بدر العبري يكتب : التّفسير الإنسانيّ للقرآن الكريم مع سورة البقرة

بدر العبري يكتب : التّفسير الإنسانيّ للقرآن الكريم مع سورة البقرة
بدر العبري يكتب : التّفسير الإنسانيّ للقرآن الكريم مع سورة البقرة

بدر العبري- كاتب عماني

 

سورة البقرة من السّور المدنيّة، الّتي جاءت لتنظيم المجتمع المدنيّ، حتى قال ابن كثير ت 774هـ : والبقرة جميعها مدنيّة بلا خلاف.

وسميت سورة البقرة لأنّ الله تعالى ذكر فيها قصة أصحاب البقرة في عهد موسى – عليه السّلام -، ولها تسميات أخرى كسنام القرآن، والزّهراوين البقرة وآل عمران،  والتّسميات في نظري اجتهاديّة وليست توقيفيّة، لهذا تتعدد الأسماء أحيانا في السّورة الواحدة، وتسمى بحدث أو قضيّة تناقشه السّورة أو تشير  إليه. ووردت العديد من الفضائل لها ليس محلّ بحثه هنا؛ لأنّ أغلب الفضائل لا تصح، خاصة وبعضها من تلاعب الرّواة والقصاصين لجذب النّاس إلى قراءة القرآن، كرواية: إنّ رجلا ممّن قرأ القرآن أغار على جار له، فقتله، وإنّه أقيد به، فقتل، فما زال القرآن ينسل منه سورة سورة، حتى بقيت البقرة وآل عمران جمعة، ثمّ إنّ آل عمران انسلت منه، وأقامت البقرة جمعة، فقيل لها: ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد [ ق/ 29 ]، قال: فخرجت كأنّها السّحابة العظيمة.

