أثير- المكرم د.إسماعيل الأغبري
الأمن المادي والمعنوي أمران ضروريان من أجل حياة هانئة سعيدة، وقد لا يشعر بهما الإنسان لتقلبه فيهما دون مروره بما ينغص عيشه من اضطراب حبلهما وقد تمر به حالان: حال بؤس من انعدامهما وفقدان طيب العيش ولذيذ ومتعة الاستقرار بسبب تشظي الروابط الاجتماعية وصراع السياسة ثم يعقب ذلك استقرار الأوضاع السياسية والاجتماعية بالدرجة الأولى.
ثلاثة إذا تحققوا تحققت السعادة ولزم على الإنسان الحفاظ عليها:
ورد في المنهج النبوي قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم ( من بات آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا)
الأمن السياسي من حيث استقرار الدول وخلوها من الصراعات وتعدد الزعامات هو عامل من عوامل راحة الشعوب وعيشها الكريم ولا يعرف ذلك إلا من ذاق طعم استقرار الدول سياسيًا من بعد ما شاهد النتيجة المرة للاضطراب السياسي إذ بوجوده قد تنحل روابط اجتماعية وتتقطع صلات بين أفراد المجتمع مما يعني دخوله في دوامة صراعات تنغص حياة أفراده.
إن نظرة عاجلة حول حال عدد من البلدان التي فقدت أمنها السياسي والاجتماعي بسبب ضعف سلطة أو تدخل دول فيها يدرك تماما أهمية الأمن السياسي ومن هنا بدأ الحديث ( من بات آمنا في سربه ), أي في وطنه.
نهى الإسلام عن إثارة الفتن قبلية أو مذهبية أو جهوية أو قومية كما دعا إلى تجنب ما لم يكن أكيدا فلا مسارعة في نشر إشاعة ولا دعوة إلى تحريض ولا استقواء بطرف خارجي ولا تعاون معه ولا تعامل فذلك يحقق الأمن السياسي.
مر رجل من أهل الكتاب في المدينة فوجد الأوس والخزرج أعداء الأمس يتبادلون الود وهم كلحمة واحدة فإذا به يذكرهم بحروبهم القبلية وإذا بهم تتحرك نفوسهم إلى تلك الأيام ويتنادون إلى السلاح السلاح حتى تدخل النبي باعتباره نبيا وباعتباره رئيس الدولة فأوقف ما عزموا عليه.
إن ذلك يدلنا على أنه يمكن لدول ممارسة ما مارسه ذلك الرجل في عهد النبي لتحقيق مطامع لها جغرافية وسياسية وثقافية ومحاولة منها في عرقلة نمو اقتصادي ولذلك فالشعوب مدعوة إلى كبير وعي وقليله.
وهناك نوع آخر من الأمن وهو الأمن الصحي إذ من مقاصد الشريعة حفظ البدن من العلل والأدواء ولذلك حرم الإسلام العدوان على النفس بقتل دون وجه حق أو التعرض لها بجرح بل لم يكتف بتحريم العدوان الحسي وإنما نهى عن العدوان المعنوي عليها إذ ورد في الحديث ( من روع مسلما روعه الله يوم القيامة) وكذلك دعا الإسلام إلى تجنب ما يضر بصحة الجسد فأوجب تخير المأكل والمشرب ومنع الإنسان من العدوان على صحته بتناوله المؤثرات العقلية من مخدرات أو مسكرات أو مفترات.
كما نهى من الإجهاز على حياة الأفراد عدوانا وظلما أي كانوا مسلمين أو غير مسلمين وجعل عقوبة من تسبب في ذلك قتلا إن لم يكن عفوا من ولي أمر المقتول والقتل لا يكون إلا بإذن السلطة وليس بتصرفات أفراد وهذا في الدنيا أما في الآخرة فله عذاب مقيم.
وفي سبيل الأمن الجسدي منع الإنسان من العدوان على ذاته بالانتحار بأي وسيلة كانت بحرق أو تغريق أو تناول سم أو إلقاء النفس من جبل أو شاهق.
ورد في الحديث ( من قتل نفسه بحديدة فحديدته بيده يتوجأ عليها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن احتسى سما فسمه بيده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تردى من جبل فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ).
وسلامة الأجساد بتجنيبها المطعوم أو المشروب المنهي عنه شرعا أو الممنوع منه طبا هو مما يعزز الأمن الصحي.
