الدكتور عبدالله بن خميس المعولي
ما كان هذا المقال ليبدأ بلغة حدّ المصطلحات اللغوية أو بتعريف العلماء لمفهوم اللغة ونشأتها وأهدافها بقدر ما هو فكرة نضجت من الحقل التربوي تكشف بعمق ما وصلت إليه اللغة الأم من مستويات تجعلنا نقف عندها لتحرير مقال إلى القائمين بشأن التعليم في السلطنة، وتبيان ما هو المؤمل منهم عند من ينشد الوطنية والتطور وتحقيق الطموح بعيدا عن التنظير وتسويق المنجزات بحقائق مفادها أنّ أهداف تعلم اللغة الأم تمثلت على أرض الواقع في نفوس الناشئة، وأنّ العاملين عليها لديهم تلك الإمكانات المادية والمعنوية للوصول إلى المبتغى. باختصار شديد هي جلسة مع معلمي اللغة العربية في المكان الّذي تغرس فيه الأهداف ومضامينها بعيدا عن أماكن الأحلام والرؤى في عتبات الطاولات المستديرة فطرحنا سؤالا هل يهدف تعلم اللغة الأم في مدارسنا إلى قدرة الطالب على فك أصواتها والتواصل مع الآخرين؟ أم تعدى ذلك إلى قدرتهم في التحليل واستخلاص القيم؟ فكانت أدوات المخبر وعيّناته موجودة معنا فعزمنا على التجربة واخترنا ثلاث جمل حكمية من كتاب (الأدب الصغير) لابن المقفع فهو كتاب دوّن بلغة سهلة وعبارات قصيرة موجه إلى فئة عمرية وكاتبه لم يكن عربيا بل تعلم العربية تعلما وفي هذا كان لنا قصد من ذلك. فعمدنا على توزيع ثلاثة نصوص لمراحل الصفوف الثلاثة الأخيرة من التعليم العام وطلبنا منهم كتابة فكرة الحكمة بكلمات لم ترد في النص المكتوب. فكانت النصوص ثم ّ النتائج على النحو التالي:

وعندما نظرنا إلى إجابة الطالب وقد كتبها بخط يده وجدنا مفارقات عديدة في ضعف مستويات اللغة إلّا أنّ هذا المقال لا يناقش قضية اللغة في مستواها الإملائي والصرفي والتركيبي والبلاغي وإنما يذهب إلى أمر أبعد وأخطر من ذلك لأن اللغة على حد ابن جني أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم. فغايات اللغة متنوعة ومتعددة ومناقشتها في الجوانب آنفة الذكر تكرار ما تحدث فيه الكثير ممن اشتغل بتحديات اللغة في مجال التعلم لكننا نرمي بهذه التجربة لدراسة خدمة اللغة في المجال القيمي وتحليل الخطاب لفهم محتوى الخبر الّذي يفضي بدوره إلى ما يعرف بطرق حلّ المشكلات إذا ما علمنا أنّ الفئة المستهدفة قد انتقلت من طور تعلم اللغة في مستوياتها الصرفية والإملائية والقرائية إلى مستوى التفكير والتحليل والإبداع ونحن في هذا العصر أحوج ما نكون فيه إلى قدرة الإنسان على تحليل الخبر واكتساب الجانب القيمي من اللغة مع وجود وسائل الاتصالات وانتشار الأخبار والانفتاح مع العالم الخارجي وإذا كنا عازمين على نشأة جيل قوي قادر على مجابهة تحديات العصر فإنّ التحليل واستخلاص القيم والأفكار هو السبيل للوصول إلى شباب يميزون بين الصواب والخطأ بدء من الخطاب وفي الخطاب لينتقل بعد ذلك إلى سلوك تساهم فيه منابر العلم مع البيئة والأسرة في تطوير الحس النقدي وحلّ المشكلات عن طريق القراءة . وما ندرجه في الجدول التالي ما هو إلاّ بعض من تلك الإجابات على سبيل التدليل.

