خاص - أثير
لم يعد المتحف الوطني في سلطنة عُمان مجرد مؤسسة تُعنى بحفظ اللقى الأثرية وعرضها للزوار، فالمسؤوليات التي أسندتها إليه الخطة الخمسية الحادية عشرة تكشف عن تحول أعمق في فلسفة الدولة تجاه الثقافة والتراث، يتمثل في الانتقال من مرحلة الحفظ والتوثيق إلى مرحلة الاستثمار والتأثير وصناعة الحضور الثقافي.
فبينما اعتادت المتاحف حول العالم أن تؤدي أدوارًا مرتبطة بصون المقتنيات ورواية التاريخ، وضعت الخطة الخمسية الحادية عشرة المتحف الوطني في قلب برنامجين إستراتيجيين ضمن أولوية ”المواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية“، هما: برنامج تطوير مسقط الداخل ومسقط الخارج، وبرنامج تفعيل الدبلوماسية الثقافية.
ويعكس هذا التوجه قراءة مختلفة لدور الثقافة بوصفها موردًا اقتصاديًا وأداة قوة ناعمة ووسيلة لتعزيز الهوية الوطنية في آن واحد.
من متحف إلى مطور لمسقط التاريخية
عند قراءة تفاصيل برنامج ”تطوير مسقط الداخل ومسقط الخارج“ يتضح أن الهدف لا يقتصر على ترميم عدد من المباني التاريخية أو إعادة تأهيل مواقع تراثية، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة إنتاج مسقط التاريخية بوصفها وجهة ثقافية وسياحية واقتصادية متكاملة.
فالبرنامج يستهدف تأهيل مواقع التطور الحضري في مسقط القديمة، وتعظيم قيمتها الاقتصادية عبر تنشيط السياحة والاستثمار العقاري والتجارة المحلية واستحداث فرص العمل، إلى جانب تعزيز الثقافة والهوية الوطنية.
وما يلفت الانتباه أن الجهة المسؤولة عن تنفيذ البرنامج ليست جهة معنية بالتخطيط العمراني أو الاستثمار أو السياحة، وإنما المتحف الوطني نفسه.
وهنا تظهر ملامح التحول الحقيقي في وظيفة المؤسسة؛ فالمتحف لم يعد مسؤولًا عن عرض التاريخ فقط، بل أصبح مكلفًا بإعادة توظيفه اقتصاديًا واجتماعيًا.
مشروع بدأ قبل الخطة بسنوات
عند تتبع ”أثير“ لمسار عمل المتحف الوطني خلال السنوات الماضية، يتبين أن البرنامج الإستراتيجي لم يبدأ فعليًا مع الخطة الخمسية الحادية عشرة، بل إن المتحف كان يؤسس له منذ سنوات.
ففي عام 2019 تسلم المتحف الوطني بيوت السيد نادر والسيدة مزنة وبيت أبو دينا، وبدأ العمل على مشروع متكامل لإعادة تأهيلها بالتعاون مع مؤسسة ”الإيكروم“ التابعة لمنظمة اليونسكو، وهي إحدى أبرز الجهات الدولية المتخصصة في صون التراث المعماري.
ولم تكن الفكرة مجرد ترميم مبانٍ تاريخية، بل تحويلها إلى فضاءات ثقافية حية تعكس أنماط الحياة العُمانية قبل النهضة الحديثة.
والأكثر أهمية أن المتحف أعلن آنذاك بوضوح أن رؤيته تتمثل في تحويل مسقط التاريخية تدريجيًا إلى مزار ثقافي متكامل يكون المتحف الوطني قلبه ونقطة انطلاقه.
وبعد سنوات، تظهر هذه الرؤية نفسها داخل الخطة الخمسية الحادية عشرة على شكل برنامج استراتيجي وطني كامل.
من بيت ”السيد نادر“ إلى ”بيت الجريزة“
ولعل أحدث المؤشرات على انتقال المشروع من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، تمثل في الافتتاح التجريبي لبيت الجريزة في يناير 2026، تزامنًا مع الذكرى السادسة لتولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – مقاليد الحكم.
فالبيت الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1597م، وتحول بتوجيهات سامية إلى متحف مفتوح لعموم الزوار تحت إشراف المتحف الوطني، لا يمثل مجرد معلم تاريخي جديد على الخارطة الثقافية، بل يكشف عن توجه أوسع لإعادة إحياء مسقط التاريخية عبر شبكة من المواقع التراثية المرتبطة ببعضها البعض.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة إذا ما قورنت بما ورد في البرنامج الاستراتيجي الخاص بتطوير مسقط الداخل ومسقط الخارج، والذي يستهدف إعادة تأهيل واستثمار عدد من المباني التاريخية وفتحها للزوار والفعاليات الثقافية.
