أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في الثامن والعشرين من يوليو عام 1972م، أي قبل (54) عامًا من هذا اليوم، فقدت عُمان أحد كبار علمائها وفقهائها، برحيل العلامة الشيخ خلفان بن جميّل بن حرمل السيابي، بعد حياة امتدت نحو ثمانية عقود قضاها في طلب العلم، والقضاء، والتدريس، والتأليف، حتى أصبح من أبرز المراجع العلمية في عصره، وأحد الأسماء التي ارتبطت بالحركة الفقهية والعلمية في عُمان خلال النصف الأول من القرن العشرين.
وعاش الشيخ خلفان السيابي مرحلة اتسمت بتحولات سياسية واقتصادية وفكرية مهمة في التاريخ العُماني، إلا أن ذلك لم يحل دون مواصلته رسالته العلمية، فظل حاضرًا في ميادين التعليم والإفتاء والقضاء، وأسهم في تخريج أجيال من طلبة العلم الذين حملوا عنه علوم الشريعة واللغة والأدب.
وفي ذكرى رحيله، تقترب “أثير” من سيرته، لتستعرض أبرز محطات حياته، ورحلته مع العلم والقضاء والتأليف، والإرث الفكري الذي خلّفه للمكتبة العُمانية والإسلامية.
النسب والنشأة
ينتمي الشيخ إلى قبيلة آل المسيب، وولد في بلدة سيما التابعة لولاية إزكي سنة 1308هـ (1890م) تقريبًا، وتشير دراسة قدمها حفيده الدكتور خلفان بن عبدالله السيابي إلى أن الشيخ فقد والدته شيخة بنت خلفان الناعبية وهو رضيع، خلافًا لما ذكره بعض الباحثين من أنه نشأ يتيم الأب، فتولت إرضاعه والدة الشيخ سيف بن حمد الأغبري.
رحلته في طلب العلم
بدأ الشيخ خلفان بن جميّل تعلمه في بلدته، ثم انتقل بين حلقات العلم في سمائل، وتميز بعصاميته؛ إذ لم يلازم شيخًا واحدًا، بل استفاد من عدد من كبار علماء عصره، وفي مقدمتهم الإمام نور الدين السالمي، وحمد بن عبيد السليمي، وأحمد بن سعيد الخليلي، وكان شديد الشغف بالقراءة، وتأثر بكتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، قبل أن يتوسع في دراسة الفقه وأصول الدين حتى أصبح من كبار علماء عصره.
واتسم الشيخ بشغف كبير بالمطالعة، فقرأ أهم كتب الفقه والحديث والتفسير والتزكية، ومن أبرزها: النيل وشفاء العليل، وطلعة الشمس، وقناطر الخيرات، وفتح الباري بشرح الإمام أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري، وجمع الجوامع، وبيان الشرع، وحاشية ابن قاسم العبادي على شرح ابن الناظم، إضافة إلى إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وهو الكتاب الذي ترك أثرًا واضحًا في بناء شخصيته العلمية والروحية.
مسيرته في القضاء والتعليم
بدأ الشيخ خلفان بن جميّل حياته العملية وكيلًا على أوقاف سيما بتكليف من الإمام سالم بن راشد الخروصي، ثم انتقل إلى التدريس في نخل، قبل أن يتولى القضاء في عدد من أهم ولايات عُمان، منها نخل، والرستاق، ومطرح، وصور، وسمائل.
وبعد أن طُلب إعفاؤه من عمله في إحدى الولايات نتيجة خلاف مع بعض أهاليها، قرر الإمام تعيينه قاضيًا في الرستاق (1338هـ/1919م)، حيث استمر حتى عام 1344هـ/1926م، ثم انتقل إلى مطرح (1344- 1349/ 1925- 1930) ليعمل قاضيًا بأمر السلطان تيمور بن فيصل، وبقي فيها حتى عام 1348هـ/1930م، قبل أن يعتزل القضاء ويعود إلى سمائل.

ولم يدم اعتزاله طويلًا، إذ طلبه السلطان سعيد بن تيمور في عام 1356هـ/1937م لتولي قضاء صور، فاستمر قرابة ست سنوات (1357- 1364هـ / 1938 – 1944)، ثم استقال بعد وفاة واليها السيد سعود بن علي بن بدر البوسعيدي.
وخلال تلك الفترة بعث السلطان إليه رسالة مؤرخة في 15 رجب 1364هـ (25 يونيو 1945م) يعرب فيها عن رغبته في استمراره قاضيًا في ولاية صور، بعد أن كان الشيخ قد طلب إعفاءه من المنصب في جمادى الثانية، وجاء في الرسالة أن السلطان ما زال يأمل في عدول الشيخ عن قراره وقبول الاستمرار في القضاء، مؤكدًا أنه بانتظار جوابه.
إلا أن الشيخ تمسك بطلبه، ويبدو أن أسباب ذلك ارتبطت بظروفه الصحية وما أصابه من إرهاق خلال سنوات عمله في صور، إلى جانب رغبته في العودة إلى سمائل والاستقرار فيها، وبعد عام تقريبًا، عاد إلى العمل القضائي بطلب من الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، فتولى قضاء سمائل حتى عام 1368هـ/1948م، قبل أن يتفرغ نهائيًا للتدريس والتأليف.


