تحتفل السلطنة غدًا ، مع بقية دول العالم الإسلامي ، بعيد الأضحى المبارك ، جائزة للمسلمين عامة ، بمناسبة فريضة الحج لمن استطاع إليه سبيلا ، وأداء شعيرة من شعائر الله العظمى .
ففي الأيام الأولى ، من شهر ذي الحجة ، من كل عام تهفو القلوب ، إلى بيت الله الحرام ، يحدوها الشوق ، ويدفعها الأمل والرجاء ، في أداء فريضة الحج استجابة لنداء ربّ العالمين في قوله تعالى ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) سورة الحج
هناك ، يجتمع المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها ، لتأدية مناسك الحج ، اتحدت قلوبهم ، وتوحد إحرامهم باللون الأبيض ، لا فرق بين أسودهم وأبيضهم ، تلهج ألسنتهم مع اختلاف لغاتهم ، بالتهليل والتكبير لوحدانية الله سبحانه تقدس في ملكه وعظمته ، وتفرد في وجوده ، متضرعين له بالذل والخشوع ، راجين منه قبول التوبة عن الذنوب والمعاصي ، يسألونه ، الرحمة والمغفرة ، والفوز بالجنة ، والنجاة من النار .
ومن فضائل الحج ، أنه يُعوّد المسلم ، على الخشوع لله ، وعلى تطهير قلبه من المعاصي والذنوب ، ويُعوّده كذلك على الصبر ، وتحمّل المشاق والصعوبات ، هذا إلى جانب تعليمه الانضباط وهو يؤدي مناسك الحج في مواقيتها الزمانية ، والمكانية .
والحج باعتباره ، الركن الخامس من أركان الإسلام ، من أسمى وأجل العبادات عند ربِ العباد ، فهو بمناسكه المختلفة ، يتضمن معظم العبادات البدنية والروحية ، والمالية ، وقد جاء في الحديث النبوي الشريف ( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ).
والأعياد الإسلامية ، ومنها عيد الأضحى ، هي جوائز الله لعباده المسلمين ، على أداء فرض من فرائض الإسلام الحنيف ، وبقدر ما يحمله عيد الأضحى من قيمة تعبدية عظيمة ، فإنه يحمل أيضا معاني إنسانية واجتماعية أخرى ، تزيد من رصيد حسناتهم ، وترفع من درجاتهم عند خالقهم ومولاهم.
وقِس على هذه الفضائل ، ذلك التجمع للمسلمين في مكان واحد ، وفي مشهد واحد ، تتجلى فيه وحدتهم ، مهما تعددت ثقافاتهم وبعُدت أوطانهم ، وامتدت المسافات بينهم ، فالإسلام وحّدهم على كلمة سواء ، والحج بالنسبة للمسلمين فرصة للتعارف والتآلف والتضامن ، وتوحيد الصف ، لتظل راية الإسلام خفاقة ، وعزة المسلمين تزداد قوة ومنعة.
ومما لا شك فيه ، فإن من مظاهر العيد ، عموم البهجة والفرح والسرور ، في كل بيت من بيوت المسلمين ، لدى صغارهم وكبارهم ، وفي يوم العيد شُرعت سنة صلاة العيد ، وكذلك النحر وتقديم الأضاحي ، هذا إلى جانب التكبير والتحميد لله عز وجل في الأيام الثلاثة التي تلي العيد .
ومن الجوانب الخيريّة بمناسبة عيد الأضحى ، تهنئة المسلمين لبعضهم البعض ، وزيارة الأرحام والأقارب ، والتصدق على الفقراء والمساكين ، وغير ذلك من الجوانب الخيريّة والإنسانية جليلة القدر عند الله ، عظيمة الحسنات لمن قام بها وأداها .
ومع كل ما سبق ، فإنه لا يجوز التغافل ونحن نحتفل بعيد الأضحى ، أن المسجد الأقصى الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين ، لا يزال مسلوب الهوية ، غريبًا بعيدًا عن دار الإسلام ، محتلا — كما هي كل فلسطين — من قبل اليهود ، تتحكم فيه بعنجهيتها وغرورها ووحشيتها وغطرستها اللا متناهية ، وللأسف فإن المسلمين لا يزالون شهودًا متفرجين ، لا تتحرك لهم شفاهٌ ، ولا يرتفع لهم صوتٌ إلا ما عهدناه من بيانات الشجب والاستنكار ، ولا تخطو لهم قدمٌ إلا الهرولة إلى رأس الأفعى أمريكا ، الحامية الأولى لغطرسة اليهود واغتصابهم للمسجد الشريف .
يأتي العيد ، هذه المرة أيضًا ، وللأسف ، وحال المسلمين ، أكثر فرقة ، وأوهن ضعفا ، وأكثر انشغالا بهموم كل واحد منهم عن الآخر . يأتي العيد وقد وجدت المذهبية والعصبية البغيضة ، لها سوقًا ، ولها تجارها ومشتريها، وقودها أناس امتلأت قلوبهم بعهر البغضاء من غلاة المتطرفين ، بالإضافة إلى ضخ الدنانير ، من أجل تمزيق الصف ، لتمرير مطامعهم المشبوهة .
ولمّا كان العيد ، فرحة وابتهاجًا ، فليس من المناسب ، أن نظهر صورة قاتمة السواد لحال الأمة الإسلامية ، لكنه في الوقت نفسه ، ليس من المناسب ، أن ندفن رؤوسنا في التراب ، كما يفعل النعام .
وفي عُمان يأتي العيد ، كما في كل مرة ، يرفرف على كل شبر منها بساط الأمن والأمان ، لا يعكر صفوها نصب ، ولا كدر ، تألفت قلوب العُمانيين واجتمعت على حب الله ورسوله ، وعلى حب بلادهم ، وولي أمرهم ، وتسابقت أياديهم إلى أفعال الخير ، وخطواتهم إلى زيارة أرحامهم ، وتعانقت الأعناق بالأعناق في مودة وسعادة وسرور .
وفي هذه ، المناسبة الجليلة ، لابد ، أن تتوحد قلوب المسلمين ، في أرجاء المعمورة ، وأن تتحد ألسنتهم ، بالابتهال والتضرع ، والدعاء إلى الله ، بأن يفك المسجد الأقصى من اليهود ، وأن يوحد المسلمين على كلمة الحق ، ويؤلف بين قلوبهم ، وأن يعتصموا بحبل الله المتين ، على من عاداهم.
يأتي العيد غدًا ، وأكف العُمانيين جميعهم ، مرفوعة في خشوع وتضرع لله سبحانه وتعالى ، بأن يحفظ بلادنا عمان ، وأن يحمي ويعز سلطاننا ، ويؤيده بالحق ، ويؤيد به الحق ، وأن يلبسه لباس الصحة وثوب العافية ، وأن يمد في عمره أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة .
وأسال الله عز وجل أن يمنّ على العُمانيين بدوام النعمة ، وتمام العافية ، وأن يعيد عليهم هذه المناسبة وهم في أمن وأمان ، وأن يجعل كل أيامهم سعادةً وفرحًا وهناءً وسرورًا ، إنه على ذلك قدير.
وكل عام والجميع بخير





