د.عبدالله باحجاج يكتب: أسئلة وأجوبة التحولات الاقتصادية في السلطنة.

د.عبدالله باحجاج يكتب: أسئلة وأجوبة التحولات الاقتصادية في السلطنة.
د/ عبدالله باحجاج يكتب: الفصل من الكليات والجامعات .. ليس حلا ، وهذه هي الأسباب

أثير – د/ عبدالله عبدالرزاق باحجاج

 

منذ منتصف عام 2014 ، والحكومة ماضية بخطى متصاعدة وسريعة في تنفيذ سياسات مالية واقتصادية غير مسبوقة تحت دواعي صناعة إيرادات مستدامة لا تقع مرة أخرى تحت ضغوطات الانهيارات السعرية للنفط ، وهذه الايرادات الجديدة تحملها الان المجتمع عن طريق منظومة متكاملة من الرسوم والضرائب ، الذي يلوح في الافق منها الان ، ضريبة القيمة المضافة والضريبة الانتقائية . وضريبة النفايات المنزلية.

فآخر التصريحات الخليجية ، تؤكد أن بداية العام 2018 سيتم تطبيق ضريبة القيمة المضافة في الدول الست في وقت واحد بنسبة (5%) على الخدمات والسلع ما عدا (100) سلعة ، وتتطلع هذه الدول من فرض هذه الضريبة إلى تحصيل ايرادات بقيمة (25) مليار دولار في السنة الاولى ، على أن تتصاعد سنويا .

وضريبة القيمة المضافة ، تختلف عن الضريبة الانتقائية التي ستبدأ الحكومة تطبيقها قريبا على كل ما يضر بالصحة..وهذه مسألة مهمة ينبغي توضيحها حتى لا تختلط المفاهيم ،  وتتداخل الضرائب عند المجتمع ، فعصر الضرائب جديد على المجتمع ، ثقافة وممارسة .

فالضريبة الانتقائية هي ضريبة تفرض لمحاربة نوعية من الاستهلاك أو تقليل من استهلاك بعض المواد الضارة مثل التبغ وبعض المشروبات الغازية والسكرية، وقد تصل نسبتها بين 50 إلى 100% .

أما ضريبة القيمة المضافة وهي ضريبة استهلاكية تفرض على السلع والخدمات ، الهدف منها  تنوع الاقتصاد والدخل وهو جزء من تحول اقتصاد  السلطنة  بعدم الاعتماد على الدخل الرئيسي من النفط  .

التساؤلات الاستراتيجية :

س : ما هي طبيعة الاستحقاقات السياسية الجديدة ،،الواجبة،، والتي ينبغي أن تنجم عن تلكم التحولات الاقتصادية ؟

س : ما هي طبيعة وأهم القوى الرئيسة لإدارة الدولة والمجتمع في عصر الضرائب ؟

س: هل تدرك الحكومة الفارق الجوهري بين الديموغرافية العمانية ونظيراتها الخليجية حتى تساير الحكومات الخليجية في تحولاتها الاقتصادية ؟

س : هل يقابل التحول الاقتصادي ، تحول مماثل في الثقافة المجتمعية ؟ ومن ينبغي أن يصنع هذه الثقافة ؟

تشكل تلكم مداخل للتأمل والفهم والاستشراف لما ينبغي أن يكون عليه التطور التلقائي الإرادي ، وتلكم الاسئلة تحتمها عملية انتقالنا من مرحلة الخدمات المجانية والسلع المعفاة من الضرائب –مرحلة النظام الريعي – الى مرحلة الخدمات المدفوعة الثمن والسلع المفروضة الضرائب ، الان على وجه الخصوص .

وقد كانت بعض تلك الاسئلة ، محور نقاشاتنا في مجلس الدولة مؤخرا ، بعد أن تم توجيه لنا دعوة للمشاركة في حلقة نقاشية حول الشورى اصالة ومعاصرة ، فقد وجدنا فيها فرصة مواتية لفتح الافاق السياسية بمستقبل الشورى المؤسساتية في مرحلة عصر الضرائب ، وهو مستقبل آتٍ لا محالة  كنتيجة منطقية لنقلة الدولة التحولية ،، التاريخية ،، ولن نتوسع في سرد تفاصليها الان ، وانما سنكتفي بالإشارة الدالة على مضامينها المقبلة .

وهنا يمكن القول ، إن المجتمع في مرحلة الخدمات المجانية ، والسلع المعفاة من الضرائب ، لم يكن معنيا بصناعة السياسات المالية والاقتصادية ، وإنما بنتائجها ، ونتائجها في عصر الاقتصاد الريعي ، كانت مقبولة غالبا ، أما في مرحلة الضرائب ، فإن صناعة هذه السياسات ، أو على الاقل الرقابة الفعلية عليها ، ستكون في صلب اهتماماته ، وينبغي أن يشارك فيها على قدم المساواة مع الحكومة .

لماذا ؟ لأنها أي السياسات المالية – رسوم وضرائب – قد أصبحت تستهدف جيوبه المالية ، وتؤثر على معيشته اليومية ، وتحد من تطلعاته المستقبلية ، فلن تظل حكرا على الحكومة ابدا ، فهذه مرحلة ستكون من الماضي .