الّذي يهمنا هنا الجانب الإنسانيّ للسّورة حيث جاءت لتنظيم المجتمع المدنيّ في المدينة المنورة، حيث المجتمع المختلط:[المسلمون والمشركون وأهل الكتاب]، كما سيكون للمسلمين قوة، لهذا سيظهر صنف أصحاب المصالح القصيرة، والّذين سماهم القرآن بالمنافقين؛ لأنّهم وإن أظهروا إسلامهم، لكن المراد المصالح الدّنيويّة كالمال والكرسيّ والسّلطة.لهذا كان الافتتاح بأهميّة الكتاب الّذي لا ريب فيه، وصفات المؤمنين، وأقسام النّاس في المجتمع، ثمّ كان ختام السّورة بالدّعوة إلى التّوبة وحسن الظّن بالله تعالى والدّعاء, وهذا ما درج عليه العديد من المؤلفين المسلمين، فالشّيخ عامر بن خميس المالكيّ العمانيّ ت 1346هـ/ 1928م مثلا ابتدأ كتابه غاية المطلوب في الأثر المنسوب بالنّيات والوحي، وختمه بكتاب التّوبة.عموما تطرقت السّورة إلى مناقشة العديد من القضايا الغيبيّة والتّوحيديّة، والّتي سميت لاحقا بالعقيدة أو علم الكلام، فتطرقت السّورة إلى معرفة الله من خلال آياته، وإلى تنزه صفاته سبحانه وتعالى، وأنّ النّاس سواء عنده سبحانه من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، وأنّ الحساب والنّجاة بيده وحده، ولا يعلم حقيقة النّجاة أو الخسارة إلا هو سبحانه، ولا يشاركه في ذلك أحد، لهذا تحدثت عن قضيّة التّفضيل وادعاء البعض بالفرقة النّاجيّة، كما تحدثت عن الشّفاعة ومفهوم الابتلاء، كما دعت إلى ترك الماضي، وعدم الخصام حوله، فضلا عن خطورة مشاركة الله في الحكم على من سبق!!لهذا أسهبت السّورة في السّير التّأريخي، فتحدثت عن بداية الخلق، وقصة الاستخلاف، واستكبار إبليس، والنّزول من الجنّة، ثمّ كان الحديث عن إبراهيم وآياته وبراهينه العقليّة في الدّعوة، ومحاجته مع الملك، وقضيّة رفع البيت مع إسماعيل، ثمّ تحدث عن يعقوب ووصيته لأولاده، والحديث عن إبراهيم لأنّه المنطلق بين الدّيانات الأربع: الإبراهيميّة أو الأحناف ومن يرى أنّه منهم من المشركين والصّابئة، ثمّ اليهود والنّصارى والمسلمون، فهو رمز جميع الطّوائف في المجتمع المدنيّ الجديد.إلا أنّ السّورة أسهبت في الحديث عن بني إسرائيل؛ لأهميّة اليهود في المدينة والجزيرة العربيّة ككل، وانتشارهم وظهور ثقافتهم، وقوتهم الماليّة والاقتصاديّة، لذا ناقش بعض موروثاتهم، وذكرهم بالآيات مع فرعون، وسبيهم واستعبادهم، وإرسال موسى وهارون، ونجاتهم، ومرحلة التّيه، ودخولهم مصرا، وقضيّة الميثاق، ثمّ ذكرهم بقصة أصحاب السّبت وأصحاب البقرة، وقصة الّذي مرّ على قرية فأماته الله مائة عام ثمّ بعثه.ثمّ ذكرهم القرآن بما حدث بعد مرحلة التّيه، وقصة طالوت وجالوت، وظهور النّبيّ داود، ومن ثم ابنه النّبيّ سليمان.كما أنّه أشار إلى قصة هاروت وماروت، ثمّ كان الحديث عن عيسى وآياته، إلا أنّ التّفصيل عن بني إسرائيل أكثر لسبب ما أشرنا إليه آنفا، ولقلّة النّصارى في المجتمع الجديد، لذا سيسهب الله تعالى الحديث عنهم في مواضع أخرى كآل عمران والمائدة ومريم كما سيأتي في التّفسير.وبعد الإشارة عن القضايا التّأريخيّة أيضا أشارت السّورة إلى العديد من القضايا التّعبديّة والعمليّة، فأشارت إلى مسائل الحيض والدّماء والطّهارة، وإلى قضيّة القبلة والمساجد، وقضيّة الصّلاة وصلاة الجماعة، وقضيّة الزّكاة والصّدقة، وقضايا الصّيام ورمضان، وقضايا العمرة والحج والصّفا والمروة، وقضايا الأيْمان والحلف والكفارة.كذلك أشارت السّورة إلى أحكام الأطعمة والأشربة، كمحرمات الطّعام، وتحريم الخمر والميسر، وقضيّة النّجاسة مع المشركين.

كما ناقشت السّورة القضايا الأسريّة كقضيّة الزّواج من المشركين، وقضايا الرّضاع والحضانة والطّلاق وأقسامه، وقضايا العدة والتّعريض في العدة.كما عالجت بعض القضايا الاجتماعيّة في المجتمع الجديد، كقضيّة اتباع الأجداد، والولاء والبراء، وتفرق النّاس، وقضايا البر والإحسان، وحسن التّعامل مع اليتامى.والسّورة تحدثت بإسهاب عن القضايا الماليّة فتحدثت على الإنفاق، وبينت صور الإنفاق ولمن يعطى، وأمرت بمحاربة الفقر، وحرّمت المنّ والأذى والرّبا والرّشوة، ودعت إلى البيع والتّجارة، وبينت مسائل الدّيْن والشّهادة، ومسائل الرّهن.كذلك أشارت السّورة إلى قضايا الحدود، فتحدثت عن القصاص، ودعت إلى العفو.وأخيرا كان الحديث عن القضايا الدّوليّة وقضايا الدّعوة والسّلم والقتال بإسهاب، فبينت أنّه لا إكراه في الدّين، وحذّرت من الإفساد في الأرض، ومن صوره القتل والحرب، لذا دعت إلى السّلم والسّلام، وبينت مسائل القتال، واحترام الشّهر الحرام.

ما أشرتُ إليه كخطوط عامّة وهناك مسائل متعلقة بهذه الخطوط لم نشر إليها اختصارا، وسيأتي بيانها تفصيلا أثناء التّفسير وعلاقة ذلك بالإنسان.

شارك هذا الخبر