وبناء على ما ورد من نتائج عند تصحيح العينة فإننا نبغي من هذا المقال الردّ على كلّ من اشتغل بالتعليم واعتنى بوضع أسس وأهداف اللغة الأم في وطننا الحبيب بأنّ ثمة قصور بائن في الوصول إلى أغراض اللغة ومقاصدها وحديث بعضهم – مع احترامي للرأي – يبعث على الاستغراب والدهشة عند قولهم أنّ المصفوفة اللغوية قد اكتملت في اللغة الأم مع اكتمال الدراسة في الصف الثاني عشر ولا داعي لدراستها في الجامعات وإذا كان كذلك فلم نعلمهم باللغة الثانية فهم أيضا أكملوا سنوات موازية في دراسة اللغة الثانية في مراحل التعليم العام .
فلنتأمل تلك الإجابات والنتائج ونعدّ تلك العينة بمثابة جيل كامل من الشباب العماني تخطى مرحلة دراسية اعتبرنا فيها أنّ لغته الأم قد اكتسبها فور بلوغه تلك المرحلة فإننا إمّا أن نكون منبتين عن الواقع أو أن تلك الرؤية هي رؤية كاتب أراد أن يؤلف ثلاثمائة صفحة وعند الشروع في عمله لم يتجاوز تأليفه مائة صفحة أو باحث يبغي اكتشاف حقائق جديدة في مخيلته وعند ممارسته ما وجد شيئا مما كان في رأسه أو يرمي إلى هدف ضيق ويهدم أهدافا نبيلة وهامة … ولا نريد أن نصل بالنوايا إلى أبعد من ذلك.
إني أتعجب أن أكمل هذا الشاب دراسته الجامعية بلغة أخرى غير لغته الأم وهو لمّا يكتسب من التحليل واستخلاص القيم مما يقرأه فكيف له أن يحقق نجاحات في الابتكار وحلّ المشكلات بلغة أخرى فاللغة ملكة على حدّ ابن خلدون والملكة لا تكتسب إلاّ بالمران والممارسة ووضع الأهداف في نصابها وهذا لا يتأتى دون النظر في إمكانية تطبيق الأهداف التي رسمت ووضع لها مدة زمنية قادرة على تحقيق نسبة معقولة من تلك الأهداف أمّا وضعنا الحالي مع تشعب المواد المعتمدة على تذكر المعلومات واستظهارها يؤثر سلبا على فكرة تدريب الطالب على اكتساب تحليل النص والفهم القرائي بالإضافة إلى ضيق الفترة الزمنية في تدريس مهارات اللغة للوصول إلى تلك الأهداف كلّ ذلك له أثر كبير في وصول المتعلم العماني إلى هذه النتائج في فترة التعليم العام مع أسباب أخرى تحتاج إلى مقال آخر يوضحها .
إنّ أي لغة غير اللغة الأم لا تمثل للإنسان إلا قدرة على التواصل ونقل المعارف السطحية ولا تساهم في نقل القيم الإنسانية والفكرة المبدعة التي تحملها اللغة الأم وهذا واضح جلي عند تدريس العربية للناطقين بغيرها فوصول المعنى القيمي الّذي يرمي إليه النص هو التحدي الأكبر الّذي يواجه المعلم والمتعلم ونحن هنا لا نريد أن نستشهد بالكتابات التي تدعم فكرة تعلم العلوم باللغة الأم لأنها كثيرة ومقام الكتابة لا يفي بذلك.
إني لا أدعو إلى إلغاء التعلم باللغات الأخرى إنما النظر في الأهداف القيمية التي ينبغي أن يصل إليها الإنسان العماني وفق مرحلته العمرية وأن يكون التدريس الجامعي للغة الأم مكملا لأهداف التعليم العام وتكون تلك الأهداف متواصلة معه إلى المرحلة الجامعية والتركيز عليها في الجانب القيمي وتحليل النصوص ليصل إلى قدرته على فهم الأخبار بطريقة أفضل والتمييز فيما يرمي إليه النص من أبعاد اجتماعية وثقافية وفكرية وسياسية وعلمية حتى ينشأ المهندس وهو متين في وطنيته لديه من القيم النبيلة ما تؤهله للقيام بهذا العمل وممارسته والحسّ الوطني والقيم النبيلة في وجدانه وكذا الطبيب والمالي والإداري … فهي دعوة صادقة لاستكمال أهداف التعليم العام بالتعليم العالي في المجال الوطني والقيم الإنسانية من خلال اللغة الأم .
*مصدر الصورة الشبكة العنكبوتية




