الدكتور سعيد بن محمد الصقري- رئيس الجمعية الاقتصادية العمانية
كيف استطاعت كل من كوريا الجنوبية وفنلندا تجويد مستوى التعليم وتنمية الموارد البشرية؟ ما هي بعض الدروس التي يمكن أن نتعلمها من تجربة الدولتين؟
يختلف النموذج الكوري في التعليم عن النموذج الفنلندي، لكنهما يشتركان في تخريج طلبة متميزين ومن من بين الأفضل على مستوى العالم.
النموذج الكوري في التعليم يقوم على الجد والاجتهاد والمثابرة والعمل على الدرس والتكرار دون كلل أو ملل. واستطاعت كوريا أن تصبح قوة اقتصادية عالمية بفضل العمل الجاد والاجتهاد على التعليم وعدم قبول ذريعة الفشل إطلاقا. الإجازة السنوية للطلبة تعدّ الأقصر في العالم وفي حدود 6 أسابيع فقط، والشعار الذي يقوم عليه التعليم، إذا كنت تدرس بجد وبما يكفي ستصبح ذكيا بما يكفي. يبدأ اليوم الدراسي في الصباح في تمام الساعة 8 ويستمر حتى بعد العصر، وبعد أن يراجع الطلبة دروس ذلك اليوم، يذهبون لمواصلة التعليم بأخذ حصص تقوية خاصة تمتد حتى الساعة العاشرة مساء. وتقدر عدد الساعات التي يقضيها طلبة الصفوف 10 الى 12 في الدراسة حوالي 12 الى 15 ساعة في اليوم الواحد.
مقابل النموذج الكوري الصارم، النموذج الفنلندي الذي يجمع بين الصرامة والمرونة. النموذج الفنلندي يعتمد على دفع الطلبة ذاتيا للمعرفة والتحصيل العلمي. وتعد المدرسة مكانا للتعليم ولصقل هوية الطالب وإعطائه الثقة اللازمة ودفعه لتحقيق طموحه الشخصي. ساعات اليوم المدرسي قصيرة بالمقارنة بالنظام الكوري وتنتهي عند الساعة 3 مساء، ويدرس المعلمون في فنلندا 600 ساعة في السنة، ويقضون بقية وقتهم في التطوير المهني والاجتماع بالطلبة وأولياء الأمور.
النظامان، الكوري والفنلندي يشتركان في اختيار أفضل الكفاءات للقيام بمهمة التعليم وتقدير المعلم وإنجازاته الأكاديمية. على سبيل المثال في فنلندا، يتم اختيار الأفضل للقيام بمهمة التعليم، ويتم قبول واحد فقط من كل عشرة من المتقدمين لكليات التدريس، وفي كوريا أغلقت حوالي 80% من كليات المعلمين في السبعينيات بسبب ضعف مخرجاتها، وتمت المحافظة على أفضل برامج التدريب الجامعي وتحسين مستوياتها مما رفع من مستوى المعلمين.
بالإضافة الى تخصيص الموارد المالية اللازمة والكافية لقطاع التعليم، ولربط هذا الموضوع المهم بالمستقبل الاقتصادي السلطنة، فإن تحليل عوامل الإنتاج الكلي في الاقتصاد يوضح دور الكفاءة والابتكار، والذي يرتبط ارتباطا مباشرا بالتعليم، في نمو الناتج المحلي الإجمالي والقدرة على استدامة النمو. فاذا كان النمو الاقتصادي تم نتيجة زيادة رأس المال وتراكم عدد العاملين دون أن يكون للكفاءة والابتكار دور أساسي في قيادة النمو فهذا يدل على ضعف مخرجات التعليم والتي ستنعكس سلبا على النمو.
حسب الدراسات، عوامل الإنتاج الكلي أسهمت في نمو اقتصاد فنلندا بحوالي 60% في الفترة 1997 – 2007، بينما كان إسهامها في كوريا الجنوبية في الفترة 1960 – 1989 حوالي 25%. بالمقارنة، فإن إسهام عوامل الإنتاج الكلي في الاقتصاد بالسلطنة سالب 66% في الفترة 1967 – 2007. والنتيجة السالبة لعوامل الإنتاج الكلي تؤكد ضعف مخرجات التعليم، وبأنه لم يتم تحويل الثروة النفطية إلى أصول منتجة ومستدامة.
البيانات تؤكد بأن الموارد المالية المخصصة لقطاع التعليم كافية، ومع ذلك مخرجات التعليم ضعيفة وأقل حتى من المتوسط العالمي. هل ستختار عمان النموذج الكوري في التعليم أم تختار النموذج الفنلندي؟ وهل سيتم اختيار الذين سيتولون مسؤولية التعليم ومستقبل عمان بمعايير صارمة كالتي تضعها كلا الدولتين؟ وهل نحن، كمجتمع على استعداد لإعطاء المكانة التي يستحقها المعلم وكما عبر عنها الشاعر الكبير أحمد شوقي: قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا؟






