أثير- محمد العريمي
في مسار يتجاوز الدبلوماسية التقليدية إلى هندسة العلاقات الاقتصادية طويلة المدى، تكشف العلاقة بين سلطنة عُمان وجمهورية بوتسوانا عن نموذج جديد في إدارة الشراكات الدولية، تقوده أدوات استثمارية سيادية، وفي مقدمتها جهاز الاستثمار العُماني الذراع الاستثماري لسلطنة عمان، بما يعكس اتجاه الدبلوماسية الاقتصادية العُمانية نحو الأسواق الأفريقية.
فما بدأ في يوليو 2025م كاجتماعات مبدئية بين سلطنة عُمان ممثلة في ذراعها الاستثمار (جهاز الاستثمار العُماني) و “بوتسوانا” التي تُعدّ أكبر دولة منتجة للألماس من حيث القيمة عالميًا، سرعان ما تحول إلى مسار متسارع من التقارب المؤسسي، تُوّج في أكتوبر 2025م بإقامة العلاقات الدبلوماسية رسميًا، قبل أن يدخل مرحلة أكثر عمقًا مع زيارة الرئيس البوتسواني إلى مسقط، وما تبعها من تفاهمات ومشروعات نوعية.
هذا التسلسل الزمني لا يعكس مجرد تطور علاقات ثنائية، بل يكشف عن نجاح نهج “الدبلوماسية الاقتصادية العُمانية” في تعزيز العلاقات الإستراتيجية مع الدول، وإقامة شراكات نوعية، والإسهام في جذب الاستثمارات الأجنبية إلى القطاعات المحلية.
أفريقيا في الحسابات العُمانية: من الجغرافيا البعيدة إلى الامتداد الاقتصادي
تتعامل سلطنة عُمان اليوم مع أفريقيا باعتبارها مساحة إستراتيجية لإعادة تشكيل الحضور الاقتصادي الخارجي، وليس مجرد سوق ناشئة.
وفي حالة بوتسوانا تحديدًا، يبرز عاملان أساسيان:
. اقتصاد مستقر وتصنيف ائتماني مرتفع نسبيًا.
. ثروة معدنية ضخمة، خصوصًا الألماس، إلى جانب فرص واعدة في الطاقة والتعدين.
لكن الأهم في قراءة المشهد الاستثماري كان إبراز منطق التكامل الاقتصادي؛ فـ “بوتسوانا” دولة غير ساحلية وتحتاج إلى طاقة وإمدادات، في حين تمتلك سلطنة عُمان خبرة بحرية ولوجستية وموارد سمكية؛ ما يوجِد نموذج تبادل اقتصادي متوازن قائمًا على المصالح المتبادلة.
جهاز الاستثمار العُماني: من إدارة الأصول إلى صناعة النفوذ الاقتصادي
اللافت في هذا المسار أن جهاز الاستثمار العُماني لم يتحرك كجهة استثمارية تقليدية، بل كذراع تنفيذي للدولة في إعادة رسم الخريطة الاقتصادية الخارجية؛ فخلال أقل من عام واحد، انتقل الجهاز من لقاءات استطلاعية، إلى اتفاقيات قطاعية، ثم إلى مشروعات تنفيذية كبرى في الطاقة والتعدين والبنية الأساسية، ويعكس ذلك تعزيزًا مهما في أدوار الجهاز، من إدارة الثروة إلى توليد النفوذ الاقتصادي الخارجي، وربطه مباشرة بأهداف رؤية عُمان 2040.
لحظة التأسيس: زيارة أكتوبر 2025م
شكّلت زيارة رئيس جمهورية بوتسوانا إلى مسقط في 23 أكتوبر 2025م نقطة تحول مفصلية، إذ جرت خلالها مباحثات موسعة شملت:
. التعدين
. الطاقة
. الاستثمار
. القطاع المالي
. البنية الأساسية
وكان واضحًا أن الزيارة جاءت لتثبيت مسار بدأ قبل 3 أشهر فقط من الزيارة، في إشارة إلى أن الدبلوماسية الاقتصادية كانت تسبق الدبلوماسية الرسمية في هذا النموذج العُماني الجديد.
29 نوفمبر 2025م: تثبيت البنية الاستثمارية
في زيارة قام بها معالي عبدالسلام المرشدي رئيس جهاز الاستثمار العماني إلى بوتسوانا جاء توقيع أربع اتفاقيات في مجالات الطاقة والتعدين والقطاع المالي ليؤسس لمرحلة جديدة من التعاون، شملت:
. مشاريع طاقة شمسية واسعة النطاق.
. تطوير بنية تخزين وإمداد الوقود.
. شراكات في استكشاف الذهب والألماس.
. تعاون في تجارة الطاقة وسلاسل الإمداد.
وهنا برز الدور العُماني بوضوح عبر شركاته الوطنية مثل “أوكيو” و “أو-جرين” و “معادن”، ما يعكس أن جهاز الاستثمار لا يتحرك ككيان مالي فحسب، بل كمنظومة إنتاج خارج الحدود.
تصريحات تؤكد الثقة المتبادلة
بعد توقيع الاتفاقيات، جاءت لحظة ذات دلالة رمزية عالية، عبّر فيها الرئيس البوتسواني عن تقديره السريع للتعاون العُماني، قائلاً: “ممتن للسرعة التي أظهرها العُمانيون لتحقيق نتائج ملموسة. الله أكبر بسم الله الرحمن الرحيم. بارك الله فيكم، وبارك الله في سلطنة عُمان.”