وفق ما أكدته إدارة بيت الجريزة، فإن المشروع يُعد أحد المشاريع التوسعية التي ينفذها المتحف الوطني في نطاق مسقط الداخل ومسقط الخارج، إلى جانب بيت السيد نادر وبيت السيدة مزنة، ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى توسيع نطاق العمل المتحفي وربط المواقع التاريخية بسياقها العمراني والثقافي.
وبذلك لم يعد المتحف الوطني محصورًا داخل جدران مبناه الرئيسي، بل بات يقود مشروعًا أشبه بـ ”المتحف المفتوح”، الذي تنتشر مكوناته عبر أحياء ومسارات مسقط التاريخية، بما يتيح للزائر الانتقال بين مواقع متعددة تروي فصولًا مختلفة من تاريخ المدينة والدولة.
ويعكس افتتاح بيت الجريزة كذلك فلسفة جديدة في إدارة التراث، تقوم على تحويل المباني التاريخية من أصول محفوظة إلى فضاءات حية تستضيف المعارض والفعاليات والأنشطة الثقافية، وتضيف قيمة اقتصادية وسياحية للمكان، وهو ما يتطابق بصورة مباشرة مع المستهدفات التي وضعتها الخطة الخمسية الحادية عشرة.
إعادة توظيف الذاكرة
تكشف قائمة المواقع المستهدفة في البرنامج أن المشروع يتعامل مع التراث بوصفه أصلًا اقتصاديًا يمكن استثماره، وليس مجرد مبانٍ ينبغي المحافظة عليها. فإلى جانب بيوت السادة البوسعيد، يشمل البرنامج قصر بيت الجزيرة، ومتحف المدرسة السعيدية للتعليم، ومتحف مدرسة الزهراء للبنات، وسور وخندق مسقط، وبوابة مسقط، وباغ المدبغة.
وتنص الخطة بوضوح على الاستثمار في هذه المباني بعد إعادة تأهيلها وفتحها للزوار واستضافة الفعاليات فيها. وبذلك يتحول التراث من ذاكرة محفوظة إلى نشاط اقتصادي وثقافي مستدام.
سيتم تنفيذ هذا البرنامج خلال برنامج العمل الأول للخطة الخمسية الحادية عشرة (2026- 2027)، بتكلفة متوسطة أي تتراوح بين 5- 20 مليون ريال عُماني، وبمساندة عدة جهات وهي وزارة التعليم ووزارة التراث والسياحة ووزارة الإسكان والتخطيط العمراني، ومكتب محافظة مسقط وبلدية مسقط والهيئة الوطنية للمساحة.
الوجه الآخر للمتحف
إذا كان برنامج تطوير مسقط يمثل الامتداد الداخلي لدور المتحف الوطني، فإن برنامج ”تفعيل الدبلوماسية الثقافية“ يمثل امتداده الخارجي.
فالبرنامج يهدف إلى تعزيز الوجود الثقافي العُماني في المتاحف العالمية، وتنظيم الأيام الثقافية العُمانية، واستقطاب المستثمرين في قطاعات الثقافة والسياحة، وتوقيع الشراكات الدولية، وفتح أسواق جديدة للمنتجات الثقافية العُمانية.
ومن اللافت أن أغلب هذه الأهداف ليست أفكارًا مستقبلية، بل ممارسات بدأ المتحف الوطني تنفيذها قبل سنوات.
عندما تصبح الثقافة سياسة خارجية
منذ عام 2014 بدأ المتحف الوطني بناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية مع مؤسسات متحفية وثقافية حول العالم.
وشملت هذه الشراكات وفق رصد ”أثير“ من موقعا لمتحف الوطني وحساباته في مواقع التواصل الاجتماعي؛ متحف الإرميتاج الروسي، والمؤسسة الوطنية للمتاحف بالمغرب، والمتحف الوطني في نيبال، والمتحف الوطني في تنزانيا، وجامعة بيلاروس الحكومية، إضافة إلى اتفاقيات ومعارض ومشروعات تعاون متعددة.
لكن المشروع الأبرز تمثل في مبادرة إنشاء ”قاعة عُمان" داخل متحف الإرميتاج الروسي، أحد أشهر المتاحف العالمية.
فبدل الاكتفاء باستضافة معارض مؤقتة، انتقل المتحف الوطني إلى مرحلة أكثر تأثيرًا عبر تخصيص مساحة دائمة تحمل اسم عُمان داخل مؤسسة ثقافية عالمية تستقبل ملايين الزوار سنويًا.
وكان الهدف واضحًا: تعريف العالم بالحضارة العُمانية، وتعزيز صورة سلطنة عمان كوجهة للسياحة الثقافية.
من قاعة عُمان إلى مركز الإرميتاج
التطور الأبرز جاء في عام 2025 عندما وقّع المتحف الوطني ومتحف الإرميتاج اتفاقية لإنشاء مركز ”الإرميتاج - سلطنة عُمان" في محافظة ظفار. وهنا يمكن قراءة أحد أكثر المؤشرات وضوحًا على العلاقة بين ما نفذه المتحف سابقًا وما تبنته الخطة الخمسية لاحقًا.
