كاتب ومؤلف وباحث في التنمية والأمن الاجتماعي والتطوير المؤسسي والفكر الشرطي والتعليم
إذا كان من مقومات نجاح التعليم ، مسايرته للأحداث وتعايشه مع الواقع، والتصاقه بكل متغيراته المعاصرة، حتى ينتج تعليما يتسم بالمواءمة، ويتفاعل مع الطموح، ويتناغم مع المستجدات، ويبني فيه فرص نجاحه، وموجهات تحوله، مغتنما كل الفرص الداعمة لهذا النجاح، عبر منهجيات علمية دقيقة، وأطر مقننة، واستراتيجيات تتفاعل مع هدف بناء الانسان الواعي المنتج والمواطن المسؤول، وتقرأ جانب التحول لديه، وتتواكب مع المؤثرات والمتغيرات في حياته؛ فإن لرحلة الحج الاكبر بما تحمله من قيم وأخلاقيات ومنهجيات وأطر حياتية راقية، أسلوب نوعي في التربية الذكية، ومنهج راق في ترسيخ قيم المسؤولية، والاصرار على بلوغ الهدف ونيل الفضل وإتمام المناسك بالشكل الصحيح، وهو ما يصنع للتعليم إطار عمل، يمكن أن يبني عليه سياساته وبرامجه، والتنويع في مسارات الدراسة والتوسع فيها، فالحج منظومة حياتية واسعة المسارات متعددة الاهتمامات، لها أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتطويرية والاستثمارية، وهي محددات بات على التعليم أن يعزز وجودها ويؤصل مداخلها في واقع الممارسة التعليمية ، ومنظومة السياسات والبرامج والخطط، عبر تعزيز وعي الطالب بما يمكن أن يؤديه الحج من نجاحات، ويحققه من فارق في سبيل مستقبل الأمة وتنظيم شؤونها وترسيخ قيمها الحضارية الراقية، القائمة على تعزيز مبادئ العلاقات الدولية، والشراكة والحوار وتبادل المصالح، وابتكار الوسائل الداعمة التي تتيح استثمار كل الفرد الحياتية المتاحة، واستثمار الثروات في ظل توظيف لأسباب العلم والعمل.
وبات على التعليم في ظل رحلة الحج الأكبر، تقريب صورته في فكر الاجيال وقناعاتهم، وصقل نفوسهم وتهذيب أخلاقهم، بما يضمن إعادة صياغة محتواه الفكري، ورصد موجهات التطوير في مؤسساته، وتعميق استراتيجيات تدريس الحج وفق منهجيات وأساليب مبتكرة ، لتنطبع في ثقافة التعليم والتعلم، وتدرّس في قاعات الصفوف وفصول الدراسة، ومحتوى المناهج والأنشطة، وبيئة المدرسة والجامعة ، وقواعد العيش وأساليب التعايش ، ومنظومة الأوامر والنواهي، بحيث تكرّس فيها أخلاقيات الحج وقيمه ومبادئه وفلسفة عمله، والتطبيقات العملية التي تبرز فيها بقوة، عناصر الثقافة والفهم ، وقيم الوعي والشعور بنواتج العمل، بحيث تكون مناسك الحج من ذكر وتكبير، وتلبية وطواف، وسعي وتروية، ومبيت في منى والمزدلفة ، ووقوف بعرفه وطواف إفاضة ، ونحر وحلق أو تقصير، ورمي جمار ، معانٍ حياتية تصنع التجديد ، ودروس عملية لها دلالاتها وتطبيقاتها وغاياتها وأهدافها التي يعزّز التعليم حضورها في سلوك الأجيال ويعظّّم قيمتها في ثقافتهم وحديثهم وخطابهم وحرصهم على تحقيق تعلمهم، وفق عمل منهجي مخطط، وإرادة حاضرة، وأساليب مقننة ، واطار معرفي متفاعل مع طبيعة نسك الحج وأحكامه، ليؤديها في ظل وعي، ويمارسها في إيمان وإخلاص، وهي في مجملها نُسك تمارس وفق ترتيب وتنظيم دقيق متقن، تحيطها قيم التعاون والتكامل وروح الأخوة والتسامح والحوار والتواصل ، وحسن التوجيه، وفضيلة النصح، وهي موجهات بات على التعليم أن يضعها في إطار عمله ومحددات مناهجه وفلسفة برنامجه الدراسي، ويطبقها وفق إطار تشريعي يضمن لها الجودة والاتقان، وإطار تقييمي متطور، ومنظومة معايير ومؤشرات أداء، ليصنع من احترام المسؤوليات، والمحافظة على المقدسات، وتحسين صورة الانجاز، والعمل في ظل هدف مقنن، وروح متسامحة تتناغم فيها فطرة الإنسان مع ما شرع الله وسنّه رسوله من نسك الحج وحدوده. إنّ التعليم بذلك بيئات مصغرة، تترجم مناسك الحج، وتعكس صورة التمازج والتناغم فيه، لبناء مجتمع مؤهل للقيام بدور فاعل في ترقية الحضارة الانسانية، ونقل قيم الحج وأخلاقياته ومبادئه إلى التزام، يصنعه التعليم في مخرجاته ويؤكده في أدواته.






