الدكتور عبدالله باحجاج يكتب: المسؤولية الاجتماعية .. في عصر الضرائب

يعرض المقال، في سياق عام 2017، أثر السياسات المالية في المجتمع، ويدعو إلى شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع عبر كيانات غير ربحية مستدامة التمويل.

عن الكاتب

د.عبدالله  باحجاج
د.عبدالله باحجاج

كاتب، وباحث، وصحفي عُماني

الدكتور عبدالله باحجاج يكتب: المسؤولية الاجتماعية .. في عصر الضرائب
د/ عبدالله باحجاج يكتب: الفصل من الكليات والجامعات .. ليس حلا ، وهذه هي الأسباب

أثير- د. عبدالله باحجاج

هذا المقال من وحي أحد ردود الأفعال على مقالنا السابق المعنون باسم ،، الحتمية الثنائية : دولة أقوى ، ومجتمع قوي ،، من قبل أحد رجال الأعمال البارزين الذين لهم اهتمام متقدم في الرؤية الوطنية ، وفي هاجس ملف مستقبل التنمية الاجتماعية في عصر الضرائب والرسوم المقبل ، ويسعى جاهدا إلى إقامة شركة غير ربحية للمسؤولية الاجتماعية، وهذا مؤشر على الحراك الإيجابي التلقائي والطبيعي المقابل لتراجع دور الدولة الاجتماعي والاقتصادي .

ففي ردة فعله على المقال ، تستوقفنا عبارته التالية // تمنيت أن اقرأ عن العلاقة بين الحتميتين – وهي دولة أقوى ، ومجتمع قوي ،  وشكلهما وقوتهما … // كما تمنى أن يكون المقال السابق بعنوان // التنمية الاجتماعية ودورها الغائب في مواجهة التحديات المعاصرة // .

 وتدخله سالف الذكر ، ينم عن وعي رفيع بالمرحلة المتغيرة التي تمر بها البلاد في ضوء الأزمة النفطية ، كما يعكس هاجسا وطنيا تجاه التنمية الاجتماعية ، ويتقاطع معنا في مسألة ضرورة البحث عن ادوات تمويل جديدة لهذه التنمية من قلب المجتمع، وبصورة مستدامة ، لا ترتبط بالتقلبات، كما هو حاصل للنفط ، ولا بالأهواء والأمزجة – كما هو حاصل في الأعمال الخيرية الفردية .

فليس من حل يصنع لنا الاستدامة سوى التوجه نحو مأسسة المسؤولية الاجتماعية ، كما تتجه إليه جهود مثل هذه الشخصية العمانية ، شريطة تكاملها  مع دور الحكومة ، وتناغمها ، وتحت إشراف مباشر للجهات الحكومية المختصة.

ومن هذه المقدمة ، خاصة ما اثارته هذه الشخصية تمنيات وتوضيحات ، تتحدد ملامح موضوعنا لهذا اليوم ، وسنتناوله من المنظورين التاليين :

المحور الأول : كيف نحافظ على مكوننا الديموغرافي في عصر الضرائب ؟

المحور الثاني : التنمية الاجتماعية .. صناعة مشتركة ثلاثية .

===============

المحور الاول : مكوننا الديموغرافي في عصر الضرائب .

ينبغي إثارة هذا الموضوع الآن بقوة ، خاصة واننا لا نزال في المرحلة الانتقالية التي تؤسس لبلادنا المرحلة الدائمة ، وهي مرحلة تتخذ فيها سياسات مالية واستراتيجيات اقتصادية لها انعكاسات اجتماعية كبيرة شكلا ومضمونا ، وكلها تمس المكون الديموغرافي لبلادنا .

في عدة مقالات قديمة ، أطلقنا على مكوننا الديموغرافي بالقوة النووية ، فقد رأينا نتائجها في دعم وإنجاح مسيرة نهضتنا المباركة ، وتخطيها كل العقبات التي كانت تعترض طريقها ، وكم وقفت هذه الديموغرافية في وجه الخارج كلما تمس بلادنا في رموزها أو كيانها المعنوي.

مما يظل الحفاظ على هذا المكون مسؤولية جماعية ، وفرض عين على كل من يملك اتخاذ الفعل أو الإسهام فيه ، لكي نحصن هذا المكون الاساسي للدولة من اية اختراقات في منظومة ولائه وانتمائه ، وهذا لن يتأتى لنا إلا عن طريق تأمين احتياجاته الأساسية في الحياة المعاصرة .

تساؤلات المحور  :

س: هل لدى الحكومة رؤية شاملة للتأثيرات السلبية للسياسات المالية والاقتصادية الجديدة على المجتمع ؟

س: وما هي وسائلها أو سياساتها المالية التي ستعالج بها التأثيرات أم أنها ستترك المجتمع مفتوحا دون حماية حكومية ؟

س: هل ستقف مع أو ضد الكيانات المعنوية غير الربحية التي ينبغي أن تظهر ،،وجوديا ،، الآن لمواجهة تداعيات المرحلة المقبلة ؟

من خلال استفراد الحكومة طوال العقود الماضية بصناعة السياسات المالية والاقتصادية لوحدها وحصريا ، تمكنت من صناعة مجتمع ذات شروط داخلية يغلب عليها الوطنية الخالصة ، وحيدت بالتالي اية تقاطعات خارجية مع الشأن الداخلي ، يساعدها في ذلك امتلاكها للسيولة المالية اللازمة لهذه الصناعة الوطنية ، بحيث تمكنت من إيصال قوافل التنمية الأساسية لكل التجمعات البشرية ، حتى تلك التجمعات القليلة العدد التي تقطن في اعالي الجبال أو قلب صحراء الربع الخالي .

