د.رجب العويسي يكتب: ثقافة المعلم وأثرها على الطلبة

د.رجب العويسي يكتب: ثقافة المعلم وأثرها على الطلبة
د.رجب العويسي يكتب: ثقافة المعلم وأثرها على الطلبة

د. رجب بن علي العويسي
رجب العويسي
كاتب ومؤلف وباحث

د.رجب العويسي يكتب: ممكنات البعد الوقائي في السياسات التعليمية، ماذا نفعل؟
د.رجب العويسي يكتب: ممكنات البعد الوقائي في السياسات التعليمية، ماذا نفعل؟

تعد ثقافة المعلم، معيارا لكفاءة دوره وفاعلية ممارسته في بيئة التعلم، والرصيد الذي يمكن خلاله التغلب على حالات القلق التي تلاحقه، حول تعلم الطلبة ومستوياتهم التحصيلية ودافعيتهم نحو التعلم، أو تدني مستوى مواءمة المناهج الدراسية لقدرات الطلبة ، وكما قيل عندما يكون لدينا معلم متمكن، يمتلك أدوات المعرفة، ويتفاعل مع مستجدات الثقافة الوطنية والتربوية والعالمية، ويبتكر أدوات انتاجها بطريقة أفضل، تضمن لها فرص الديمومية والابتكارية؛ فإنه  يستطيع أن يتعامل مع حالات التدني الحاصلة في كفاءة المناهج الدراسة، أو في دافعية الطلبة أو في بيئة التعلم، إذ سيتعامل معها بشكل مرن ومبتكر، ويحولها إلى  آليات عمل أكثر قوة وأدق وضوحا، ذلك أنه لا يكتفي بما  يتداوله الطلبة وفق معارفهم السطحية؛ بل سيبني فيهم الالهام والاجادة، ويصنع منهم قدوات، وفق منطلق إدارة المواقف، والتأثير فيها، وإعادة انتاجها بطريقة قد لا يحققها ممن لا يمتلكون خاصية الثقافة المؤثرة والاتساع المعرفي الواعي.

 ومع ذلك فإن الحديث عن اتساع هذه الثقافة، في ظل  منصات الاتصال والتواصل والاعلام الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي وتعدد مصادر المعرفة وزيادة المعروض الثقافي، وسهولة الحصول على المعلومة وتداولها  بين الطلبة، وسبقهم في الوصول إليها قبل المعلم، أو امتلاكهم أدوات الحصول عليها عبر استخدامهم للبرامج الالكترونية والبرمجيات ودخولهم في عالم الفضائيات المفتوحة واتقانهم للكثير من التطبيقات الافتراضية الذكية لها أكثر من المعلم، يطرح مداخل أخرى لفهم هذه الثقافة ومحدداتها وإطار عملها، ومستوى التجديد والمرونة والتأثير والحضور الفعلي لها في إدارة الواقع،  والتعامل مع  أحداث العالم ومستجداته، بالشكل الذي يمكن أن يحوّل هذه الثقافة بما تحمله من معارف ومبادئ والتزامات، إلى ممارسات أكثر مهنية وارتباطا بالواقع، وصياغة موجهات عمل قادمة يستعين بها  المعلم في صناعة التدريس الأنموذج، وكفاءة التأثير في واقعه الاجتماعي، فهي بذلك  ثقافة  تتسع في مفرداتها ومصطلحاتها  ومضامينها عبر منطق التجديد الذي يدير حركتها، والتحول الذي يوجه غاياتها، والتأثير الذي يؤطر استراتيجياتها، وإعادة هندستها في ظل مسوغات الواقع واستشراف المستقبل وانعكاسات ذلك كله على  تمكين المتعلم من إدارة المواقف الحياتية، وصناعة بدائل  الانجاز.

وعليه كان بناء هذه الثقافة وفق منظور الممارسة التعليمية، يستدعي أن يمتلك التعليم قدرة على تعزيز حضور أدواته ومنهجياته وطرائقه وأساليبه في ثقافة المعلم، بحيث تصبح منصة تعليمية وحواريه وثقافية يلجأ إليها المعلم ويستفيد منها، بما تلتزمه من مسارات الواقعية والاستدامة، والتنويع والجاذبية والتأثير، وارتباطها باهتمامات المعلم ذاته، وكونها معينا داعما له في  ممارساته التعليمية وأدائه المهني، لذلك فإن  ما تشير إليه تفسيرات البعض، عند حديثهم عن التحصيل الدراسي، ونتائج الطلبة في الاختبارات الدولية، وكفاءة المعلم في إدارة الموقف التعليمي، وحافز المعلمين أنفسهم  ودافعيتهم ومقدرتهم على التكيف مع الحالة التعليمية ومستجداتها، لا يرجع بالأساس إلى تدني ثقافة المعلمين، بقدر ما يتعلق باتجاه هذه الثقافة، وامتلاكها أدوات الاستفادة من كل المعطيات  الكونية الحاصلة على اختلافها وتناقضها وتعدد توجهاتها وتنوع مدارسها الفكرية، ورسم خريطة عمل قادمة للمعلم تضع مقياس هذه الثقافة، في مقدار التغيير الذي تحدثه في واقع حياة المتعلم وقناعاته ، وبالتالي  ضبط هذه الثقافة وفق محددات الخصوصية والهوية التعليمية، والدور الذي ينبغي أن تقدمه  مؤسسات الاعداد والتأهيل والتدريب قبل الخدمة،  والبرامج التدريبية والتطويرية المصاحبة للمعلم، بالشكل الذي ينعكس على أدائه وإلهامه .

أخيرا، ندرك بأننا ما زلنا نفتقر للدراسات الاستراتيجية التي تؤطر هذه المسألة، وتصنف لنا نوع الثقافة التي يحتاجها المعلم، أو ما تحتاجه الممارسة التعليمية منه، للوصول إلى مؤشرات يمكن أن ننطلق منها في فهم هذه الثقافة؛ ومع ذلك فإن طرحنا لمسألة التأطير والتقنين لثقافة المعلم، لا يعني أن تكون طبق الأصل لما تريده وزارة التربية والتعليم، أو مؤسسات الاعداد في ثقافة المعلم، بقدر ما هي بناء القوة في اختياره الواعي لنوعيه الثقافة، وانتقاء مصادر الحصول عليها، وامتلاكه أدوات  التحليل والتصحيح، واقترابها من أولويات الرسالة التي يحملها، والأدوار المتغيرة التي يمارسها، فما تمتلكه مدارسنا من شغف العطاء والانجاز وحب المبادرة والتطوع ، واتساع حجم  شريحة المعلمين الشباب، استحقاقات تحسب لتنافسية العطاء التعليمي للمعلم العماني، بما يستدعي ترقية هذا الشغف، ونقله إلى مستوى التكامل في بلوغ الطموح، لتتناغم مع ما يمتلكه من مبادئ وقيم وأخلاقيات، لرسم خريطة مكبرة لثقافة المعلم في ظل معطيات التعليم ومستجداته وتطلعاته.

شارك هذا الخبر