أثير- ناصر الحارثي
هناك العديد من منصات العمل الحر المتخصصة إقليميًا ودوليًا، ومع توجه العالم نحو تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، أصبح من الصعب على الشركات العُمانية، وبالتحديد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في القطاع الخاص، اللجوء إلى التوظيف بعقود دائمة، خاصة مع وجود كم هائل من الأخبار المتداولة التي تشير إلى حدوث تغيرات حقيقية في سوق العمل خلال الأيام القادمة. لذلك سأحاول في هذا المقال استعراض توجهات الدول نحو منصات العمل الحر، وتحديد الاتجاه الأمثل للسوق العُماني.
النموذج الأول: السوق المفتوح
تعمل الدول التي تتبع هذا النموذج، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، على تخفيف تنظيم هذا السوق، وترك المنافسة مفتوحة إلى حد كبير، ويتميز هذا النموذج بقدرة الشركات على استقطاب أفضل الكفاءات الدولية بأقل التكاليف، والعمل مع أفضل المنصات العالمية. ومن أهم عيوب هذا النموذج أنه يضعف كثيرًا فرص التوظيف في السوق المحلي، ويرفع معدل البطالة، ويجعل خوارزميات منصات العمل الحر هي المتحكمة في تحديد معدل أجر العامل المستقل، الذي يكون عادة أقل بكثير من تكلفة الأجر المعتادة في السوق، وينجح بصورة أكبر في الدول التي تمتلك شركات عابرة للقارات.
النموذج الثاني: النموذج التنظيمي
تُعد دول الاتحاد الأوروبي من أبرز الدول التي لجأت إلى تنظيم سوق منصات العمل الحر، وذلك من خلال تشريعات تصنف العاملين المستقلين كموظفين يتمتعون بحقوقهم الأساسية، مثل الحد الأدنى للأجور، والإجازات، والتأمين، كما هو الحال في إسبانيا وعدد من دول شمال أوروبا، أما بريطانيا فقد أسست منصة للعمل الحر بنظام الساعات، بحيث تُحدد قيمة الأجر بناءً على عدد ساعات العمل، وليس بناءً على المزايدة في المنصة التي تديرها خوارزمية رقمية، كما ألزم الاتحاد الأوروبي منصات العمل الحر بضرورة الإفصاح عن آلية عمل الخوارزميات لضمان حقوق العمال. ومن أهم عيوب هذا النموذج ضعف قدرة المستقلين فيه على التنافس على فرص العمل، بسبب كثرة القوانين التنظيمية وارتفاع التكلفة.
النموذج الثالث: النموذج الهجين بين النظامين
لجأت بعض الدول إلى التعامل مع موضوع العمل الحر من موقع وسطي، فبدلًا من التركيز على مضاعفة الإجراءات والتشريعات التي تحمي حقوق العاملين في المنصات، استهدفت هذه الدول إنشاء منصة وطنية للعمل الحر، مبني على احتياجات السوق، ودمج الأفراد في سوق العمل المحلي، استنادًا إلى ميزتين أساسيتين هما: الفهم المباشر لسوق العمل، وإتقان اللغة، ومن أبرز الدول التي تبنت هذا النموذج اليابان، التي تمتلك إحدى أنجح المنصات الوطنية المحلية للعمل الحر، إضافة إلى روسيا.
النموذج الرابع: تصدير المهارات الرقمية
وجدت بعض الدول ذات الدخل الفردي المنخفض في منصات العمل الحر فرصة مثالية لتوظيف مواطنيها لدى شركات دولية عابرة للقارات، ومن أبرز هذه الدول الهند وبنجلادش وعدد من الدول الأفريقية، التي اعتمدت على هذا النموذج في زيادة حجم التحويلات المالية إلى مواطنيها، وبالتالي الحصول على العملات الأجنبية، وقد توسع هذا النموذج حتى أصبحت العديد من الشركات والمؤسسات الأمريكية تعتمد في إدارة أنظمتها الرقمية وخدمة عملائها على عمال مستقلين موجودين في دول تبعد عنها آلاف الأميال.
