د. عبدالله باحجاج يكتب: معاناة أولياء أمور الباحثين

د. عبدالله باحجاج يكتب: معاناة أولياء أمور الباحثين
د/ عبدالله باحجاج يكتب: الفصل من الكليات والجامعات .. ليس حلا ، وهذه هي الأسباب

أثير- الدكتور عبدالله عبدالرزاق باحجاج

ربما لم يتحدث أحد عن هذا النوع من المعاناة التي يشير إليها عنوان مقال اليوم ، فكل الكتابات وأضوائها الإعلامية تركز على معاناة الباحثين من مختلف النواحي ، السيكولوجية وتأثيراتها الأمنية والاجتماعية .. غير أن معاناة أولياء أمورهم أكثر خطورة وأكثر شمولية عن معاناة الباحثين وعن تأثيراتها على المجتمع والدولة.

، فهناك مجموعة معاناة كبيرة وتحديات عديدة ، يواجهونها ، إنها الفئة الصامتة والمظلومة ، وعلينا هنا أن نستشرف صمتها وتداعياته في ضوء تحديات عصر الضرائب والخدمات المدفوعة الثمن وسياسات توقيف الترقيات .. لكي ننفذ إلى القناعات الحكومية التي تقلل من حجم تأثر المجتمع بزيادة الرسوم وفرض الضرائب ورفع الدعم إلخ .

سنأخذ نموذجا (حقيقيا) لولي أمر عايشناه عن قرب ، وتعايشنا مع معاناته بكل حواسنا وجوارحنا ، وتولد لدينا نفس إحساسه ومشاعره ، الى درجة أننا تلبسنا حالته ، ولبستنا طواعية ، ولم تعد فواصل التفرقة الشخصية قائمة بين الذاتيتين ، ذاتي وذاتيته.

(الله) يكون في عون أولياء الأمور على تحملهم تبعات نجاح أبنائهم ، ثم مسيرة البحث لهم عن عمل ، وهي مسيرة طويلة وقاسية ومتبعة ومكلفة ماليا ونفسيا ، فالإحصائيات الرسمية تقدر متوسط بحث الباحث عن عمل (3،5) سنوات .

وبالتأكيد ، هناك من ينتظر فرصته أكثر من تلكم السنوات ، وحتى لو لم تكن الا تلكم السنوات ، فيكفي بها قياسا على عمق المعاناة وتبعاتها على اولياء الامور من كل النواحي ، فكيف لو طالت زمنيا فترة البحث عن عمل ، وهنا تكمن الإشكالية التي تأزم معاناة أولياء الأمور ، لأن وراءها فاتورة مالية كبيرة سيدفعها لزاما كل ولي أمر .

س : فكيف ستصمد مرتباتهم المحدودة التي هي بين الضعيفة والمتوسط ؟ الضعيفة لن يحملوا باستمرارية دعم ابن واحد في الشهر ، فكيف لو كانوا أكثر في قائمة الباحثين عن عمل ؟

وهنا نستدعي حالة نموذجنا ، فقدر أن يكون له اثنان من الابناء في قائمة الباحثين عن عمل عام 2017 ، فكيف لنا تصوير حجم وماهية معاناتهم ؟ أهم صورها، القلق السلبي المتراكم والمتصاعد على مصير الابناء ، وحالة القهر من طرق وأساليب تعامل مخرجات التعليم الجامعي بما فيها التخصصات العلمية ، واستنزاف الباحثين لمواردها المالية الشهرية ، بحيث أصبحت موازناتهم الشهرية لا تغطي الاهم في حياة اسرهم .

وهذا الاستنزاف ، قد اصبح يتقاطع سلبا مع تداعيات السياسة المالية والاقتصادية للحكومة منذ منتصف عام 2014، وهناك تفاوت كبير في حجم معاناة أولياء الامور ، يزداد حدة ،، ماليا ونفسيا على اولياء الامور ، كلما ابتعد مركزية التوظيف وبقية الخدمات كالصحة عن محافظاتهم ، فهذه المركزية ،، جامدة ،، فاقدة الاحساس ، لا تحس بظرف جغرافي ، ولا مالي ضاغط ولا نفسي متصاعد .

ونجد هناك إصرارا على الاستمرار في المركزية الجامدة في كل مسيرة التوظيف ، بدءا من الاعلان عن الوظائف ، وتسليم الوثائق الاصلية ، أو مطابقة الاصل ، ومقابلات التعريف واجراء المقابلات ، وأخيرا ، اجراءات التوظيف ، وكل مسيرة ولها مدتها الزمنية المنفصلة .

