“البلوكتشين” تقنية ستغير العالم أم موضة عابرة؟ وما فرص السلطنة منها؟

“البلوكتشين” تقنية ستغير العالم أم موضة عابرة؟ وما فرص السلطنة منها؟
“البلوكتشين” تقنية ستغير العالم أم موضة عابرة؟ وما فرص السلطنة منها؟

مسقط-أثير

إعداد: شركة أموال

تحاول التقنية -غالبا- أن تأتي بالحلول التي تجعل حياة الناس أكثر سهولة وراحة ، ومع تزايد هذه التقنيات، أصبح أمن البيانات ومصداقيتها مطلبًا مهمًا على التقنية أن تضمنه. ومن التقنيات التي تشغل الساحة التقنية مؤخرا، ويعتقد الكثيرون أنها قد تغير الكثير من ملامح التقنية والحياة بشكل عام هي تقنية بلوك تشين BlockChain أو سلاسل الكتل كما يترجمها البعض، فما هي هذه التقنية؟ ولماذا جاءت؟ وما فائدتها؟ وما هو مستقبلها؟

ما هي البلوكتشين؟

البلوكتشين هي تقنية جديدة تأتي بأسلوب جديد لحفظ وتنظيم البيانات، حيث إنها تحفظ البيانات في قاعدة بيانات غير مركزية، أي إنه ليس لها مكان أو مركز واحد فقط، ويمكننا اعتبارها سجلا أو دفترا إلكترونيا لحفظ البيانات، وهذه البيانات يتم حفظها في آلاف الحواسيب حول العالم. لنفترض مثلا أن هناك دفترا كبيرا للحسابات يملكه آلاف الأشخاص، كل ورقة لها حجم معين وفيها بيانات لحساب شخص ما، وفي كل ورقة يسجل كل فرد حساباته بشكل دقيق، ولدى كل مستخدم منهم نسخة مطابقة من دفتر الحسابات، هذا الدفتر يوازي فكرة البلوكتشين تقريبا، وكل ورقة هنا هي عبارة عن كتلة مترابطة مع بقية الكتل حتى تشكل سلسلة مترابطة من الكتل التي تحفظ البيانات. البيانات التي يتم تسجيلها في هذا الدفتر هي بيانات لكل شيء ذي قيمة، سواء كانت أموالًا أو بضائع أو أصولا وغيرها ، وعلى كل شخص أن يسجل ما يملكه وما يقوم بنقله أو تبادله مع أي شخص آخر. هذا الدفتر يمكن أن يكون عاما ويشارك فيه كل من يرغب بذلك، ويمكن أن يكون خاصا بك أو مؤسستك ولا يمكن استخدامه أو المشاركة فيه بدون إذن مسبق .

قد يدور في بالك تساؤل الآن، هل من المنطقي أن أسجّل بياناتي المالية في دفتر يملك الآلاف نسخة منه؟ وفي الواقع أنك وحدك من يستطيع مشاهدة هذه البيانات المشفرة، ولمن تسمح لهم بذلك وتحدد لهم الأجزاء التي يمكنهم الاطلاع عليها، أما بالنسبة لغيرهم من أصحاب الحسابات في الدفتر ستكون بياناتك مشفرة عنهم، ولا يمكن العبث بها، وإذا قام أي شخص -مثلا- باختراق أي حاسوب يحتوي على هذا الدفتر، فلن يؤثر ذلك على بقية النسخ من الدفتر ، فبالتالي تبقى نسخ الدفتر الأخرى سليمة بالكامل. إلا إذا قام أحدهم باختراق معظم الحواسيب التي تحتوي على هذه الدفاتر في الوقت نفسه ، وهي بالآلاف، وهذا أمر يصعب تحقيقه في الوقت الحالي -على الأقل-.

بالرجوع قليلا إلى الوراء، نجد أن الناس أقاموا البنوك والمؤسسات التي يتبادلون من خلالها أموالهم والبضائع وكل ما له قيمة، نتيجة فقدان الثقة في الآخرين. وحيث إن الناس لا يمكنهم أن يضمنوا بعضهم البعض، أنشأوا مؤسسة يثق فيها الطرفان، تحفظ لهم حقوقهم وتأخذ منهم مقابلا جزاء تلك الخدمة، فالثقة هنا هي السبب في وجود وبقاء تلك المؤسسات. تخيل مثلا لو أننا جميعا لا نثق في البنك الذي نحول عن طريقه أموالنا، أو في المؤسسة التي ننقل بها البضائع بيننا، هنا سنتوقف عن التعامل من خلالها. الأمر ذاته ينطبق على تقنية البلوكتشين،         حيث إن الثقة تلعب دورا أساسيا لكي تأتي هذه التقنية بالنتيجة المرجوة منها.

استخداماتها

استخدامات البلوكتشين عديدة ومتشعبة، لعل أشهرها العملات الافتراضية مثل بيتكوين، فهذه العملة التي غالبا ما يتم ربط البلوكتشين بها لدرجة أن العديد من الناس يعتقد أن البلوكتشين هي البيتكوين، وذلك غير صحيح، فعملة البيتكوين تستخدم تقنية البلوكتشين وهناك عملات أخرى أيضا مثل الإيثيريوم. ولا يتسع المجال هنا لتفصيلها.