أين تقف سلطنة عُمان من هذه النماذج؟
عند تحليل الواقع العُماني، نجد أن هناك اتجاهين مختلفين.
يتمثل الاتجاه الأول في التوجه الحكومي، الذي حاول مواكبة التوجهات الدولية عبر مبادرات متنوعة، من أهمها مبادرة البرنامج الوطني للتشغيل، وإطلاقه ثماني حزم لدعم وتحفيز سوق العمل الحر في عام 2022، وإطلاق وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار السجل التجاري للعمل الحر، وإصدار وزارة العمل إطارًا تنظيميًا للعمل الحر، وتدشين بنك التنمية منتج «ميسرة» لتمويل مشروعات العمل الحر، بالإضافة إلى التعاون مع عدد من المنصات الوطنية الناشئة في هذا المجال.
أما الاتجاه الثاني، فيتمثل في واقع سوق العمل في القطاع الخاص، وتشير الملاحظات الاستقرائية إلى أن الشركات العُمانية تعتمد بصورة أساسية على منصات دولية وإقليمية، مثل Upwork وMostaql وFiverr وخمسات، وذلك لتعدد الخيارات، وسهولة الوصول إلى المستقلين بتكلفة محدودة، إضافة إلى عدم وجود قيود صارمة في السوق العُماني فيما يتعلق بالتحويلات المالية، مقارنة بالتحديات المرتبطة بالتوظيف في السوق المحلي.
ركزت المبادرات الوطنية المتنوعة على الاستفادة الجزئية من النماذج الدولية المختلفة، أكثر من اعتمادها على فهم نماذج عمل الشركات العُمانية، مما حد من حجم تأثيرها في السوق العُماني، وأضعف استفادة الشباب العُماني من هذه المبادرات، وحتى تحقق هذه المبادرات أهدافها المرجوة، وعلى رأسها إشراك الباحثين عن عمل في السوق العُماني، يجب أن تكون هناك منصات وطنية متخصصة للعمل الحر، وفق أفضل الممارسات الدولية، بحيث تتبنى تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتدعم التحويلات المالية الوطنية، وتطبق فيها إجراءات الحوكمة، كما ينبغي أن تحصل الشركات العُمانية التي تعتمد على هذه المنصات في التعاقد على مزايا نسبية، في مجال تعزيز القيمة المحلية المضافة وتقديم الحوافز الضريبية.
إن دمج المسارين في برنامج وطني شامل أمر ممكن وقابل للتحقق، نظرًا إلى وجود منصات وطنية مثل «زميلي» و«دوت نكست جيج» وغيرها من المنصات المحلية التي تحتاج، بطبيعة الحال، إلى الدعم والتطوير، إلى جانب وجود دعم حكومي مالي وتنظيمي، وأطر تتعلق بالحقوق والواجبات.
وفي الختام، أصبح وجود برنامج وطني شامل للعمل الحر حاجة ماسة، في ظل تزايد اعتماد الشركات العُمانية على منصات العمل الحر سنويًا، والحاجة إلى دمج الشباب والكفاءات الوطنية في هذا السوق، كما يمكن لهذا البرنامج أن يسهم في تقليل حجم الأموال المحولة من الشركات العُمانية إلى الأسواق الخارجية، خاصة عند طلب مهارات رقمية متوفرة في السوق المحلي، لكنها غير ظاهرة بصورة واضحة لأصحاب وصاحبات الأعمال، ومن شأن هذا البرنامج أيضًا أن يمكّن الباحثين وصناع القرار من تحليل فرص المواءمة بين احتياجات سوق العمل، ومخرجات المؤسسات الأكاديمية، ومهارات الباحثين عن عمل، واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها.