ولم تقتصر مكانة الشيخ على تولي القضاء، بل كان محل ثقة الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، الذي كان يرجع إليه في كثير من المسائل العلمية ويستأنس برأيه في النوازل الفقهية. كما ظل مجلسه، حتى أواخر حياته، مقصدًا لطلبة العلم والمستفتين، يؤمونه للأخذ من علمه والاستفادة من فقهه وحكمته.

شخصيته وأثره العلمي
اشتهر الشيخ خلفان بن جميّل بالورع والزهد، وكثرة العبادة، والجد والوقار، وعُرف بالصرامة في الحق، حتى عدّه بعض معاصريه شديدًا في أحكامه، وكان بيته مدرسة مفتوحة يؤمها طلاب العلم، وتخرج على يديه عدد من العلماء، من أبرزهم الشيخ سعيد بن خلف الخروصي، والشيخان محمد ورشيد ابنا العلامة راشد بن عزيز، والشيخ سالم بن حمد الحارثي.
رحلات الشيخ خلفان بن جميل.. بين الحج وزنجبار وطلب العلم
تكشف الوثائق أن الشيخ خلفان بن جميل السيابي لم يكن منقطعًا عن محيطه العلمي خارج عُمان، بل ارتبطت حياته بعدد من الرحلات التي عكست شغفه بالعلم وحرصه على توسيع مداركه، وفي مقدمتها رحلته إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، ورحلته إلى زنجبار التي كانت آنذاك أحد أهم المراكز العلمية والثقافية للعُمانيين في شرق أفريقيا.
وتشير وثيقة مؤرخة في 11 ربيع الأول 1371هـ الموافق 10 ديسمبر 1951م، بعث بها الإمام محمد بن عبدالله الخليلي إلى محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي، إلى عزم الشيخ على السفر، حيث جاء فيها ما معناه أن الإنسان قد يضطر إلى الارتحال طلبًا للرزق وتحسين المعيشة، وأن ذلك لا يتعارض مع التوكل على الله أو سلامة الدين إذا كان في إطار مشروع.

وتوحي هذه الوثيقة بأن الشيخ كان يفكر في السفر إلى زنجبار، ربما لتحسين ظروفه المعيشية، وهو أمر لم يكن مستغربًا في تلك المرحلة؛ إذ كانت زنجبار وجهةً لكثير من العلماء والقضاة والتجار العُمانيين، لما تمتعت به من استقرار وازدهار اقتصادي وحراك علمي واسع في ظل الدولة البوسعيدية.
غير أن رحلة الشيخ لا تبدو مرتبطة بالجوانب المادية وحدها، بل تعكس كذلك نزعةً علمية واضحة؛ فقد كانت زنجبار في منتصف القرن العشرين مركزًا مهمًا للمطابع، وحلقات العلم، وتداول الكتب، وهو ما ينسجم مع شخصية الشيخ المعروفة بولعها بالقراءة والاطلاع، وتشير المصادر إلى أنه، وإن لم يُقم في زنجبار مدة طويلة، فقد اقتنى منها عددًا من الكتب، من بينها كتاب “هيمان الزاد إلى دار المعاد”، وهو ما يؤكد حرصه على متابعة الإنتاج العلمي واقتناء المؤلفات الحديثة.
وتبرز هذه الرحلات اتساع أفق الشيخ خلفان بن جميل، وعدم اقتصار نشاطه على البيئة المحلية، بل انفتاحه على المراكز العلمية في العالم الإسلامي، وهو ما انعكس في ثقافته الموسوعية، وفي مؤلفاته التي جمعت بين الفقه، وأصوله، والتاريخ، والوعظ، والتربية، لتبقى شاهدًا على شخصية عالمٍ جمع بين أصالة المدرسة العُمانية والانفتاح على دوائر المعرفة خارجها.
مؤلفاته
خلّف الشيخ خلفان بن جميل السيابي إرثًا علميًا ثريًا، يُعد من أبرز ما أُنتج في الفقه الإباضي خلال القرن الرابع عشر الهجري، وتنوعت مؤلفاته بين الفقه، وأصوله، والعقيدة، والوعظ، والنظم العلمي، مما يعكس موسوعية معارفه وسعة اطلاعه.
ومن أشهر مؤلفاته “سلك الدرر الحاوي غرر الأثر”، وهي منظومة فقهية موسوعية تبلغ نحو 28 ألف بيت، وتُعد من أكبر المنظومات الفقهية في التراث العُماني. كما ألّف “فصول الأصول” في أصول الفقه، و“جلاء العمى في ميمية الدماء“، و“بهجة المجالس“، و“فصل الخطاب في المسألة والجواب“، و“القطرة الغيثية والوسيلة الإلهية“، و“الجواهر السنية في المسائل النظمية“، إضافة إلى “مراسلات بين الشيخين الأمير عيسى بن صالح والشيخ خلفان بن جميل”، وغيرها من المؤلفات والمنظومات الفقهية، والمراسلات العلمية مع عدد من شخصيات عصره.


