزاعات الإقليمية الساخنة التي يكونان طرفا فيها بالتفاهم وعبر الحلول الممكنة ، فايران طرفا استراتيجيا في الجغرافية الخليجية العربية، لا يمكن تجاهلها، ولا الرهان على القوة مهما تعاظم شأنها.

فمثل هذا الجوار الإقليمي المتداخل والمتشابك في بنياته المادية والفكرية، لا يجعل أمام دوله سوى خيار الحوار والتعاون فقط ، والآن متاح لكلا الجانبين، فهل ستبادر إليه المنظومة الخليجية بعد أن تنفست الأنظمة الخليجية الارتياح من الضمانة البريطانية؟

الملف مفتوح.

شارك هذا الخبر