فالخطة تنص على تنفيذ مشروع مركز متحف الإرميتاج الحكومي في سلطنة عُمان ضمن برنامج الدبلوماسية الثقافية، بينما تكشف الاتفاقية الموقعة في 2025 أن المشروع انتقل بالفعل إلى مرحلة التنفيذ. وبذلك لا يبدو البرنامج مجرد تصور مستقبلي، بل امتدادًا لمسار عمل قائم على الأرض.
سيتم تنفيذ هذا البرنامج خلال برنامج العمل الأول للخطة الخمسية الحادية عشرة (2026- 2027)، بتكلفة منخفضة أي أقل من 5 ملايين ريال عُماني، وبمساندة عدة جهات وهي وزارة التراث والسياحة ووزارة الثقافة والرياضة والشباب ووزارة الخارجية، وهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية.
الثقافة بوصفها اقتصادًا
اللافت في البرنامجين معًا أن الخطاب الثقافي التقليدي يتراجع لصالح خطاب اقتصادي وتنموي أكثر وضوحًا.
فالخطة تتحدث عن جذب المستثمرين، وتطوير السياحة الثقافية، وتنشيط التجارة، واستحداث فرص العمل، وفتح أسواق جديدة للمنتجات العُمانية، وإقامة مشاريع مشتركة مع مؤسسات دولية.
كما أن انضمام المتحف الوطني إلى عضوية منظمة السياحة العالمية في عام 2023م بوصفه أول متحف عُماني يحظى بهذه العضوية، يعكس هذا التحول في النظر إلى المتحف باعتباره جزءًا من منظومة التنمية والسياحة، لا مجرد مؤسسة ثقافية مستقلة.
ما وراء الخطة
عند جمع خيوط المشهد كاملة، يبدو أن المتحف الوطني يقف اليوم أمام واحدة من أكبر المسؤوليات التي أُسندت إلى مؤسسة ثقافية في سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة.
فالخطة الخمسية الحادية عشرة لا تطلب من المتحف حفظ التاريخ فحسب، بل تطلب منه إعادة توظيفه اقتصاديًا داخل البلاد، وتصديره ثقافيًا خارجها.
وبين مشروع إعادة إحياء مسقط التاريخية، ومشروع الدبلوماسية الثقافية العالمية، يتحول المتحف الوطني من حارس للذاكرة إلى لاعب في التنمية، ومن قاعة لعرض الماضي إلى منصة لصناعة حضور عُمان في المستقبل.
وربما لهذا السبب لم تعد قيمة المتحف الوطني تقاس بعدد مقتنياته أو زواره فقط، بل بقدرته على تحويل التاريخ العُماني من إرث محفوظ في القاعات إلى قوة ناعمة تمتد آثارها في الاقتصاد والسياحة والهوية والعلاقات الدولية.
وإذا كانت اتفاقيات الإرميتاج، وتنزانيا، والمغرب، والصين، وعضوية منظمة السياحة العالمية تعكس البعد الخارجي لهذا التحول، فإن افتتاح بيت الجريزة مطلع عام 2026 يعكس وجهه الداخلي، حيث بدأت ملامح مشروع إعادة تشكيل مسقط التاريخية تظهر بصورة أكثر وضوحًا على أرض الواقع، من خلال تحويل البيوت والمباني التاريخية إلى محطات ثقافية وسياحية متكاملة.
المتحف الوطني
يعد المتحف الوطني الصرح الثقافي الأبرز في سلطنة عُمان، والمخصص لإبراز مكنونات التراث الثقافي العُماني منذ ظهور الأثر البشري فيه وحتى اليوم، بما يتيح قراءة متكاملة للتاريخ واستشراف المستقبل.
وقد أنشئ بموجب المرسوم السلطاني رقم (62/2013م) ليتمتع بالشخصية الاعتبارية وفق المعايير الدولية للمتاحف العريقة، ويؤدي رسالة تعليمية وثقافية وإنسانية تقوم على ترسيخ القيم العُمانية، وتعزيز الانتماء، والارتقاء بالوعي العام.
ويضم المتحف (14) قاعة عرض تحتوي على أكثر من (7000) قطعة أثرية، إضافة إلى (33) منظومة عرض تفاعلي رقمية، كما يعد أول متحف في السلطنة يضم مركزًا للتعلم وفق أعلى المعايير، ومرافق متكاملة للحفظ والصون الوقائي ومختبرات متخصصة، وقاعة عرض صوتية ومرئية بتقنية (UHD)، إلى جانب كونه أول متحف في الشرق الأوسط يوظف منظومة «برايل» باللغة العربية، ويعتمد نظام المخازن المفتوحة في إدارة المقتنيات





