أثير- د.عبدالله باحجاج
بداية ، علينا أن نضع قرار ترامب بشأن نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة ، على أنها صيرورة تاريخية مفصلية في منطقة الشرق الأوسط خاصة والعالم كله عامة، وبالتالي، ينبغي أن يماثلها صيرورة عربية وإسلامية، لها القوة نفسها، والإثارة ذاتها، أي ليس من منظور ردة الفعل وفق القاعدة الشهيرة،، لكل فعل وله ردة فعل،، وإنما صناعة مفصل تاريخي مضادا لصيرورة ترامب التاريخية، استثمارا لمسيرة الاستشهاد المتواصلة، ولمشاعر وعواطف المسلمين وبالذات الفلسطينيين الذين يخرجون للشوارع ويحملون معهم أكفانهم “الصيرورة هي :الانتقال من حالة الى أخرى خارج السياقات على عكس السيرورة التي تكون كنتاج طبيعي ومنطقي للتطورات”.
وتلكم أهم وظائف السياسة، وأبرز واجبات السياسيين الحقيقين تجاه شعوبهم ومجتمعاتهم، وستكشف قمة تركيا الإسلامية الطارئة التي ستعقد خلال الساعات القليلة المقبلة في اسطنبول، سياسيي الشعوب الإسلامية والعربية رغم أن التصريحات التركية الأخيرة بشأن ضعف الموقف العربي من قرار ترامب، ومن ضعف تمثيل بعض الدول العربية إلى القمة، لم تجعلنا نترقب حتى موعد انعقاد القمة.
لكننا ينبغي أن نراهن كثيرا على مكان انعقاد القمة التي يحمل رئيسها هاجس القدس بصوت مرتفع، ويكسب الرأي العام العربي والإسلامي منذ أن هدد ترامب بقطع علاقات بلاده الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني وعقد قمة إسلامية استثنائية بعد “3- 5” من بعد اتخاذ قرار المشؤوم.
ويفي الرجل الآن بالشق الأول من وعده، فهل سيلجأ الى قطع العلاقات كما لوح بها؟ وهل ستشاطره بقية الدول؟ بمعنى هل ستخرج قمة تركيا الاسلامية بقرار المقاطعة؟
• السيناريوهات من منظور الصيرورات والسيرورات
حتى الان ، لا يزال الغموض هو سيد الموقف بشان طبيعة موقف القمة الاسلامية من قرار ترامب بنقل سفارة بلاده الى القدس المحتلة ، ولم يخرج من تركيا ، سوى انتقادات لضعف الموقف العربي من قرار ترامب ، وارجاع ذلك الى الرعب من واشنطن.
وكذلك تصريح قوى من انقره قبيل هذه القمة بضرورة صدور موقف اسلامي قوي ، لم تحدد ماهيته ، أو تكشف عن طبيعته ، لكن هل سيكون من المنظور العاطفي ام البرغماتي؟
تحتم تداعيات قرار ترامب حتى الان الخيارين المتزامن معا ، فالشارع في فلسطين يغلي ، والشهداء تتساقط بعد قرار ترامب ، وينتقل ذلك ارتدادا الى الشوارع العربية تباعا ، ما لم تكن القمة الاسلامية في مستوى الحدث.
وهنا نجد المقاربة البرغماتية تتجلى فيما قدمه معالي يوسف بن علوي الوزير المسئول عن الشئون الخارجية في الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب مؤخرا ، من رؤية مختلفة تماما عما اعتاد عليه الفكر السياسي العربي الراهن اثناء الاحداث التي تعصف بالمنطقة ، كقرار ترامب بشان القدس ، رؤية قد بدأت لنا مختلفة قبل ان يستنطقها معاليه اثناء حديثه الارتجالي في الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب.
فملامحه ، بدأت عليه التأثير بالخطابات الديماغوجية التي سبقته من نظرائه في الجلسة الطارئة ، والتي قال عنها صراحة ” اؤيد خطاباتكم ، ولكنها غير كافية ” ويبدو انها كانت خطابات جماهيرية ،ذات الصفة الديماغوجية لا تنتج انتصار للجماهير التي خرجت للشوارع أو تلك التي على استعداد أن تضحي بحياتها من أجل القدس.