تستخدم البلوكتشين أيضا في سلاسل التوريد، بحيث إنه يمكن تتبع أي سلعة من منشأها الأصلي وكل المراحل والأماكن التي مرت بها بكل دقة، وبالتالي تساعد البلوكتشين في تتبع جميع السلع والحفاظ على كل بياناتها بدقة. ويُعدّ  تحويل الأموال كذلك من المحاور الرئيسية التي يمكن أن تستخدم فيها البلوكتشين، حيث يتم تحويل المبالغ من أي حساب في بلوكتشين إلى أي حساب آخر في غضون دقائق وبدون الحاجة لوسيط، وبعمولة بسيطة.

ومن الاستخدامات المهمة للبلوكتشين هي العقود الذكية، حيث يتم تحديد الأطراف والبنود المتعاقد عليها بالتفصيل، فإذا فرضنا أن بينك وبين شركة تأمين الرحلات الجوية عقدا ذكيا ينص على أنه في حالة تأخر الطائرة مقدارا محددا من الوقت سيتم تحويل جزء من قيمة التذكرة لحسابك، فإذا حدث وتأخرت الطائرة، فإن المبلغ يتم تحويله مباشرة لحسابك، وبدون أي تدخل منك أو منهم، وهذا النوع من العقود بالتحديد تطبقه حاليا عدد من الشركات. وهنا كذلك نلتفت لاستخدام آخر لهذه التقنية وهو تطبيقات الاقتصاد التشاركي أو التي يخدم فيها الناس بقية الناس مثل تطبيق “أوبر Uber” الذي يمكّنك من استخدام سيارتك العادية كسيارة أجرة لنقل الناس، ومثل تطبيق “أير بي أن بي AirBnB”  لتأجير بيتك أو غرفتك لشخص آخر يحتاجها لفترة ما، هذه التطبيقات لن تحتاج لطرف وسيط من أجل الدفع مثلا، وكذلك في حالات التأخير أو الإلغاء فإن المبالغ المالية يتم احتسابها وتحويلها للأطراف المعنية بشكل مباشر وبدون تدخل أطراف أخرى مثل شركة وسيطة أو بنك أو شركة تأمين.

وهناك استخدمات أخرى كثيرة يمكن أن تطبق فيها البلوكتشين مثل الحصول على التمويل الجماعي لمشروع ما، أو في تخزين الملفات وفي التدقيق المالي وكذلك في تخزين بيانات الهويات الشخصية لكل أفراد مؤسسة ما أو مواطني دولة ما.

مميزات وعيوب

تتميز البلوكتشين بالعديد من المميزات من أهمها الشفافية الكاملة، بحيث إن كل معاملة يتم تسجيلها وكل معلومة تخص كل شيء ذي قيمة يتم تسجيلها وتتبعها بكل دقة. كما أنها تتميز بالسرعة في إجراء المعاملات حيث إنه لا داعي لوجود بنك -مثلا- لإجراء عملية تحويل فهي تتم مباشرة بين الأطراف. كما أن الأمان العالي يعد ميزة في البلوكتشين نظرا لتوزع نسخ الدفتر\البلوكتشين في آلاف الحواسيب حول العالم.

كما أن للتقنية مزايا فإن عليها مآخذ، حيث يعد بعض الخبراء أن البلوكتشين لا تناسب الكثير من القطاعات وأهمها الحكومة، حيث إن الحكومة ترتكز بشكل كبير على مركزيتها وعلى عدم إظهار الكثير من البيانات، بينما البلوكتشين تلغي فكرة المركزية في أساسها، وتسعى لتكون جميع البيانات شفافة وواضحة. كما أن التقنية لا تزال في طور التجريب فليس من السهل الاعتماد عليها ولا توجد لها تجارب نجاح كافية، يمكن التعلم منها.

آفاق المستقبل وفرص السلطنة

يعد الكثير من الخبراء حول العالم أن البلوكتشين تقنية ستغير وجه العالم أكمل، مثلها مثل الكهرباء والإنترنت، كونها قد تدخل في تفاصيل كثيرة في حياتنا وتغير من طريقة تعاملنا معها بالكامل. بينما يعدها البعض موجة تقنية صاعدة، وستهدأ وتتراجع قريبا، حيث إنها لم تكمل العشر سنوات بعد، وهي غير ناضجة، كما أن شكل العالم الحالي من الصعب تغييره.

السلطنة كونها ليست بمنأى من العالم ومتغيراته، فقد سعت إلى تطبيق هذه التقنية والاستفادة منها، وقد عُقدت مؤخرا ندوة متخصصة لمناقشتها، ومن نتائج تلك الندوة تأسيس شركة للبلوكتشين في السلطنة ونادٍ للمهتمين بها، وتم الإعلان عن العمل في سبعة مشاريع متعلقة بها. وإذا ما تم تطبيق البلوكتشين ولو بشكل جزئي في السلطنة فقد تحل محل السجلات المتراكمة في توثيق الأراضي  وتوثيق الممتلكات -مثلا- ، كما يمكن أن تكون حلا لربط كل السجلات مع بعضها، السجلات التي تستخدمها الشرطة والمستشفيات والوزارات كلها في مكان واحد. وبما أن السلطنة متوجهة لقطاع اللوجستيات فإن البلوكتشين ستكون مجدية جدا في تتبع البضائع في سلاسل التوريد، وتسجيل كل تفاصيل البضائع والأماكن التي مرت بها. وستشهد الأشهر والأعوام القادمة حراكا أكبر واهتماما أوسع بهذه التقنية ، ولننتظرها.

شارك هذا الخبر