هذا التصريح لا يُقرأ كعبارة دبلوماسية عابرة، بل يعكس مستوى الثقة العالية في الأداء المؤسسي العُماني، وسرعة تحويل التفاهمات إلى نتائج قابلة للتنفيذ.
وأكد رئيس جهاز الاستثمار العُماني أثناء اللقاء أن هذه المشروعات تمثل “سفراء للشراكة بين البلدين”، والتنفيذ سيتم “بسرعة وجودة”، في إشارة إلى أن معيار النجاح لم يعد التوقيع، بل سرعة تحويل الاتفاقيات إلى واقع اقتصادي ملموس.
أبريل 2026م: الانتقال إلى التنفيذ
في قصر البركة بمسقط أجرت قيادتا البلدين مباحثات ثنائية ترتكز على التوافق الاستثماري، وشهدتا توقيع اتفاقيات جديدة شملت:
. تخزين المنتجات النفطية
. الطاقة الشمسية الكهروضوئية
. مشروعات تعدين واستكشاف
. شراكات تشغيلية مع شركات عُمانية كبرى مثل “أوكيو” و “أو-جرين”
وهنا يظهر التحول الأهم فلم تعد الاتفاقيات “إطار نوايا”، بل أصبحت “بداية بناء مشروعات فعلية على الأرض، وهو ما تمثل في وضع حجر الأساس لأحد هذه المشروعات الموقعة في مسقط، فبعد توقيعها يوم الاثنين، وُضِع حجر أساسها يوم الخميس في بوتسوانا.
حزمة القطاعات: أين يُبنى النفوذ الحقيقي؟
الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين لم تقتصر على قطاع واحد، بل شملت أربعة محاور إستراتيجية:
الطاقة:
. مشروعات طاقة شمسية بقدرات تصل إلى 500 ميجاوات
. أنظمة تخزين وتطوير شبكات
. تعاون في أمن الوقود وسلاسل الإمداد
التعدين:
. استكشاف الذهب والألماس والمعادن الإستراتيجية
. شراكة بين مؤسسات جيولوجية واستثمارية
. نقل الخبرات العُمانية إلى بيئة تعدين أفريقية غنية
الأمن الغذائي والطاقة المتبادلة:
. تصدير اللحوم من بوتسوانا إلى سلطنة عُمان
. تصدير المنتجات السمكية العُمانية إلى بوتسوانا
القطاع المالي والاستثماري:
. بناء أطر استثمار مشتركة
. تسهيل حركة رأس المال
. فتح الباب أمام شراكات سيادية طويلة الأمد
البعد الجيو-اقتصادي: لماذا بوتسوانا مهمة لسلطنة عُمان؟
تكمن أهمية هذه التجربة في كونها ليست مجرد صفقة ثنائية، بل هي اختبار لنموذج أوسع يقوم على:
. تحويل أفريقيا إلى امتداد لسلاسل القيمة العُمانية
. فتح أسواق جديدة للشركات العمانية
. إيجاد مراكز إنتاج وطاقة خارج الحدود التقليدية
. تنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط
رؤية عُمان 2040: البوصلة التي تربط الداخل بالخارج
لا يمكن قراءة هذه التحركات بمعزل عن رؤية عُمان 2040، التي تستهدف:
. تنويع الاقتصاد
. رفع إسهامات الاستثمار الخارجي
. تعزيز دور الصناديق السيادية
. بناء اقتصاد قائم على المعرفة والاستدامة
وبالتالي فإن التوسع نحو أفريقيا ليس خيارًا ظرفيًا، بل امتداد مباشر لإستراتيجية وطنية طويلة المدى.
قراءة إستراتيجية: ماذا يحدث فعليًا؟
ما يجري بين سلطنة عُمان وبوتسوانا يمكن تلخيصه في خمس تحولات كبرى:
. نجاح نهج الدبلوماسية الاقتصادية العُمانية، حيث انتقلت من الدبلوماسية التقليدية إلى دبلوماسية تُدار عبر تطلعات الاستثمار واستشرافات الاقتصاد.
. تحول جهاز الاستثمار العُماني إلى صانع شراكات دولية ومُمكّن وطني للسياسة الخارجية وأداة توسع اقتصادي خارجي.
. تسارع غير مسبوق في الإيقاع الدبلوماسي، من يوليو 2025م إلى أبريل 2026م وصولًا إلى اتفاقيات تنفيذية خلال أقل من عام.
. بناء ثقة سياسية تُترجم اقتصاديًا، كما تعكسه تصريحات الرئيس البوتسواني حول السرعة التنفيذية.
. فتح أسواق جديدة للشركات العُمانية، عبر تصدير المنتجات والخدمات، وتمكين شركات الجهاز من التوسع الخارجي، وتعزيز مكانة عُمان كمصدر للخبرة في الطاقة والتعدين.
وتكشف تجربة سلطنة عُمان وبوتسوانا لنا الانتقال من مرحلة “الانفتاح الاقتصادي” إلى مرحلة “إعادة التموضع الاقتصادي العالمي”، حيث يتحول جهاز الاستثمار العُماني إلى أداة لصناعة شبكات نفوذ اقتصادي تُبنى على الشراكات لا التوسع الجغرافي التقليدي.
وبين صحراء كالاهاري في الجنوب الأفريقي، وقاعات التوقيع في مسقط وجابورون، تُكتب اليوم قصة مختلفة للدبلوماسية الاقتصادية العُمانية؛ ولا تبدو أفريقيا - وبوتسوانا تحديدًا - نهاية المسار، بل بدايته.