إن الإنسان قد يتسبب في فقدان هذه النعمة إذا أهمل وصايا الله وكم من بلدة طيبة يأتيها رزقها رغدا وكان أهلها يعيشون حياة أمن سياسي انعكس ذلك اجتماعيا وصحيا فإذا بها تتعرض لهزات سياسية بسبب تدخلات دول وانسياق أهلها خلف دعوات وشعارات فتحولت من بلدة طيبة إلى بلدة شعبها في المنافي أو المشافي وغدا طعامهم من نوال المحسنين، بيوتهم خيام أو كهوف أو تحت جسور ليس لهم لحاف إلا السماء وليس لهم فراش إلا الأرض.
مهجرون في كل حدب وصوب بعضهم غريق في عرص البحر وبعضهم يتعرض لتجارة البشر وبعضهم توصد في وجهه الحدود وبعضهم يهيم على وجهه في حر شديد أو برد يفتت عظما .
إنهم أشبه ما يكونون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا .
هذا الصنف من الأمم الهائمة على وجوهها فاقدة للأمن الصحي.
هناك الأمن النفسي ضرورة لا بد منها لذلك نهى الإسلام عن الترويع بتهديد قول ووعيد لسان كما نهى عن الترويع بخبر مكذوب أو الترويع بآلة حادة.
إن الأمن النفسي ضرورة من أجل بناء الشخصية كما أنه وليد طبيعي عن الأمن السياسي والاجتماعي والصحي ولذلك فإن الدول التي تعاني من خلل أمني محسوس ينعكس على الناشئة من بنيها اضطرابات نفسية كثيرة كفقدان توازن التفكير وانعدام التركيز والإصابة بالهستيريا كما تتأثر سلبا من حيث النمو الفكري.
وفي الحديث السابق أيضا التفاتة إلى الأمن الغذائي إذ ورد فيه ( من بات آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا ) إذ بدون غذاء صحي كاف لا يستطيع الإنسان العيش.
الأمن الغذائي ضرورة لسلامة الجسد والعقل معا ومن هنا أمرت الشريعة بالسعي إلى الكسب وامتهان الحرف لتوفير الغذاء.
ودعت الشريعة إلى عدم تلويث مساقط الثمار كما حثت على الزراعة ونهت عن المشي بين المزارع.
إن الخلل في الأمن الغذائي يؤدي حتما إلى الخلل في الأمن الصحي ولذلك كان التوجيه ( من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار ) كما تنهى القوانين عن الإفراط في استعمال المبيدات ونهت عن التلاعب في تواريخ الإنتاج والانتهاء كما منعت من التزوير بين جيد البضاعة والرديء منها بالخلط أو تعبئة الأكياس بأنواع من المطعومات غير المعدة لها.
الأمن الغذائي ضرورة وقد تنبه إلى ذلك يوسف عليه السلام الذي وضع خطة واستراتيجية محكمة من أجل تفادي السنوات العجاف التي توقعها وفق حصيلة بيانات ومعطيات ومن هنا فالادخار مطلوب ومراجعة الحسابات ضرورة.
الإسراف في المأكل والمشرب والملبس يؤدي إلى خلل في الأمن الغذائي إذ دوام الحال من المحال وقد يعيش الإنسان أياما خضراء تعقبها أيام غبراء وقد ينتقل من حال السراء إلى حال الضراء.
إن الشعوب التي تترفع عن العمل الزراعي أو السمكي وتنتظر كل مستورد وتستورد كل أجنبي مع قدرتها على زرع نخلة أو كرمة وغير ذلك من المزروعات تظل رهينة لقوى خارجية.
إن الشعوب التي لديها مساحات من الأراضي الصالحة للزراعة لكنها تترفع عن الحرث قد يختل أمنها الغذائي.
والذين زاول آباؤهم مهنة الصيد ثم هجرها الأبناء يعرضون بلدانهم لانكشافها غذائيا.
التجارة وممارستها من قبل سكان البلاد دون تمكين وافدين منها أو دون ممارسة التجارة المستترة عامل من عوامل تحقيق الأمن الغذائي.
إن ترك أهل البلدان تجارتهم بيد غيرهم واكتفاءهم بمبالغ زهيدة من تجارة مستترة يعرضهم ويعرض بلدانهم لامتصاص ثرواتهم وخسارة عشرات عشرات الملايين.
ختاما الأمن السياسي بالحرص على استقرار الدول وعدم تمكين مغرضين من العبث فيها بنشر إشاعة أو تقديم عون ومساعدة لدول مضادة هو معين لتحقيق ما بعده من أمن.
إن استقرار النظام السياسي في الدول يعني عدم تمكن الآخرين من العبث فيها وهذا يعني وعي الشعوب.
إن الشعوب التي تعاني فاقة وفقرا وهجرة وتشريدا وعوزا وحاجة وطلب لجوء في دول سببه اضطراب حبل تلك الدول وعدم استقرارها سياسيا.





