محلٌ مغلق و “مول” خافت الحركة: لماذا لا تكفي حيوية الموقع لنجاح المشروع؟

عن الكاتب

محمد العريمي
محمد العريمي

محرر وكاتب صحفي

 محلٌ مغلق و “مول” خافت الحركة: لماذا لا تكفي حيوية الموقع لنجاح المشروع؟
محلٌ مغلق و “مول” خافت الحركة: لماذا لا تكفي حيوية الموقع لنجاح المشروع؟
أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
في إحدى الزوايا التجارية التي لا تهدأ، كان مقهى يعج بالحركة، لافتته المضيئة تلفت المارة، ورائحة القهوة تمتد إلى الخارج، وكل شيء يوحي بأن المكان اختير بعناية، وأن النجاح مسألة وقت. لكن بعد أقل من عام، تنطفئ اللافتة وتُغلق الأبواب، وتحلّ مكان الزبائن ورقة صغيرة كُتب عليها: “للإيجار”.
تمر الأشهر، ويمر عام كامل، والمحل الذي كان يُنظر إليه بوصفه فرصة تجارية واعدة يظل خاليًا، رغم وجوده في موقع يفترض أن يكون من أكثر المواقع جذبًا للزبائن.
وعلى بعد عدة كيلومترات، يوجد مجمع تجاري كان يومًا مقصدًا للمتسوقين، فأصبحت الممرات أكثر هدوءً، والمحلات أقل ازدحامًا، فيما يقف بعض الباعة عند أبواب متاجرهم في انتظار زبون قد لا يأتي، واجهات مضاءة، لكن خلفها حركة محدودة، ومساحات تجارية تنتظر من يعيد إليها الحياة.
هذه المشاهد لا تكفي للقول إن السوق التجاري يمر بأزمة، ولا توجد إحصاءات رسمية تحدد عدد المطاعم والمقاهي التي أغلقت بسبب الفشل، لكنها تفتح سؤالًا أكبر: إذا كان الموقع حيويًا فعلًا، فلماذا لا يصمد المشروع؟

أين يذهب الزبائن؟

تبدأ المشكلة أحيانًا من افتراض يبدو منطقيًا: “المكان المزدحم يعني مشروعًا ناجحًا”، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فعدد السيارات التي تمر أمام المحل، أو كثافة الناس في الممرات، لا يعني بالضرورة أن هؤلاء الأشخاص هم عملاؤه المحتملون، ولا أن حركتهم ستتحول إلى مبيعات.
قد يكون الموقع نشطًا في المساء لكنه هادئًا خلال النهار، أو يجذب فئة لا تتناسب مع طبيعة النشاط، أو يكون المحل بعيدًا عن مسار الحركة الرئيس داخل المجمع، وقد يأتي الزائر إلى المكان لغرض محدد ثم يغادر من دون أن يمر بالمقهى أو المطعم أصلًا.
وهنا يظهر الفرق بين الحركة التجارية والحركة المرورية؛ فالمستثمر لا يدفع مقابل عدد الأشخاص الذين يمرون أمام واجهته، وإنما مقابل قدرته على تحويل جزء من هذه الحركة إلى زبائن ثم إلى مبيعات متكررة. لذلك قد يكون موقع أقل ازدحامًا، لكنه أقرب إلى جمهوره المستهدف وأسهل في الوصول إليه، أكثر نجاحًا من موقع يبدو أكثر حيوية.

متى يتحول الموقع الجيد إلى تكلفة ثقيلة؟

الموقع المعروف له قيمة، لكن قيمته بالنسبة إلى المستثمر لا تقاس بشهرته وحدها، وإنما بما يستطيع المشروع أن يحققه داخله.
قد يدخل صاحب المشروع بعقد إيجار مرتفع لأنه يرى في المكان فرصة للوصول إلى عدد أكبر من العملاء، ثم يبدأ التشغيل ليكتشف أن المبيعات الفعلية لا تتناسب مع الكلفة التي التزم بها. وفي الوقت نفسه، لا تتوقف المصروفات؛ فهناك رواتب وكهرباء وتراخيص وتشغيل وتسويق وصيانة، إضافة إلى تكلفة المواد والمستلزمات.
في البداية قد يغطي صاحب المشروع العجز من رأس ماله، على أمل أن تتحسن المبيعات مع الوقت، لكن إذا طال الانتظار، يتحول رأس المال المخصص للنمو إلى أموال تُستخدم لتغطية الخسائر، ويصبح المشروع في سباق مع الوقت.
فالإيجار المرتفع قد يكون منطقيًا لنشاط يحقق مبيعات قوية ومتكررة، لكنه يتحول إلى عبء على مشروع يعتمد على عدد محدود من الزبائن أو متوسط إنفاق منخفض.

