
في ظل ما يعيشه عالمنا المعاصر من تناقضات وأحداث سياسية باتت تؤثر سلبا على مجريات العمل العالمي المشترك في مواجهة حالات إقصاء المشترك وتغييب الحوار وانتزاع مفهوم السيادة الوطنية للدول الأخرى والتأثير على الهويات وخلق واقع تسيطر عليه المصالح الشخصية وتديره الانطباعات الذاتية والأفكار العدوانية ، في ظل سيطرة القوى السياسية المتعطشة للحروب وسفك الدماء والسيطرة على ثروات الشعوب ومقدرات الأوطان ، وتدخلات هوجاء في شؤون الغير وإقصاء مستمر للآخر المختلف، وفرض سياسة الأمر الواقع ، وبث لغة الاختلاف كمنطلق لترجيح معادلة القوة ورسم خريطة التغيير، في ظل تقوية لغة المصالحة وانكماش لغة السلام والحوار المتكافئ، والترويج للتيارات الفكرية الموجهة لصالح النزعة الفردانية والتكتلات الحزبية، في ظل إهدار للقيم ونسف للمواثيق وإضلال للحقيقة وتشويه لصورة الانجاز الانساني النبيل.
لقد أسهمت الممارسات السياسية الغوغائية في زيادة اضطراب العالم وانحرافه عن مسار الجادة في ظل تدخل سافر في شؤون الغير ومحاولة تغيير واقع أنظمة الحكم والحكومات بالقوة ولأغراض شخصية عبر ترسيخ فجوة الثقة وتمكين النعرات المذهبية والطائفية والعقائدية والفكرية من الدخول في شق صف الوحدة والتعاون بين دول المنطقة، واثارة الأحقاد والكراهية وبث بذور الفرقة ، وتصوير مساحات الاختلاف على أنها نهاية مؤلمة وأزمة مقلقة تعبر عن واقع جديد لا يعترف بالحوار وتقريب وجهات النظر بين القيادات والشعوب والحكومات والأحزاب ، لذلك باتت تصنع عالما آخر يفتقر للإنسانية الواعية والقيادة الحكيمة في ادارة ازماته، وتكوين إنسان عدائي يحمل شحنات سلبية لنفسه وعالمه ، في ظل منهجيتها التي اعتمدتها في الارهاب والتخويف والتقتيل والعدوان المستمر على الحضارات والتراث والتأريخ، لقد شوهت الممارسة السياسية عالم الإنسان حتى سلبته أبسط حقوقه في العيش والحياة ، ولعل ما يصفه حال المنطقة العربية اليوم من مساوئ التشرد والهجرة وقتل الاطفال الأبرياء في غارات جوية مخزية، وضياع الأوطان وسلب التنمية وتشريد الإنسان وإضعاف البنية الفكرية للمواطن نحو وطنه وقياداته ورموزه ومنجزه الحضاري بإعلام يفتقر لأبسط الاخلاقيات وتجييش العالم الالكتروني لأغراض التنابز والتنافر وسيء الألفاظ، وترويج الفتنة بين الشباب في قضايا هامشية تدور حول المذاهب والأعراض والقيم.
وعليه فإن استمرار هذا المشهد سوف يثمر عن تأزمات قادمة تطال كل جوانب حياة الإنسان ومجالات التنمية واستقرار الأوطان ونجاحات الشعوب ، وعندها إما أن يترك العالم هذا التهور السياسي يدير حركته ويوجه مساره ويؤسس أجندة عمله ، ويجعل مناطقه محطات للنزال والنزاع والصراع والفتنة والكيل بمكيالين وتصبح اللقاءات السياسية فرصة للسباب والشتام والاعلان عن مواقف متشددة بين الأصدقاء مع زيادة حجم التباعد في السياسات المتزنة، أو أن يراجع حساباته ويمتطي صهوة المنافسة ليكون التعليم هو المرشح بحق لإدارة القضية وصاحب المنافسة والرهان الذي يمكن خلاله إعادة الانتاج السياسي والثقافي والفكري عبر تأصيل القيم المشتركة والتفاهمات النوعية ، وبناء محطات أكبر لتفعيل العمل العالمي المشترك من خلال أجندة التعليم عبر زيادة مساحات اللقاء في معالجة قضايا الأمن والجريمة والتنمية والمياه والغذاء والفضاء والطاقة المتجددة والطاقة النووية النظيفة، وإعادة انتاج المناهج الدراسية وأنشطة التعليم وخططه ومساراته بطريقة تضمن تحقيق التعايش والتسامح ونشر مساحات الحب والوئام والتعاون والتكامل وتعميق مساحات الحوار والتزام مبادئ الحق والعدل والمساواة وبناء المواطنة العالمية.