س: فهل تعلم المركزية الجامدة تداعياتها المالية على اولياء الامور ؟

سنحتكم لمسيرة النموذج الحقيقي مع مسيرة ابنيه التوظيفية بأطواره سالفة الذكر ، فقد تم استدعاء أحدهما من صلالة الى مسقط ، لثبوت مستنداته المرسلة لهم الكترونيا بالأصل ، والتعريف بفرص العمل ، وبعد اقل من اسبوع ، تم استدعاؤه لإجراء مقابلة ، وبعد شهر ونصف الشهر سيطلب منه ،، الاليتس ،، في حالة نجاحه .

وما ادراكم ما الآليتس ؟ وماذا يطلبون من مستويات فيه ؟ انها تعجيزية ، بل طاردة لابنائنا عن وطنهم ، حقيقة ، واي ابناء ؟ اولئك الذين تفوقوا على ظروفهم ، وحققوا الامتياز في دراساتهم العلمية ، لن نسترسل الان في هذه الجزئية ، لأننا سنخصص لها مقالا منفردا ، لأهمية هذا الملف .

لكن ، اتدرون حجم الفتورة المالية التي دفعها ولى أمر هذا الخريج في أقل من خمسة عشر يوما ، قيمة تذكرتين صلالة مسقط ذهابا وايابا (80) ريال تقريبا دون حقائب ، هذا بعد دخول طيران السلام للمنافسة ، والا ، فالفاتورة ستكون أعلى ، و(40) ريالا إقامة و(30) ريالا مواصلات و(30) معيشة ، هذا لمدة ليلة في كل ذهاب لمسقط ، المبلغ الكلي للسفرتين (180) ريالا .

غير مصروفاته الخاصة التي قد ترفع المبلغ الى (200) ريال كأقل تقدير ، فكم (200) ريال في راتب هذا الموظف ؟ وإذا نجح ، فعليه أن يدفع مبلغ ( الاليتس) وقدره (92) ريالا ونصف ذلك المبلغ من أجل الذهاب الى مسقط لتسليم الاليتس .

ومن سوء أو حسن حظ ، ولي الامر ، أن تستدعى ابنته كذلك الى مسقط ، للولوج لاختبار قبولها تقديم التأهيل التربوي في جامعة السلطان ، علما ، بان دراستها للتأهيل التربوي ستكون في جامعة ظفار، تأملوا معنا ، هذه المسيرة المعقدة كذلك ، اختبار في جامعة السلطان قابوس من أجل قبول تأهيلها التربوي ، رغم أنها خريجة من إحدى مؤسسات العليم العالي الكبيرة في بلادنا .

واين ستدرس هذه الفتاة التأهيل التربوي ؟ في جامعة ظفار ، اتدرون كم تبلغ رسوم التأهيل التربوي ؟ أنها رسوم (2700) ريال ؟؟؟ فعلا ( الله ) يكون في عوننا نحن اولياء أمور الباحثين عن عمل ؟

مؤسسات تعليمية ، فشلت في تاطيراتها وتكويناتها العلمية ، ونحن ندفع ثمن فشلها ، ومركزية جامدة ، تحسسنا بثقل الجغرافيا فوق رؤوسنا، فلم تحررنا منها ، وشركات نفطية كبيرة ، تضع العراقيل المستحيلة في وجه مبدعينا ، كمسرحية من أجل صناعة أبطالها لوظائف وفرص تعليمة عليا ،، مضمونة لها،، فكيف تريدون أن تتحمل مرتباتنا الشهرية هذه التكاليف المالية لوحدها ؟ ننفقها على اعادة تأهيل وتهيئة ابنائنا للعمل أم نؤكل بها أسرنا؟ وكيف لا تريدون الاحتقان يتزايد ويتصاعد اجتماعيا ؟

تلكم صرخات أولياء الامور ، فمن يحس بهم ؟ هل قربنا الصورة الحقيقية لمعاناة الكثير من اولياء الامور من خلال هذا النموذج ؟ وهل لا يزال البعض ، يقلل من مصداقية الكتابات التي تتحدث عن تأثير ملموس وحقيقي للسياسات المالية التي تتخذها الحكومة تحت مبررات مواجهة الازمة المالية ؟ وكيف ترسمون خارطة التحديات المقبلة في ضوء الضرائب المقبلة ؟

شارك هذا الخبر