د/ عبدالله باحجاج يكتب: المغاربة غاضبون .. والخليج الخاسر الأكبر .. وشكرًا للسلطنة .

عن الكاتب

د.عبدالله  باحجاج
د.عبدالله باحجاج

كاتب، وباحث، وصحفي عُماني

د/ عبدالله باحجاج يكتب: المغاربة غاضبون .. والخليج الخاسر الأكبر .. وشكرًا للسلطنة .
د/ عبدالله باحجاج يكتب: المغاربة غاضبون .. والخليج الخاسر الأكبر .. وشكرًا للسلطنة .

أثير- د.عبدالله باحجاج

د/ عبدالله باحجاج يكتب: الفصل من الكليات والجامعات .. ليس حلا ، وهذه هي الأسباب
د/ عبدالله باحجاج يكتب: الفصل من الكليات والجامعات .. ليس حلا ، وهذه هي الأسباب

تنتابنا مشاعر خاصة وعامة في آن واحد ، تجاه المملكة المغربية الشقيقة ، وهي – أي المشاعر – ترتقي الى مصاف مشاعر المواطن تجاه وطنه ، فقد عشت فيها تقريبا تسع سنوات ، خمس سنوات في الرباط ، والأخرى في وجده ، وتلكم السنوات شكلت عصري الذهبي كشاب كان يبحث عن مستقبله العلمي في أروقة الجامعات المغربية العريقة حتى تخرجت منها بدرجة الدكتواره في القانون .

بلد ، رغم إمكاناته المالية المحدودية ، وتعداد سكانه الكبير ، فقد فتح كل أبواب جامعاته وكلياته المختلفة ، لكل طالب عربي وإفريقي بالمجان ، بل وسخر أمواله ، لكل من لا تسمح إمكانات أسرته المالية بالنفقة على تعليمه الجامعي، وذلك عبر إعطائه منحة مالية شهرية وسكنا داخليا أسوة بالمغاربة .

من هنا يلزمنا الوفاء للرباط ، والوفاء صفة إنسانية يحث عليها ديننا الحنيف ، فتلكم السنوات كانت من ازهي مراحل حياتنا ، ففيها كانت عملية التأسيس العلمي والحياتي لنا ، ومنها انطلقنا الى فضاءات البحث العلمي متأثرين بالمدرسة الفرنسية المؤطرة التي تتبناها الجامعات المغربية .

ومن خلال تلكم السنوات احتكينا وتفاعلنا بالمجتمع المغربي ، ولن نبالغ اذا ما قلنا إننا كنا أكثر الطلبة العمانيين بل الخليجيين – آنذاك في مرحلة الثمانينات –  انصهارا في البنية الأسرية الرباطية التي الكثير منها لها امتدادات مع مكونات اجتماعية ذات حمولة ديموغرافية وايديولوجية  ثقيلة ، كالامازيغية .. وقد تعرفنا من خلالها على منطلقات تفكير المجتمع المغربي المتعدد والمتنوع ، وكذلك أسس عيشه المشترك رغم تلكم الخصوصيات ، وتأثرنا كثيرا بفكرهم البرغماتي  وعقلهم النقدي .

كما تربطنا بالاشقاء المغاربة ، مشاعر الدين والعروبة التي تستحكم حلقاتها في وجدانياتنا بروابط القدسية الإيمانية ، وتمنحها الصفة الأخوية الحقة التي تستوجب التصرف والتفاعل معهم وفقا للقيم السامية والمثل العليا ، نحب لهم ما نحبه لبلادنا ، وسنقف معهم في أفراحهم وأتراحهم كأشقائنا .

  • الموقف العماني .. والوفاء للمغاربة .
الموقف العماني .. والوفاء للمغاربة .

جاء موقف السلطنة لصالح ملف ترشيح الرباط لتنظيم مسابقة نهائيات كأس العالم الكروية عام 2026 التي جرت في موسكو مؤخرا ، فقد وقفت مع الملف المغربي بكل قوة ، ولم تنصاع لتحذيرات و تهديدات إدارة الرئيس الأمريكي ترامب التي وجهتها لكل الدول من أجل دعم ملفها المنافس للرباط .

