أثير- د. محمد بن حمد الشعيلي
منذ تأسيس شركة الهند الشرقية الإنجليزية عام 1600م حرصت بريطانيا على تعزيز نفوذها في شبه القارة الهندية، حتى تمكنت من إخضاعها للسيطرة البريطانية، والتي استمرت حتى عام 1947م، أوجدت خلالها حكومة لها في الهند تتبع التاج البريطاني، واستحدثت منصب الحاكم العام في الهند منذ عام 1774م، واعتبرت الهند مركزا لإدارة النشاط الاستعماري البريطاني في منطقة الشرق.
ونظرا للتداعيات التي ترتبت على وفاة السيد سعيد بن سلطان عام 1856م وتقسيم الامبراطورية العمانية عام 1861 فقد شهدت عمان حالة من الاضطرابات والصراعات الداخلية، كان لبريطانيا دور كبير، سواء في إثارتها أو في حسمها.
ووُجدت العديد من الشخصيات السياسية التي أجبرت على الخروج من عمان بسبب الأوضاع التي كانت تمر بها، متوجهة إلى الهند لتكون بمثابة منفى خارجي بالنسبة لهم، وذلك بالتنسيق مع الجانب البريطاني، ومن أبرز هذه الشخصيات:
• تركي بن سعيد:
بعد اغتيال السلطان ثويني بن سعيد عام 1866م، اضطربت الأوضاع في عمان، وشهدت العديد من الصراعات توزعت على أكثر من جبهة، لعل أبرزها الصراع بين الحاكم الجديد سالم بن ثويني وعمه تركي بن سعيد، الذي سعى إلى طلب المعونة من أكثر من جهة في الداخل وفي الخارج للوقوف في وجه ابن أخيه سالم، وبدأ يحشد القوات للزحف عليه وعلى مناطق نفوذه، لكن السلطات البريطانية بقيادة العقيد بيللي المقيم السياسي البريطاني تدخلت في هذا النزاع، الذي تم تسويته وفق اتفاق عام 1867م والذي تضمن منح تركي راتبا شهريا قدر بسبعة آلاف دولار، تقتطع من معونة زنجبار المقدمة إلى مسقط وفق تحكيم كاننج عام 1861م، على أن يتم نفيه أيضا إلى الهند، فأبحر إليها في الحادي عشر من سبتمبر 1867م، واستمر في الهند حتى مارس من عام 1870م عندما عاد إلى مسقط لمواجهة خصمه الجديد الإمام عزان بن قيس.
• عبد العزيز بن سعيد:
هو الابن الثالث عشر من السيد سعيد بن سلطان، كان كثيرًا ما يثير المشاكل، ويسبب القلاقل للأسرة الحاكمة ولأخوته الأكبر سنا منه لطمعه في الحكم، وعندما تمرد السيد برغش على السيد ماجد عام 1859م، كان عبد العزيز هو الوحيد من إخوته الذي ساند أخاه برغش، فلذلك عندما انتصر السيد ماجد وضع عبد العزيز وبرغش في السجن ، ثم نفيا إلى بومباي . وبعد ذلك طلبا العفو فاستجاب السيد ماجد لهما ، وعادا إلى زنجبار في نهاية عام 1861م.
لكن عبد العزيز ظل يثير المتاعب من جديد، مما أدى إلى إبعاده من زنجبار إلى عمان عام 1865م، فعاد لإثارة القلاقل لأخيه السلطان تركي، وجمع قوة عسكرية قاتل بها تركي، لكنه هزم ، فقام السلطان تركي بنفيه إلى بومباي سنة 1871م ، لكنه عاد مرة أخرى ليشكل حركة معارضة ضد خلفه السلطان فيصل بن تركي إلا أنه لم ينجح في ذلك ، ليتم نفيه إلى الهند مرة أخرى، وظل هناك حتى وفاته عام 1907م.
• سالم بن ثويني:
كان السبب وراء اغتيال والده السلطان ثويني عام 1866م، وواجه معارضة كبيرة من عمه تركي بن سعيد وابن عمه حمد بن سالم بن سعيد، الذي تطرقنا لبعض تفاصيله في معرض الحديث عن تركي بن سعيد، لكن المعارضة الأكثر خطورة التي واجهها سالم كانت من قبل عزان بن قيس حاكم الرستاق آنذاك في عام 1868م، الذي تمكن في النهاية من الإطاحة بسالم، رغم محاولة الأخير الاستعانة بدعم بعض القوى الخارجية في الخليج، ورغم احتلاله لجوادر في عام 1869م وإثارته للاضطرابات فيها عام 1873م، إلا أنه حاول العودة إلى عمان بهدف زعزعة استقرار حكم السلطان تركي، لكن السلطات البريطانية تمكنت من القبض عليه بالقرب من السوادي، ليتم إبعاده إلى الهند لتفرض عليه الإقامة الجبرية في كراتشي حتى وفاته عام 1874م.
وبخلاف هذه الشخصيات، فقد وجدت في تاريخ عمان شخصيات أخرى توجهت إلى الهند باختيارها سواء للإقامة أو للعلاج، من ضمنها هلال الابن الأكبر للإمام أحمد بن سعيد، الذي كان يعتمد عليه في شؤون الحكم وقيادة الجيوش، وكان من أشهر العمليات العسكرية التي قادها هي الحملة العسكرية لتحرير البصرة من الفرس عام 1772م، إلا إنه كان ضعيف البصر، الأمر الذي أعجزه عن الإسهام في إدارة الحكم. فذهب إلى السند بهدف العلاج، ومكث بها أيامًا حتى تُوفي فيها، ودفن في منطقة بديول الهندية.
كما اختار السلطان تيمور بن فيصل الهند مقرا اختياريا له بعد تنازله عن الحكم لصالح ابنه السلطان سعيد بن تيمور عام 1932م، وبعث من الهند رسالة التنازل لابنه، وعاش فيها حتى وفاته فيها عام 1965م.
ويتضح من خلال هذه المعطيات تأزم الأوضاع الداخلية في عمان خلال فترات كثيرة من التاريخ العماني، سمح من خلاله تعمق النفوذ البريطاني وتأثيره على مجريات الأحداث في عمان.
• أهم المصادر والمراجع:
– الفتح المبين في سيرة السادة آلبوسعيديين، ابن رزيق. الجزء الثاني (الجزئية الخاصة بهلال بن أحمد).
– سلطنة عمان في دليل الخليج، ج. ج. لوريمر، الجزء الثاني.
– بريطانيا والخليج 1795 – 1870. جون. ب . كيلي. الجزء الثاني.
– التنافس البريطاني الفرنسي في عمان 1888 – 1913. محمد الشعيلي.