هل يتسع السوق لكل هذه المشاريع؟

تُظهر البيانات التي نشرتها وكالة الأنباء العُمانية في أغسطس الجاري حجم الأنشطة المرتبطة بالمطاعم والمقاهي في سلطنة عُمان؛ إذ بلغ عدد المؤسسات العاملة في نشاط المطاعم 6,198 مؤسسة، فيما بلغ عدد المؤسسات التي تقدم المشروبات بشكل أساسي 2,833 مؤسسة، والمؤسسات التي تقدم وجبات الطعام بشكل أساسي 6,295 مؤسسة، إلى جانب 427 مؤسسة متنقلة و65 مؤسسة من المطاعم والمقاصف التابعة للمنشآت العامة.
وتعطي البيانات التي وردت في الكتاب الإحصائي السنوي الصادر عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، مؤشرًا على اتساع القطاع؛ إذ بلغ عدد المنشآت العاملة في نشاط الإقامة والخدمات الغذائية 34,432 منشأة في عام 2024، مقارنة بـ32,993 منشأة في عام 2023. وهذا التصنيف يشمل الإقامة إلى جانب خدمات الطعام والشراب، لذلك لا يمكن اعتباره عددًا للمطاعم والمقاهي وحدها، لكنه يعكس حجم القطاع الذي تتحرك داخله هذه المشاري.
وتشمل هذه الأرقام أنشطة متنوعة، ولا تعني أن السوق مشبع أو أن جميع المؤسسات تتنافس على الزبون نفسه، فاختلاف المواقع والفئات المستهدفة وطبيعة النشاط يجعل السوق أكثر تنوعًا. لكنها في الوقت نفسه تعطي صورة عن حجم الخيارات المتاحة أمام المستهلك، وعن السوق الذي يدخل إليه أي مشروع جديد.
ومع تزايد الخيارات وتشابه بعض الأفكار والمنتجات، لا يعود كافيًا أن يكون المشروع في موقع جيد، بل يحتاج إلى ما يجعله مختلفًا وقادرًا على تحويل الزبون العابر إلى زبون يعود إليه مرة أخرى. فالقوة الشرائية لا تتضاعف بالضرورة كلما زاد عدد المشاريع، وإنما تتوزع بينها.

هل أصبح المنافس في هاتف الزبون؟

تغيرت المعادلة أكثر مع انتقال جزء متزايد من التجارة إلى الهاتف، فالطعام يصل إلى المنزل، والأسعار يمكن مقارنتها خلال دقائق، والمشروعات الصغيرة تستطيع الوصول إلى جمهورها عبر منصات التواصل من دون أن تكون موجودة أصلًا في شارع تجاري معروف.
وفي سلطنة عُمان، بلغ عدد المرخصين لممارسة أنشطة التجارة الإلكترونية 10,543 مرخصًا حتى منتصف يوليو 2025، وفق وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، التي أشارت إلى النمو المتسارع للتجارة الرقمية.
لا يعني ذلك أن المقاهي والمطاعم ستختفي، لكنه يغير سبب زيارة المستهلك للمكان، فإذا كان بإمكانه طلب المنتج من المنزل، فإن المحل يحتاج إلى تقديم شيء إضافي: تجربة، أو جلسة، أو خدمة، أو أجواء، أو مناسبة اجتماعية تجعل الخروج من المنزل جزءًا من القيمة.