من هنا ، دعا معاليه نظرائه الى اتخاذ قرارات ” تسعد الاشقاء المتظاهرين في فلسطين ” كاشفا مقترح فلسطينية القدس الشرقية ، كصيرورة عربية ، مقابل صيرورة ترامب ، ، داعيا كذاك الى قناع الدول التي لديها سفارات في الدولة الفلسطينية الى نقلها الى القدس الشرقية ،وهذا الاقتراح يحمل الصفة العقلانية لمواجهة قرار ترامب ، كحل لمعضلة القدس ، أي الثنائية المشتركة للقدس بين الفلسطينيين والاسرائيليين.
فهل هذه البرغماتية ستتبناها القمة الاسلامية التي ستضم أكثر من (50) دولة خلال الساعات القليلة المقبلة في تركيا؟
لا مجال للقمة الاسلامية ، سوى أن تكون في مستوى الاحتقانات التي فجرها قرار ترامب ، وعليها ان تتخذ موقفا قويا نصرة للقدس تناغما مع الاحتقانات الجماهيرية قبل ان تنتقل الى الطور الثاني من حالة غضبها ضد امريكا والكيان الصهيوني ، بعد ان نأت اوربا بنفسها عن قرار ترامب ، وتنصلت عنه علانية ، وهذا الموقف الاوربي ، بل والعالمي المعارض لقرار ترامب ، ينبغي ان يحرر المتخوفين من رعبهم من ترامب، ويتصالحوا مع شعوبهم ، خاصة وان المقاربات الايديولوجية والسياسية التي كانت تثير عوامل الخلاف والتوتر في المنطقة ، قد وحدتها قضية القدس ، واصحب قادتها شعوبها تحضر قمة إسطنبول بأعلى مستوى.
• توحيد المقاربات الايدولوجية والسياسية
ربما لم يدرس ترامب تداعيات قراره من كل الاحتمالات أو انه يعتقد أن سيطرته المرعبة على بعض الانظمة العربية ، كافيا لتمريره باقل الخسائر ؟ لابد من الاعتراف بان واشنطن تؤكد لنا الان بما لا يدع مجالا للشك ، قصورها البنيوي في فهم البعد الثيولوجي (الديني ) لقضية القدس ، وعلاقته بالبعد السيكولوجي المحرك للشعوب الاسلامية بصرف النظر عن جنسياتها وعن تنوع وتعدد معتقداتها الفكرية، ربما يكون ترامب قد وقع في فخ قوته القهرية التي تمكن من خلالها من فرض املاءاته على بعض الانظمة العربية منذ اول يوم تسلمه الرئاسة في بلاده .
وبتوقيعه المثير المستفز ، تحول المعتدلين في عالمنا الاسلامي الى متشددين من أجل القدس ، فمن منا لم ينتابه الغضب من قرار ترامب ؟ لن نجد مسلما في اية بقعة من العالم ، الا ويشعر بالاستياء العميق والظلم الشخصي ، وعندما نتغلغل قليلا في السيكولوجية المسلمة ، سنجد القهر قد نفذ الى عمقها ، وموجه نحو مسارين حادين جدا ، خارجي ، باتجاه واشنطن التي شرعنة الاحتلال للقدس ، وكرست يهوديتها المتطرفة ، وداخلي ، بعد انهيار كامل للمنظومة العربية ، التي بدأت لأول مرة فاقدة حتى ارادة الادانة التي كانت تجعلها تمتص غضب شعوبها.
وقد يتولد من هذه السيكولوجيات مشاريع متطرفة ، لأن القهر والظلم يولد التطرف ، وسيشرعان لهذه النفسيات التطرف بحجية الدفاع عن القدس ، فهل يعلم ترامب أنه يؤسس في العالم موجة تطرف جديدة ؟ الشعوب الاسلامية // الحية وما أكثرها // تقف الان حائرة وتائهة ، فكيف لو فشلت قمة تركيا اليوم؟
لذلك ، لا مجال لفشل قمة تركيا ، مهما كان حجم التخاذل والخوف من الرعب الترامي ، اذا ما اردنا الحيلولة دون انفجار الشعوب الحية ، فالقدس تشكل جزءا اصيلا من المنظومة الايمانية لكل مسلم بصرف النظر عن ايديولوجيته أو خلفياته السياسية ، وهذا ردنا على بعض النخب المثقفة تقلل من قرار ترامب ، بحجة أن الكل محتل ، فماذا يضر امتداد الاحتلال للجزء ، وهنا منطقة وعي مفقودة ، فهذا الجزء ، هو بمثابة الكل ، والصراع التاريخي قائم على مثل هذه الخلفيات ، ومبعث خوفنا في ترسيخ شرعية المحتل.