وما تزال هذه المؤلفات تمثل مراجع علمية مهمة للباحثين في الفقه الإباضي والتراث العُماني، وتعكس المكانة العلمية التي بلغها الشيخ، وإسهامه في إثراء المكتبة العُمانية بمصنفات جمعت بين التأصيل الفقهي، وقوة النظم، وسعة المعرفة.



وفاته
توفي الشيخ خلفان بن جميل السيابي في 15 جمادى الآخرة 1392هـ، الموافق 28 يوليو 1972م، عن عمر ناهز الثمانين عامًا، بعد معاناة مع المرض في أواخر حياته، بعد حياة حافلة بالعلم والتعليم والقضاء والتأليف، ودُفن في بستانه المعروف بـالمشجوعية في سمائل، تاركًا إرثًا علميًا ما يزال حاضرًا في المكتبة العُمانية.
وكان الشيخ قد أوصى قبل وفاته أن يُدفن في مسجده، إلا أن هذا الخيار لم يكن مناسبًا بسبب وقوع موضع الدفن بجوار ممر للأفلاج، الأمر الذي قد يتسبب في تلوث مياه الفلج، وبعد التشاور، اقتنع الشيخ بالحيثيات الشرعية والعملية، وأوصى بأن يكون دفنه في بستانه المجاور لمزرعة تلميذه وصديقه الشيخ سالم بن حمود السيابي، حيث ووري الثرى هناك.
ومن الشواهد المهمة التي توثق تاريخ وفاة الشيخ خلفان بن جميل السيابي، ما أشار إليه الباحث المهندس حارث بن سيف الخروصي في إحدى تغريداته، حيث نشر صورة لتقييدٍ بخط اليد مدوّن على إحدى صفحات نسخة من كتاب “سلك الدرر الحاوي غرر الأثر”، أحد أشهر مؤلفات الشيخ، وهي نسخة كان والده قد اقتناها من سوق مسقط، وقد أثبت هذا التقييد أن وفاة الشيخ كانت يوم الخميس السادس عشر من جمادى الآخرة سنة 1392هـ، وهو ما يمثل شاهدًا وثائقيًا معاصرًا حفظته إحدى النسخ المتداولة من الكتاب، ويبرز قيمة التقييدات والهوامش في توثيق الأحداث التاريخية المرتبطة بأعلام عُمان.

وبرحيل العلامة الشيخ خلفان بن جميل السيابي في الثامن والعشرين من يوليو 1972م، فقدت عُمان أحد أبرز أعلامها في الفقه والقضاء والتأليف، غير أن أثره العلمي لم ينقطع بوفاته، بل ظل حاضرًا من خلال مؤلفاته، وتلاميذه، وسيرته التي جسدت نموذج العالم العامل، والقاضي العادل، والمربي الزاهد.
وتكشف سيرته عن شخصية جمعت بين عمق التحصيل العلمي، والاستقلال في الرأي، والنزاهة في القضاء، والحرص على المصلحة العامة، وهي صفات أكسبته ثقة الأئمة والسلاطين، وجعلته مرجعًا يُرجع إليه في النوازل والقضايا العلمية. كما تعكس مؤلفاته الموسوعية، وفي مقدمتها “سلك الدرر الحاوي غرر الأثر”، حجم عطائه الفكري، وإسهامه في إثراء المكتبة العُمانية والإسلامية بنتاج علمي ظل محل عناية الباحثين وطلبة العلم.

كما تمثل ذكرى وفاته مناسبة لاستحضار إرث أحد كبار علماء عُمان في القرن الرابع عشر الهجري، والتأكيد على أهمية مواصلة دراسة تراثه العلمي وتحقيق مؤلفاته، وإبراز دوره في الحياة العلمية والقضائية، بما يسهم في حفظ ذاكرة عُمان العلمية، والتعريف بأعلامها الذين أسهموا في بناء نهضتها الفكرية عبر الأجيال.

المراجع
- إدريس بن بابا باحامد، عالم وفكرة: خلفان بن جميل السيابي، جريدة عمان، 3 يونيو 2019، https://www.omandaily.om/?p=704567
- الجعفرية، سارة بنت ناصر بن حمد. الشيخ خلفان بن جميل السيابي ومنهجه التاريخي في كتاب “السير” الملحق بكتابه “سلك الدرر الحاوي غرر الأثر” (1308–1391هـ/1891–1972م). رسالة مقدمة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة ماجستير الآداب في التاريخ، قسم التاريخ، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، سلطنة عُمان.
- موقع بوابة الشعراء، شعراء الفصحى في العصر الحديث، ديوان خلفان بن جميل، https://www.poetsgate.com/Poet.aspx?id=3486
- موقع مرسال، الشيخ خلفان بن جميل السيابي وأشهر أعماله، 3 يونيو 2016، https://www.almrsal.com/post/351010