إذ من شأن ذلك أن يعيد موازين المعادلة فيوجهها لصالح الإنسان ويؤسسها وفق القيم والاخلاقيات حفاظا على هوية الشعوب وثقافاتها والتعريف بمنجزها البشري ليكون التعليم بذلك رابطة عالمية تحمل الخير وتؤسس للتنمية وتبني التفاؤل في معالجة حالات التشاؤم والقلق والسلبية التي أوجدتها النزغات السياسية المشؤومة، وتكوين ممكنات نفسية وفكرية وأخلاقية لبناء الانسان وترقية معايير العمل التطوعي والمبادرات الايجابية الساعية لنهضة العالم وانتشاله من غوغائيته ، وإعادة صياغة المسار الاعلامي وبناء رسالته وفق مبادئ راقية وتأصيل ثقافة الوعي والشعور بالأخر، بما يمكن أن يحمله هذا الدور المحوري للتعليم وعبر فاعلية دور المنظمات التعليمية والانسانية الدولية والاقليمية كاليونسكو والإيسسكو والألكسو واليونسيف ومنظمات الأمم المتحدة والمجتمع المدني المعنية بالسلام والتنمية والحوار وغيرها في وضع التعليم كحالة بديلة في مواجهة الاخفاقات السياسية التي يشهدها العالم.
ومع التأكيد على أن التعليم عالي الجودة بما يمتلكه من قوة الاحتواء وفلسفة التأثير ونظرية التوازن في إدارة القضايا والتعامل مع الأحكام النافذة وتأكيد العمل بالالتزامات التي يعمل على تأسيسها في بناء الإنسان وتقديم الدعم له والأخذ بيده واحتوائه في معالجة الاشكاليات التي تواجهه ، مرشح لاستلام زمام المبادرة بالتغيير، إلا أنّ فاعلية تحقيق هذه الطموحات تتطلب التزاما دوليا نحوه واعترافا وطنيا بكونه قيمه مضافة في التنمية ومرتكزها في تحقيق أولوياتها وأجندتها المتعلقة ببناء الشباب وتثقيف المواطن وتوفير الوظائف وبناء المهارات والتحصين الفكري وترقية الإعلام وترسيخ الهويات، وأن يغتنم التعليم فرصة الاستقلالية والريادة والخروج من عباءة التهور السياسي، ليعيد التوازن في الحالة الإنسانية ويعمل على نقل كفة التنمية والإنسان والأمن بوضعها في قائمة أولوياته وامتلاكه للقرار الدولي في مواجهة غوغائية السياسة، وأن تبادر الجامعات ومراكز البحوث العلمية والمراكز الدولية العلمية والتعليمية والمنظمات الدولية والاقليمية ومكاتبها الاقليمية المنتشرة في العالم والمدارس والمعاهد والمعلمون والطلبة وغيرهم في بناء أنموذج إنساني جديد في إدارة الحالة العالمية وتصحيح مسارها وتوجيهها في إصلاح ما أفسده صغار الساسة وأنتجته الغوغائية السياسية.. فهل سنشهد حراكا عالميا للتعليم في قادم الوقت ينقل منظومة عمله من مرحلة الاستهلاك إلى المنافسة وامتلاك القرار ليصنع الفارق على الأرض في مواجهة فقر السياسة وضمأها وانتشالها من واقعها المسيّس؟