إذا وصل المنتج إلى البيت، فلماذا يخرج المستهلك؟

مع انتقال جزء متزايد من المشتريات والخدمات إلى الهاتف، لم يعد المجمع التجاري قادرًا على الاعتماد على المحلات وحدها لجذب الزوار، فالمستهلك الذي يستطيع طلب الطعام أو شراء كثير من احتياجاته من المنزل يحتاج إلى قيمة إضافية تجعله يختار الزيارة الفعلية، وهنا بدأت بعض الأسواق في إعادة تعريف وظيفة المكان نفسه.
فالمجمع لم يعد مجرد صف من المحلات، بل أصبح مساحة للتجربة؛ مطاعم وترفيه ورياضة وفعاليات ومساحات اجتماعية، بحيث تصبح الزيارة مرتبطة بنمط حياة وقضاء وقت، لا بإتمام عملية شراء فقط.
وفي سنغافورة، تتجه بعض مشروعات التطوير الحضري إلى دمج السكن والتجزئة والطعام والشراب والمكاتب والمساحات العامة في مكان واحد، بحيث تصبح الحركة مرتبطة بالحياة اليومية للسكان.
ومن النماذج Sengkang Central، الذي يجمع بين مركز تجاري ووحدات سكنية ومركز للمأكولات ونادٍ مجتمعي ومرافق خدمية ومحال تجارية، ليكون المكان جزءًا من الحياة اليومية لا مجرد وجهة للتسوق.
الفكرة هنا ليست أن سلطنة عُمان مطالبة بنسخ التجربة السنغافورية، وإنما أن مفهوم المجمع التجاري نفسه يتغير: من مكان تذهب إليه لشراء شيء، إلى مكان تذهب إليه لأن لديك سببًا للبقاء.

هل يمكن أن تتغير العلاقة بين المالك والمستثمر؟

إذا كانت المخاطرة مشتركة، فقد لا يكون تحميلها لطرف واحد هو الحل الأفضل، فالمستثمر يخاطر برأس ماله وتشغيله، بينما يخاطر المالك ببقاء الوحدة شاغرة إذا لم يجد نشاطًا قادرًا على الاستمرار.
ولهذا ظهرت في بعض الأسواق العالمية نماذج أكثر مرونة، مثل الإيجار المتدرج، أو فترة تجريبية، أو إيجار أساسي أقل مقابل نسبة من المبيعات، ويمكن استخدام المساحات المؤقتة أو العقود القصيرة لاختبار المشروع والموقع قبل الالتزام بعقد طويل.
هذه النماذج لا تصلح بالضرورة لكل عقار أو نشاط، لكنها تعيد توزيع جزء من المخاطرة، وتسمح للطرفين باتخاذ قرار مبني على أداء فعلي بدل التوقعات وحدها.

هل المشكلة في كثرة المشاريع أم في طريقة اختيارها؟

الإجابة ليست أن المحلات كثيرة أو أن الإيجارات مرتفعة فقط، فقد يكون المشروع جيدًا لكنه اختار موقعًا لا يناسب جمهوره، وقد يكون الموقع ممتازًا لكن كلفته لا تتناسب مع المبيعات، وقد يكون النشاط ناجحًا لكن المنطقة أصبحت تضم مشاريع متشابهة أكثر من قدرتها على استيعابها.
حتى السجلات التجارية تحتاج إلى قراءة؛ فقد أعلنت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار شطب أكثر من 42 ألف سجل تجاري غير نشط أو منتهي الصلاحية ضمن عملية لتنقية بيانات السجل التجاري، ولا يعني هذا الرقم أن 42 ألف مشروع فشل أو أغلق، لكنه يوضح أن وجود سجل تجاري لا يعني بالضرورة أن النشاط ما زال يعمل فعليًا.

هل نحتاج إلى مزيد من المحلات أم إلى أماكن أفضل؟

ربما تكشف قصة المحل المغلق في موقع حيوي مفارقة بسيطة: الموقع الجيد ليس ضمانًا للنجاح، كما أن فشل مشروع لا يعني بالضرورة أن الموقع سيئ.
وبين الاثنين توجد مجموعة من العوامل؛ من هو الزبون، وما الذي يريده، وكم يدفع، وما تكلفة الوصول إليه، وما الذي يقدمه المنافس، وكم يستطيع المشروع أن يتحمل من التكاليف قبل أن يصل إلى نقطة التعادل.
ومع انتقال جزء متزايد من التجارة إلى الهاتف، ستصبح قيمة الأماكن التجارية مرتبطة أكثر بما لا يستطيع الهاتف تقديمه: التجربة، واللقاء، والخدمة، والترفيه، وسبب يجعل المستهلك يخرج من منزله ثم يعود إلى المكان مرة أخرى.
وهنا يبقى السؤال الأكبر أمام مدننا ومطوريها ومستثمريها: هل نحتاج إلى مزيد من المحلات، أم إلى إعادة التفكير في وظيفة الأماكن التي شُيّدت أصلًا لتكون محلات؟

شارك هذا الخبر