وقد كان لها ، المواطن الذي تمسك بأرضه ، وبخيارات وطنه ، ولم يتورط أو يتقاطع مع احتقانات وتوترات وصراعات خارج حدوده ، حتى تلك الحالات التي تم اكتشافاتها في أحداث داخلية ، رغم قلتها ، ومحدوديتها ، كانت ظاهرة سطحية ، ولم يكن لها ذلك العمق المجتمعي الداعم والمساند لها .

بدليل ، قدرة السلطة السياسية في إعادة دمجها وانصهارها من جديد داخل المجتمع ببناها الفوقية والتحتية ، وكأن شيئا لم يكن ، مما تحولت الديموغرافية العمانية إلى قوة من قوى الدولة غير التقليدية ، أطلقنا عليها مصطلح القوة النووية .

من هنا يحق لنا التساؤل عن الحفاظ على هذه القوة في ظل السياسات المالية والاقتصادية خاصة تلك التي تجسدها الضرائب والرسوم المقبلة ؟ مما قد تطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل بعض ثوابت الدولة الاستراتيجية ؟ وحول الفاعلين الأساسيين في مشهدنا السياسي سواء من حيث الواقع الاجتماعي للسلطة السياسية أو من حيث علاقة الدولة – الحكومة –  بالمجتمع ؟

فالسياسات المالية والاقتصادية تؤدي كلها الى تآكل المجتمع – كما ذكرنا ذلك في المقال السابق – فما الحل ؟ هل نترك قوتنا النووية التي راهنا عليها ، وكانت دائما في مستويات الرهانات السياسية؟  من هنا نخشى من إضعاف قوة المجتمع تحت وطأة الضرائب والرسوم ورفع الدعم ،ووقف الترقيات ، والتوظيف ، وعدم مواءمة المرتبات مع الاستحقاقات الشهرية الأساسية ، وانضمام أكثر من باحث عن عمل في كل أسرة.

التساؤل الاستراتيجي :

س: هل نترك المجتمع مفتوحا ،وتحت ضغوطات الحاجة المالية خاصة في ضوء الموقع الجيوسياسي – والجيواستراتيجي لبلادنا ، وملاصقة جغرافيتنا بنظيرات ، لها ايديولوجيات تصديرية أو مطامع اقليمية ؟

هذا التساؤل ، يحتمه التذكير بالفئة العمرية الشابة التي تتميز بها الديموغرافية العمانية الآن ، فمن سن (15-29) يشكلون (30%) من إجمالي السكان العمانيين ، هذا بخلاف عددهم ما قبل (15) سنة .

 إذً ، هل تأخذ السياسة المالية للحكومة هذا البعد الديموغرافي بخاصيته الفئوية أم ترمي به عرض الحائط ؟ تساؤل يتكرر دائما معنا في كل تحليل موضوعي عن السياسات المالية والاقتصادية التي تتخذها الحكومة منذ منتصف عام 2014.

المحور الثاني : التنمية الاجتماعية .. صناعة مشتركة .

من مسلمات مرحلة التحولات والمتغيرات الراهنة ، والتي لم تصل إلى كل النخب السياسية أو الى القاعدة العريضة من المواطنين ، أن الدولة – الحكومة – لن تكون قادرة لوحدها على تلبية احتياجات التنمية الاجتماعية خاصة والتنموية عامة ، كما كانت فاعلة فيها ومحتكرة لها إبان مرحلة الاقتصاد الريعي.

ومن المسلمات كذلك ، أن المجتمع بكل بفئاته وفاعليه – الخاصين والعامين – تقع عليه مسؤولية الشراكة الحقيقية والفاعلة خلال المرحلة المقبلة ، بل اننا نراها شراكة قيادية ، وهذا انتقال طبيعي في الأدوار بحكم صيرورة التحولات ، فخلال فترة زمنية ليست طويلة ، لن ينتظر المجتمع من الحكومة توفير فرص العمل ، وانما سيبحث عنها في الداخل والخارج ، كما لن ينتظر تمويلها لمشاريعه وفئاته الاجتماعية ، وإنما سيمد يده لكل من يعرض له التمويل (…) كما فعلت مؤخرا إحدى مؤسسات المجتمع المدني التي كانت تتلقى دعما سنويا من الحكومة ، كما أنه لن يقبل أن تظل عملية انتاج السياسات المالية والاقتصادية حصريا بيد الحكومة ، وانما سيشاركها في صناعتها ، حتى يمكن قبولها ، ثم تطبيقها .