وهنا نشعر بالفخر والاعتزاز بهذا الموقف العماني الرائع ، هو موقف شجاع وجريء ، لأن كرة القدم قد تجاوزت الرياضة ، واستحقاقاتها الفنية والإنسانية ، وأصبحت السياسة تتحكم فيه ، فهذه إدارة ترامب تهدد بسلاح المقاطعة ووقف المساعدات المالية لكل دولة لا تصوت لصالح ملفها .

بل ، لقد مورس على مسقط وسائل ضغط إعلامية متزامنة ومتصاعدة ، ورغم ذلك ، فقد جاء الموقف العماني متناغما مع رغبة المجتمع ، والا ، فإن سياستنا الخارجية ستغرد خارج إطار أهم مكون من مكونات الدولة العمانية ، وهو الشعب ، كما ان هذا الموقف يدخل ضمن ممارسة السيادة العمانية ، وكبريائها وشموخها ، واستقلاليتها ، ومراعاة للمشاعر الاجتماعية الوطنية ، فكيف يعقل الوقوف مع الملف الأمريكي ضد ملف دولة شقيقة ، دولة تفتح تعاونها الثقافي والعلمي والاجتماعي على وجه الخصوص ، كلما تحتاج مسقط للمزيد منها .

لن تنسى مسقط أن جيلا من خيرة أبنائها تأطروا وتأسسوا في مختلف مجالات العلوم الإنسانية والعلمية في جامعات حكومية في الرباط والدار البيضاء وفاس ووجدة ومراكش وطنجة … بالمجان ، وهم الآن يتبوأون مناصب قيادية عليا على وجه الخصوص في القضاء و الادعاء العام والسلك الدبلوماسي  .. وكان كل خريج من اية جامعة مغربية كالتي تخرجنا منها ، وهي جامعة محمد الخامس العريقة ، يقبل للوظيفة  دون اختبار ، ولن تنسى مسقط الخبرات المغربية التي يتم الاستعانة بها الان في مختلف المجالات ، وتسهم في دعم وتعزيز مسيرة البلاد  وتقدمها .

 موقف عماني يعبر كذلك عن فهم حقيقي بلعبة المصالح الدولية ، وعن سر ما تلوح به إدارة ترامب هذه الأيام عبر وسائل إعلامها ، فمن يحتاج للمساعدات المالية الأمريكية ؟

المستفيد الوحيد منها ، هي المصالح الامريكية في المنطقة ، أولا وأخيرا ، فلو لم تسهم واشنطن في تعزيز الأمن والاستقرار في هذه المنطقة ، لكان أول المستهدفين من قبل قوى الشر ، هي المصالح الامريكية ، والان بالذات في عهد ترامب وإدارته التي تعادي المسلمين في مشاعرهم وفي صلب عقيدتهم ، ونقل سفارتها الى القدس المحتلة نموذجا .

أعداؤها في المنطقة في تزايد ، ومصالحها في المنطقة متعددة ومنتشرة ، والبحث عن ثغرة للوصول اليها من قبل قوى الشر ، قد أصبحت تحتل الأولوية ، وهذه المساعدات المالية تقدم ليس من أجل دعم التنمية ولا الاقتصاد لدول المنطقة .. وإنما لتعزيز الأمن حماية لمصالحها  ، فلتقطعها على دول المنطقة ، وسترى التداعيات ؟

ينبغي أن تعلم إدارة ترامب الراهنة ، أنها بسلوكها السياسي تقود حملة كراهية شعوبية جديدة ضد بلادها ، وتدفع بشعوب ودول المنطقة الى الاقتناع العقلاني بضرورة الانفتاح باتجاه القوى الإقليمية الصاعدة كالصين والهند – النموذج العماني مثلا – والاكراهية ، قد بدأت تتمدد وتنشر ،  وتنذر ببدء عالمية الصين كقوة أولى بديلة عن أمريكا ، هي الان اخترقت  نفسيات شعوب المنطقة  ، وخططها لو نجحت سترمي بواشنطن في التاريخ الماضي .

  • الصدمة ليست مغربية وإنما عروبية.

وطننا العربي كله ، مصدوم بموقف سبع دول عربية مؤيدة للملف الأمريكي على حساب الشقيقة المغرب ، لذلك ، لا تنظروا أيها الاشقاء في الدين والعروبة بان ذلك صدمة مغربية فقط ، بل هي عروبية بامتياز ، وتمس جوهر الاخوة التي يؤصلها ديننا ، لذلك ، فهي صدمة جناحي  وطننا العربي الكبير ” المشرق والمغرب ”  صدمة كل اسرة داخل كل دولة عربية وإسلامية ، وهي تعكس استفحال أزمة العلاقة بين الأنظمة وشعوبها .

