صادق الطريحي يكتب: مجلة النسور

صادق الطريحي يكتب: مجلة النسور
صادق الطريحي يكتب: مجلة النسور

صادق الطريحي

صدرت في الوادي الخصيب، ثم انتشرت إلى ما جاوره من عتبات دينية، العديد من المجلات الثقافية المتخصصة، والأخرى العامة، مثل مجلة (القربان)، المتخصصة بأدب النذور وفن الخزف، ومجلة (آنو 60)، المتخصصة بأدب الحكمة، ومجلة (العمارة السّومرية) التي تهتم بشؤون العمارة والزخرفة، وبناء الزقورات وما شابهها، ومجلة (العاملون في الحبوب)، وهي مجلة ثقافية أدبية عامة يصدرها مجلس الحبوب السّومري، وتمول من أرباح الحبوب المصدرة من الوادي الخصيب إلى كعبات الجزيرة.

  اختفت بعض هذه المجلات، وتغيرت عنواناتها لأسباب قاهرة؛ لانتفاء الحاجة لبعضها، أو لنقص الإعلانات، أو لضمور الصحافة الورقية، أو لظهور عبادة جديدة، يرتئي صاحبها أن يكون له كتاب خاص به، أو بسبب التغيرات السياسية التي تبدأ بترقيم جديد للمجلات.

 واختفت نسخ المجلات نفسها، أو تضررت؛ بسببالحرائق، أو الفيضانات، أو الفرهود، أو السلطة الجديدة التي أتلفت معظم الوثائق الثقافية التي تختلف معها، أو النبش الجائر للمدائن القديمة، ورغم ذلك فقد سلمت الكثير من صحف المجلات، أو انتقلت لنا مضامينها شفاهية عن طريق هؤلاء النباشين أنفسهم.

   ومن المجلات التي وصلت لنا سالمة ً، فضلاً عن مروياتها الشفاهية (مجلة النّسور)، وهي مجلة مرقنةٌ، ويحمل اسمها عدة مدلولات، وقد وصل لنا منها خمس عشرة كراسة ًملفوفة ً، مع نقص في بعض الصفحات، وتكرار في النصوص. ومن المفترض أن يصل لنا منها من الأعداد ما هو أكثر من ذلك؛ لأنّ اسم المجلة يدلّ على طول عمرها، وديمومتها، ويبدو لي أنّ كلمة (النّسور) قد صارت رقية للمجلة، فحفظتها من الضياع والتلف، حتى وصلت لنا اليوم!!

  ومن دلالة النسر أيضاً، أنّه الطائر القادر على الوصول إلى الآلهة، فهو الذي حمل الملك (إيتانا) ملك مدينة كيش إلى السّماء من أجل الحصول على نبات الخصب لامرأته العاقر، وكأنّ المجلة قادرة على منح قرائها المعرفة (الخصب) من أجل البقاء.

  لم نعرف رؤساء التحرير السّابقين للمجلة، ولكنّ السّيد صموت هو رئيس التحرير الأخير لها، وهو رجل مثقف مهذب، وقد لقي حتفه في ظروف غامضة، وبوفاته أغلقت المجلة، وربما تناساها بعض الناس. والاسم (صموت) من الأضداد، ويدل على الحكمة والكمال في أغلب الأحيان، ويحتفظ متحف النصوص العراقية بصورة له، وهو يحمل المجلة بيمينه.

  ولسبب ما (( لم يذكر الرواة ـ ويا للأسف ـ محتويات تلك المجلة ))! لكنني عندما كنت باحثًا في دار الرقم الوطنية أجريت مسحًا لموضوعات المجلة، وأبوابها، كي ينشر في المجلة الفصلية (فهرست الرقيم) فوجدت لها بابًا للفن القصصي، وبابًا للأدعية والحكمة، وآخر لأخبار الآلهة ومواعظهم، وبابًا للتشريعات القانونية، وبابًا للصحة الجسدية، وبيان منافع الشّراب والفاكهة والحبوب، فضلاً عن الأنواء، وتصريف الرياح، ومواقع النجوم، ثم وجدت أنّفاتحة المجلة تتكرر في كل عددٍ، وهي دعاء لإله الكتابة، أن يمنح الناس الأمن والطمأنينة، ويجنبهم كوارث الطبيعة.

  فاتهمني السيد مدير الدار بأنّني قد سرقت هذا المسح عن طريق شبكة المعلومات الدولية، فرفض نشره، وشكلمجلسًا تحقيقيًا من قبل هيئة النزاهة الوطنية … قررت الهيئة معاقبتي، ونقل خدماتي بعنوان رزام إلى (ديوان الأوقاف العراقية) وهو ديوان خاص بالمخطوطات النادرة، لم يتشكل قانونيًا بعد؛ لذلك لم تخصص وزارة المالية رواتبًا تامة لمنتسبيه.

  كلفت في الديوان بتنظيف المكتبة يوميًا من الغبار، وكم كان العمل مضنيًا بالنسبة لي! لأنّ الغبار يتكدس من جديد بعد ساعة واحدة من التنظيف، ولكنّ وجود هذا الكم الهائل من الصّحف والمجلات، والألواح، والقراطيس، والسّجلات، والرقوق، والمهارق، والصّكوك، والرقاع، والمخطوطات، والكتب كان ينسيني التعب، إذ نقلت إلى الديوان هذه الأكداس الورقية والطينية والجلدية، بانتظار تصنيفها، وتحقيقها، ونشرها، فكنت أغافل رئيس الديوان متصفحًا عنواناتها …

  وهنا تحققت نبؤة الدكتور جواد علي رحمه الله، إذ كتب في (المفصل) ((وأنا لا أستبعد احتمال قدوم يوم، قد يعثر فيه الباحثون على وثائق تبين أن عرب العراق كانوا قد وضعوا أسساً لقواعد العربية، وكانوا أصحاب رأي في أساليب الكتابة وصوغ الكلام بنوعيه : من نثر وشعر.))

  إذ وجدت في هذه الأكداس خمس عشرة كراسة ً أخرى من مجلة (النّسور) ومن يتصفح منكم موضوعات الكراسات الثلاثين جميعاً، سيجدها حسنة ًوفاضلة، وسيجد أنّالعراقيين القدامى لهم معرفة وخبرة وممارسة في الآداب والعلوم التي اشتغل الناس بها، بعد الموجة السّامية الأخيرة التي غزت العراق.

شارك هذا الخبر