أي إن بلادنا ستودع ذلك الوضع الذي يعتمد على الحكومة في كل شيء ، ترخيصا وممارسة وتمويلا ، سيحدث العكس بصورة تدريجية ، لا يمكن التنبؤ بسرعتها ولا بإيقاعاتها ، لكن من المؤكد أنه سيخلق علاقة جديدة بين الحكومة والمجتمع وبالذات دينامياته الجديدة الحية ( القوى ) التي ستخرج  من رحم الفراغ الذي سيحصل نتيجة رفع الدولة يدها عن حماية وتمويل التنمية الاجتماعية .

وهنا منطقة وعي عميقة ، تفترض فرضا وجوبيا حتى يمكننا ادارة مرحلة مقبلة ، نعلم من الآن تحدياتها ومشاكلها، فالفراغات إن لم يشغلها عباد الرحمن ستجد عبدة الشيطان ، لها بالمرصاد لا خيار ثالث ، وتجارب بعض الدول العربية بما فيها الخليجية  – أنموذجا – فمن خلال دراساتنا العليا ، وتخصصنا في الدكتوراه في مجال حقوق الإنسان، تعرفنا ، كيف تمكن الخارج بمختلف أجندته من اختراق  البنيات الاجتماعية والثقافية وحتى الاقتصاد .. إلخ عن طريق دعمها بالمال ، بغية الضغط على أنظمتها للتأثير على قراراتها وخياراتها الوطنية .

يقتضي التذكير بمثل هذه التجارب الآن ، لدواعي إدارة المرحلة الانتقالية الراهنة التي تمر بها بلادنا ، من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الجبائي ، فهذه المرحلة الانتقالية تعد من أخطر مراحلنا الوطنية اطلاقا ، لذلك ، من واجبنا إشباعها نقاشا وتحليلا ، إسهامًا في توجيه الاهتمامات لما يجب أن يكون ، وما لا يجب أن يكون ، من وعي بالتحول بين الدورين من جهة وضرورة شغل فراغ الحكومة من قبل مؤسسات وفاعلين يكملون ويتكاملون مع دور الدولة ، ويتناغمون مع توجهاتها الوطنية ، حتى لا يظهر فجأة من يستغل الفراغ وحاجة المجتمع للمال والتنمية وفرص العمل لتحقيق أجندة خارجية .

ولنا في مبادرة تأسيس شركة للمسؤولية الاجتماعية (ش م م ) غير ربحية ، نموذجا لإدارة مشاكل وتحديات المرحلة المقبلة قبل ان تقع ، فهذا المشروع يتخصص في حماية الفئات الفقيرة كفئات الضمان الاجتماعي والشرائح ضعيفة الدخل ، في تكامل ودعم فعال لدور الحكومة لهذه الشرائح بعد تأثر دورها بنقص السيولة المالية .

وقد ظهرت لنا أهمية مثل هذه الحماية غير الحكومية في وقف عيدية العيدين من قبل وزارة التنمية الاجتماعية ، وسيتضح لنا أكثر عندما تحتدم تداعيات الضرائب والرسوم ، وتتلاقى مع تداعيات سياسات أخرى ، وتعطي القوانين التجارية الحق في تأسيس مثل هذه الشركات ، بل تشجعها الحكومات من خلال منحها إعفاءات ضريبية ، لأنها شركات غير ربحية ، رغم أنها تسعى للربح ، لكن أرباحها مخصصة كاملة للمسؤولية الاجتماعية اي لا توزع على المساهمين ولا المشاركين فيها على عكس الشركات التجارية .

 من هنا تمنح هذه الشركات ميزة الإعفاءات الضريبية ، رغم أن لها أنشطة تجارية مختلفة مثلها مثل الشركات التجارية الاأرى ، وهذا تقدير من المشرع ، وتشجيعا منه من أجل استدامة التمويل للمشاريع الاجتماعية والتنموية ، من هنا يجب الرهان على الكيانات غير الربحية .

إذًا ، الامكانية متاحة لمن أراد أن يخدم مجتمعه ، فإذا اغلق باب ، فهناك مجموعة ابواب شرعية مفتوحة ، لماذا لم يلجأ اليها الفاعلون في بلادنا حتى الان ؟ وكيف خرجت هذه الفكرة الان من عصف شخصيتين بارزتين فقط ؟ ورغم ذلك ، فإن هذا الخروج ينم عن وعي وطني رفيع من قبل هاتين الشخصيتين بتحديات المرحلة المقبلة من جهة وبدور رجال الاعمال خاصة والفاعلين المجتمعيين عامة في خدمة مجتمعهم في عصر ، ترى الحكومة فيه مضطرة إلى تقليص دعمها وحمايتها للمجتمع .

، فالشكر والتقدير الرفيعين، لمثل هذه المبادرات التي تخرج الآن تناغما مع ظرفيات التحول في دور الدولة ، وكما نقول دائما ، الفراغ اذا لم يشغله عباد الرحمن من داخل الوطن ، فلن يتركه عبدة الشيطان من الخارج وحتى من الداخل ، فلابد من الانفتاح الإيجابي على الكيانات المعنوية غير الربحية فورا .

 

شارك هذا الخبر