من هنا ، يستوجب التفرقة بين الأنظمة وشعوبها ، وحتى نخبها ، فهي واقعة الآن بين جموح الاسترزاق من الأنظمة وبين حالة الرعب منها وبين نوبة الصمت وجنون الاستوزار .

لا يمكننا قبول مبرر التهديد الأمريكي بسلاح المقاطعة ولا بوقف المساعدات للدول التي صوتت لصالح الملف المغربي ، فهل إدارة ترامب قادرة على مقاطعة ووقف المساعدات على (67) دولة صوتت لصالح الرباط ؟ إنها لو أقدمت على ذلك ، ستخسر المزيد من حلفائها وأصدقائها ، وتفتح كل الأبواب للتنين الصيني للنفاذ الى مناطق نفوذ أمريكية تقليدية ، وستستفرد بمصالحها قوى الشر التي نزحت من العراق وسوريا .. الى دول حليفة لواشنطن ، لن تتجرأ إدارة ترامب على وقف المساعدات المالية ، فهذه الأموال هي في الأساس لتعزيز أمن المصالح الأمريكية الخارجية .

  • شكرا للجزائر .
شكرا للجزائر .

وعلى عكس موقف السبع دول عربية ، كبرت الجزائر بموقفها المؤيد لصالح الملف المغربي رغم الخلافات بين البلدين ، وبرهنت على أن الخلاف بين الأشقاء ليس مبررا أبدا للعمل ضدهم ، وقدمت درسا جديدا للأنظمة التي تدعي العروبة والإسلام ، ورمتها في زاوية ضيقة جدا ، وهذا الموقف يكشف بجلاء سياسة الجزائر الثابتة التي تمزج بين القومية والاشتراكية ، وهي سياسة لم يحاول النظام الخليجي استيعابها ولا حتى فهمها .

لماذا ؟ لأن الجزائر لا يمكن ان تشترى بالاموال الخليجية ، ولها خطها السياسي الواضح والثابت ، وبسببه كان مواقفها من الحرب العراقية الإيرانية ومن الغزو العراقي للكويت ومن الحرب اليمنية ، وقد جاء موقفها من ملف المغرب الرياضي ، ليدلل على سياستها الثابتة رغم الخلافات مع الرباط ، فهي تراهن على البعد القومي في النزاعات الإقليمية والدولية ، ودورها في حرب أكتوبر يشهد لها كبار قادة الصهاينة .

لقد أصبحت الجزائر قوة إقليمية متوسطية ، تطورت نفسها بنفسها ، حتى أصبحت الآن تصنف مع الكبار ، ففي مجال الصناعات العسكرية الثقيلة تمكن مهندسوها وفنيوها من صناعة طائرة دون طيار ،  وكذلك طورت صناعتها في القطاعات المدنية كالسيارات والحديد والصلب والاسمنت والنسيج والبتروكيماويات والأدوية ، وقريبا قد تتحول الجزائر الى رابع قطب عالمي في صناعة الأدوية.

 كما قد أصبحت تصنع الأقمار الاصطناعية ، وتطلقها للفضاء لدواعٍ عسكرية ومدنية ، بعد ان وصلت الى الاكتفاء الذاتي بعد ما كانت تدخل في شراكات مع الصين والهند ، ولديها الان كفاءات علمية جزائرية على مستوى عال ، وقريبا سيدخل الجيش الجزائري ضمن قائمة أكثر عشرة جيوش عالمية خطورة ، لذلك ، لن نستبعد استهدافه من الصهاينة قريبا ، خاصة وان له تاريخا بطوليا في حرب أكتوبر ، كما أنه الجيش العربي الوحيد الذي لم يفكك أو يستهدف قادته ، وللأسف فقد خسر النظام الخليجي الجزائر منذ عدة عقود ، والآن يخسر المغرب لعقود مقبلة لعيون ترامب الذي قد يرحل في اية لحظة ، لكن ضربة الشقيق لن تنسى ابدا .

شارك هذا الخبر