د.رجب العويسي يكتب: شكرا عائلتي
د. رجب بن علي العويسي- كاتب وباحث في المواطنة والتنمية والأمن الاجتماعي
نستحضر وقد انتهى طلبة المدارس من اختباراتهم، وبدأت اختبارات طلبة شهادة الدبلوم العام، دور الجنود الخفية الصامتة الصامدة العاملة ليل نهار في سبيل مستقبل أبنائها فكان لها فضل القيام بمهمة التوجيه والنصح والأخذ بأيديهم ومتابعة اختباراتهم واستذكار الدروس لهم في أمل مترقب وانتظار لابتسامة النجاح وفخر التميز، وللأبناء شرف هذا التكريم والاحتواء والرعاية؛ تلك هي الأم العظيمة التي رسمت ابتسامة الفرح فارتسمت في المحيا بهاء وإشراقة، قامت بأكثر مما نتوقع وصمدت لبلوغ الطموح، فسهرت وذاكرت واستذكرت الدروس مع أبنائها وبناتها وقامت بالمسؤولية خير قيام، ترجو من الله التوفيق وهي ترقب في أبنائها ثمرة العطاء ونتاج العمل، يذهب لاختباره فتودعه بأمل التفوق ورغبة النجاح وتحتضنه وهو عائد تهدئ من روعه وتمسك على قلبه، لمزيد من العطاء مستفيدا من أي تعثر سابق أو عدم تركيز في اختبار مضى، رافعة يديها الكريمتين إلى السماء راجية من الله التيسير والتسهيل.
لنتساءل والبيوت نعايش هذا المشهد اليومي منذ بداية الاختبارات وإلى حين انتهائها، بأي كلمات يمكن أن نصفه أو أي عبارات تستطيع أن تفي بحق هذه الأم ، وكيف لنا أن نتفاعل مع تجلياته ونشدو به حيث يجف البوح وهو يبحر في بحر الأم الخالد وعمق سموها الشامخ في أنموذج يلامس نبض الوفاء ونبل التضحيات ، هل أدركنا هذا الشعور مع أنفسنا وتصورناه وفكرنا به في لحظة تأمل مع أنفسنا كيف صنعت أمهاتنا هذا النموذج من العطاء والروح الأبية في جلالها وعظمتها وفاء للإنسان وحفاظا على بقاء مساحات النجاح والتميز له ما دامت السموات والأرض عطاء غير مجذوذ ، ليعبر هذا الواقع عن مفهوم أعمق لذوق الأمومة ورقيها وصفائها وخلدها في النفس، لتبني مسارات أكبر لحياتنا قد لا نتصورها أو ندرك مغزاها، أو نستوعبها في حينه بيد أن الأيام تذكرنا بكل هذه المواقف – وليتها تعود- لتعبر عن رصيد من الاحتواء والإنسانية يفوق الكون اتساعه، لن ينساه المخلصون لأماتهم أو يستنكره الأوفياء لأوطانهم.
إنها حجتنا لما يتنكر لدور ولي الأمر وعدم مشاركته في صنع مستقبل ابنه، وحديث البعض عن اغفال الأم لمسؤولية تعليم أبنائها، وهو لعمر الحق تقوّل مجانب للواقع ينبئ عن ضيق أفق ، في حين صنعت أمهاتنا اتساعه وبنت لنا فيه سكنا نستظل به رواق الحياة الأبية المنعمة بحياة الأمومة، وفي المقابل مؤشرات نوعية للشراكة الابوية في التعليم وتفاؤلا ايجابيا بأن مشاركة ولي الأمر في تعليمة ابنه لن يختلف عليها اثنان ، وإن كانت مسارات هذا التفاعل قد تختلف من بيئة لأخرى وأسرة باختلاف الظروف وتنوع المتغيرات، لتأخذ نواحي أخرى مشابهة لإدارة مسارات تعلم أبنائهم عبر حرص الوالدين وسؤالهم عن سلوكهم الدراسي، وحصص التقوية لهم، والمتابعة البيتية لدروسه وواجباته وأنشطته وتحضيراته اليومية، فيمتلك بهم ناصية النجاح وقوة التأثير واحتواء الموقف، لتضيف لجهد المعلم والمدرسة استحقاقات في معادلة التكامل تظهر في شخصية الأبناء وسلوكهم الدراسي.
لذلك كان حريا مقابلة هذا العطاء الأبوي بتعميق سلوك التقدير والارادة والحافز وحب الانجاز لدى الطالب احتراما للعائلة وإمعانا في كريم عطاء الوالدين وحجم ما يبذل في سبيل نجاحه وتفوقه، بما يؤصل في ذاته هذا الحس الابوي وما تقدمه العائلة له من إمكانات وتربية ومتابعة ودعم وتطوير ، وبيئة اسرية داعمة للنجاح وبناء الفرص داعمة لسلوك التميز والبحث، إذ عندما تنمو هذه المفردات في ثقافة الأبناء وتتشكل في أروقة الأسرة وتترجم في مواقفها وممارساتها، وتجد من المدرسة ما يحيى هذا الشعور ويبني في ذات الطالب عظيم عطاء الوالدين ، عندها ستصبح داعما للتعليم مشاركة له في النجاح، محافظة على سقف التوقعات قادرة على إعطاء التمكين والثقة والتوسع في المهارة موقعها في تعلم الطالب وأولوياته.
وبالتالي ما يتطلبه ذلك من استشعار المدرسة والقائمين عليها بحجم الجهد الذي تمارسه الأسرة في سبيل تحصيل أبنائها، وإعادة النظر في التراكمات والأفكار والمفاهيم التي ما زالت تنظر للجزء السلبي في فجوة العلاقة بين البيت والمدرسة، بحيث تصبح قراءة هذا الأنموذج الأبوي في أوقات الاختبارات وحالات الطوارئ التي تعيشها الأسر في أثنائها، والاهتمام النوعي بتوفير مستلزمات الاستذكار والملخصات وطباعة نماذج الامتحانات لهم وغيرها كثير ، مدخلا لتجديد عقد التعاون وتعزيز مساحات التشارك وتقريب وجهات النظر وإزالة فجوة التباعد. فلأمهاتنا نهدي عربون نجاحاتنا، أوسمة استحقاقات عطاء خالدة لن يخفت ضوئها أو يبهت بريقها، ليتربع سامقا عرش الأمومة الماجد، شرفا وفخرا وعزا.