لكن ، هل يتم ذلك بسهولة أم نتيجة إكراهات ؟ في محاولة منا لاستيعاب هذه الإكراهات ، اقترحنا في الجلسة النقاشية في مجلس الدولة ، ان نبادر الان الى اصلاح نوعي في الصلاحيات الرقابية والتشريعية لمجلس الشورى ، وقد اعطينا أمثلة لذلك ، مثل ، تحرير الادوات البرلمانية من القيود القانونية المفروضة عليها ، والتي تمس جوهرها ، كحق استجواب الوزراء الذي هو من أهم الادوات البرلمانية على الاطلاق ، فقد جاء القانون ليقيده بالمخالفات الصريحة للوزير إذا ما توفر موافقة (15) عضوا من اعضاء مجلس الشورى .

فكيف لعضو أن يثبت المخالفة الصريحة للوزير ؟ أجهزة رقابية متخصصة لم تتمكن من ذلك ، فكيف بعضو أن يخترق الجدران والابواب لكي يحصل على الادلة ، لذلك ، فمتطلبات مرحلة الضرائب ، وحسن ادارتها ، تتطلب إزالة هذا القيد ، وجعل حق استجواب الوزراء مرتبطا بمراقبة ادائهم وليس اخطائهم .

ففي عصر الضرائب سوف تظهر مشكلات كبيرة ، مثل التهرب الضريبي ، أو تأخير التحصيل ، وهي ستؤثر فعلا على تأمين مثل هذه الايرادات المهمة لموزانة الدولة ، وبالتالي لابد من تطوير الادوات الرقابية لمجلس الشورى .

وهذه مسألة تحتمها متطلبات النقلة التاريخية في المجالين الاقتصادي والمالي ، إذ لا يعقل ، ولن يعقل ، أن يظل المجال السياسي بمعزل عن التحول ، فالتحول في المجالين المالي والاقتصادي سيودي بالتبعية الى التحول في المجال السياسي ، لكن ، كيف ؟ ومتى ؟

التساؤلان الاخيران ، فيهما علامات استفهام كبيرة ، حول المبادرة التلقائية في فهم واستيعاب ضرورات التحول في المجال السياسي كحالة متزامنة للتحولات في المجال الاقتصادي وانعكاساته الاجتماعية حتى يكون بينهما اي التحولين  الاقتصادي والسياسي نسبة وتناسب منطقية ، لاحتواء البعد الاجتماعي .

و لو فتحنا كذلك ، نافذة صغيرة على سوسيولوجيا الاصلاح والتحول الديمقراطي المعاصر – الواجب – في عصر الضرائب ، فإننا سنطل على استحقاق لا يقل أهمية عن غيره ، وهو حتمي كذلك ، وهو يتعلق بكيفية إدارة الدولة والمجتمع في هذا العصر الجديد .

وقد وجدنا في تقرير التنمية البشرية لسلطنة عمان لعام 2003، استشرافا ربما كان سابقا لأوانه ، والان قد آن اوانه ، لهذه الادارة المثالية لعصر الضرائب ، فالتقرير يعرف الحكم الجيد لإدارة الدولة والمجتمع  ، بأنه حصيلة ثلاث قوى رئيسة ، وهي الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني .

وماذا يعني ذلك ؟ يعني كما قلنا في أحد البرامج التلفزيونية أن مستقبل الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في بلادنا في عصر الضرائب قد أصبح رهينا بتلك الشراكة الثلاثية ، فهل يدرك كل شريك مسؤوليته الوطنية خلال عصر الضرائب ؟

وهنا ، ينبغي أن تشتغل الدولة على برامج سريعة من أجل تفعيل هذه الشراكة ، خاصة اطلاق يد المجتمع المدني ، وتشكيل مؤسساته في اطار منظومة قانونية محكمة ، تتوفر لها الاطر والمؤسسات الرقابية الفاعلة ، فالحكومة خلال عصر الضرائب لن تتمكن من مواصلة دورها الاقتصادي والاجتماعي السابق ، من هنا ، ينظر لمؤسسات المجتمع المدني على أنها البديل ، أو المكمل لدور الحكومة ، لذلك ينبغي أن يكون هذا البديل / المكمل ، جاهزا لمرحلة تداعيات عصر الضرائب .

ومهما يكن من مبررات التحولات الاقتصادية الجديدة في البلاد ، فإن الضرورة ، تقتضي أن تحتفظ الدولة بدور في الحياة الاقتصادية لضبط الايقاعات الاجتماعية ، فحمولتها الديموغرافية تختلف تماما عن الحمولة الديموغرافية للدول الخليجية الاخرى ، من منظورين ، الاول ، يختزله التساؤل الآتي ، من هو الاسبق في الوجود ، الديموغرافيات أم الانظمة السياسية الراهنة ؟ والثاني ، يعبر عنه التساؤل ، ومن ينبغي أن يخدم من ؟ والاجابة عن التساؤلين سنجد فيها الضرورة العمانية التي تختلف عن نظيراتها الخليجية ، ثم مبررات احتفاظ الحكومة بدور بارز في الشأنين الاقتصادي والاجتماعي.

شارك هذا الخبر