• قرار ترامب.. الخلفيات والابعاد
ولتفنيد التفسيرات التي تخرج من بعض العواصم العربية حول الضغوطات الداخلية التي دفعت بترامب الى القرار ، وتعتبر ذلك مساومة لبقائه في السلطة ، نجد هذه العواصم ” للأسف ” تقدم نفسها كمحامية تستميت في الدفاع عنه على حساب الثوابت ، وحتى لو سلمنا جدلا بتفسيراتها ، فهى ليست صحيحة تماما ، وكل من يتابع مواقف ترامب منذ تسلمه الرئاسة وحتى قبيل قراره ، سيتضح له ان قراره بشان القدس ما هى الا نتيجة متوقعة.
فقد بدأ رئاسته بمواقف عدائية واضحة من الاسلام ، فقد ربطه بالإهاب ، وبعيد تسلمه السلطة منع مواطني ست دول مسلمة من دخول الولايات المتحدة ، ويقوم في تغريداته بإعادة تغريدات قائد تنظيم نازي بريطاني ضد المسلمين … وتوج مسيرته العدائية بقرار بشرعنة المحتل للقدس ، وبيهوديتها المطلقة ، هل دخل ترامب بلاده في مازق تاريخي حقيقي؟
ربما علينا هنا أن نتأمل في هذه المسألة بصورة اعمق ، وننظر لأفعال ترامب منذ مجيئه للرئاسة من منظور الصيرورة ،، القدرية ،، التي تعيد للقضية الفلسطينية اولويتها المفقودة ، وصدارتها المستحقة ، وتنظيراتها الدينية المتأصلة في وجدان كل مسلم ، فمنذ قرار ترامب ، فمن منا لم يتبادر الى ذهنه فورا حديث الرسول صلي الله عليه وسلم عن نصر المسلمين على اليهود في حربهم المقبلة ، فعن أبي هريرة رضى الله عنه ، قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر أو الشجر ، فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله ، إلا الغردق فإنه من شجر اليهود ” رواه مسلم في صحيح ( الغرقد نوع من شجر الشوك معروف ببلاد المقدس.
من دون شك يأصل قرار ترامب صراعنا مع الكيان الصهيوني بالصبغة ( الثيولوجية ) الدينية المقدسة ؟ وقد انطلقت انتفاضة الغضب على هذا الاساس ، وتلتقي معها الان ردود الفعل الغاضبة في كل انحاء عالمنا الاسلامي، تحرك اغلبها ، مشاعر وعواطف ليس وراءها اجندات سياسية ، ولا ايديولوجيات متطرفة ، وقد تتلقيان ، وهذه مسألة حتمية.
فالقدس توحد المقاربات الايديولوجية والسياسية للشعوب المسلمة ، وستدفعها نحو تعزيز وحدتها ، لأنها ستكون العامل المشترك في واد الخلافات والصراعات التي تنتجها تلكم المقاربات ، هذا ليس تنظير بقدر ما هو توصيف لواقع جديد ، ات لا محالة ، ومن خلاله ، نستشرف مستقبل جديد للمنطقة ، خاصة أذا ما أقدم الكيان الصهيوني على افعال تمس مشاعر المسلمين في القدس الشريف ، فكل هذه الاستشرافات تتوقف على اصرار ترامب على قراره وعلى خطوات الاحتلال المقبلة ، كما أن نجاح أو فشل قمة تركيا ، ستضيف فصل أخر ومؤثر سلبا أو ايجابا في تداعيات قرار ترامب بشان القدس.






