د.رجب العويسي يكتب: هيبة التعليم والعودة إلى المجتمع

عن الكاتب

د. رجب  العويسي
د. رجب العويسي

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏كاتب ومؤلف وباحث

د.رجب العويسي يكتب: هيبة التعليم والعودة إلى المجتمع
د.رجب العويسي يكتب: هيبة التعليم والعودة إلى المجتمع

د. رجب بن علي العويسي

د.رجب العويسي يكتب: ممكنات البعد الوقائي في السياسات التعليمية، ماذا نفعل؟
د.رجب العويسي يكتب: ممكنات البعد الوقائي في السياسات التعليمية، ماذا نفعل؟

يتردد على ألسنة البعض عند الحديث عن التعليم واستراتيجياته وأدواته وأساليبه ووسائله أن هيبته لم تعد كما كانت عليه في فترة مضت،  وهو أمر نعتقد بأنه لا يرتبط بنوع معين من التعليم  بقدر ما يحمله المجتمع نفسه حول التعليم من قناعات وما يضمره من ثقة تضع التعليم في قائمة الاهتمام وسلّم الأولويات، لذلك كانت هيبته نتاج لشعور جمعي بما تحمله رسالة التعليم  في حياة المجتمعات ونقل الإنسان  إلى مسارات القوة  والوعي وبناء الذات وترقية السلوك، إذ كان التعليم  سر نجاح الأسرة وتربية الابناء ومدخل العلاقات الايجابية وتطوير المجتمع ومكان اللقاء والالتقاء ومحطة لتجديد التواصل واجتماع أهل البلدة واحتضان  المواهب والخبرات والتجارب، واكتشاف القدرات وترقية الفكر وتهذيب الممارسة وترويح النفس عبر ما تقدمه مؤسساته من مناشط ومنافسات ومسابقات، لقد أوجد هذا السلوك الذي أصلته الممارسة التعليمية  فرصة لتجديد العهد بالعمل من أجل الأوطان وتقوية روح  التضامن والتكاتف في كل ما يقره التعليم ويعززه ويأمر به وينهي عنه حتى حظي بالتقدير، وشارك الجميع  في رسم تجلياته في حياتهم اليومية بصدق نية وسمو إرادة.

قد يقول قائل بأن حديثك ممكنا عندما كانت المدرسة هي الحلقة الأقوى في معادلة البناء المجتمعي لما تمثله من قوة منافس،  وحضور نوعي في فكر المجتمع وثقافة أبنائه،  ولأن المرحلة كانت تتطلب دور أعمق للتعليم يستوعب الحالة المجتمعية برمتها ويدرس السلوك المجتمعي في ظل قلة تنوع  البدائل أو السيناريوهات الأخرى التي باتت تؤثر على هذا التناغم، وأوجدت التحولات الحاصلة على مستوى الأنشطة المجتمعية متنفّسات أخرى لمؤسسات ثقافية واجتماعية ورياضية وتقنية وغيرها، يمكن للمجتمع أن يقضي فيها وقته أو يمارس فيها نشاطه الحياتي ، غير أننا جميعا ندرك بأن هذا التحول  والأساليب المتجددة والادوات الفاعلة والتقنية والفضاءات الالكترونية وغيرها أوجدت تطورا في دور المدرسة يتناغم مع سلوك التحول الذي يعيشه إنسان العصر، وتبقى  المسألة ليس في عدم قدرة التعليم على امتلاك زمام المبادرة، بل في توجيه هذا التطور وما يمتلكه من مصداقية التأثير نحو دعم المجتمع والدخول في شراكات مع الشباب والمجتمع،  فالتغيير الايجابي الحاصل يفترض أن يتجه لصالح التعليم المجتمعي وترقية أدواته، بحيث يمارس التعليم دوره عبر تعددية الأنشطة وتنوعها وإيجاد  مساحات أكبر لاحتواء الشباب، وما زالت الممارسة اليوم تعليمية  فقط لا تتجاوز أروقة المدرسة وأسوارها، والتفاعل ما زال داخليا لا يتعدى الطالب والمعلم وعينة من أولياء الأمور  والمسؤولين في التعليم ولجانه،   في حين ظلت مسألة الشراكة والتأثير في المجتمع ومسائل الاحتواء ونقل خدمات المدرسة الى المجتمع وانتقال المدرسة إلى المجتمع  تمارس بطريقة اجتهادية تعتمد على قوة إدارة المدرسة وكفاءتها.

 في تقديرنا  بأن تفوق المدرسة والتحول الذي أحدثته في الفترة السابقة،  إنما كان نتاج انتقالها للمجتمع واتصالها بالأهالي، فهي مدرسة المجتمع ومعامل المجتمع وملاعب المجتمع وقاعات المجتمع ومختبراته،  ومع ذلك فالمدرسة العمانية اليوم في ظل حجم التطور الذي حصل لها وجاهزية البيئة  التعليمية التي اتسعت كما وكيفا والنماذج المضيئة  التي أسستها على مسارات التميز التعليمي، قادرة على إعادة انتاج هذا الدور وصياغة متطلباته من جديد، فهي مؤهلة أكثر من أي وقت مضى للقيام بهذه المسؤولية ، لتصنع لنفسها هيبة اجتماعية وموقعا استراتيجيا في سلم العمل الاجتماعي.

إن عودة المدرسة إلى المجتمع وقدرتها على القيام بدور أكبر في مسيرة التطور الحضاري، تضع من مسألة خروجها له واتصالها بمقومات نجاحه واستفادتها من موارده كمصدر اشعاع اجتماعي وثقافي وفكري للمجتمع، منطلقا لبناء رابطة وطنية  تحتوي الجميع بما تمتلكه من برامج وبدائل وأنشطة وأجندة تعليمية في المناهج والأنشطة والبرامج وشبكات الاتصال والتواصل المجتمعية، وبما يمكن أن تؤكده من  شراكات تؤطر ضمن تشريعات عمل واضحة وأدوات تضمن الاستدامة في النهج وتقنين مسارات التوأمة بين المدارس على مستوى الولاية الواحدة أو خارجها، وبالتالي توجيه أرصدة أنشطة التعليم إلى كونها أنشطة مجتمعية بالدرجة الأولى تسبق هدف المنافسة والحصول على الجوائز، وإعادة النظر في فلسفة التعليم وأولوياته ومهارات المتعلم وقدراته واستعداداته ليصنع تعليمه بنفسه، وعندها ستكون الثقة التي يكسبها التعليم من المجتمع أفرادا ومؤسسات مدخلا لإعادة هيبته وموقعه في الفكر والممارسة.

شارك هذا الخبر