أثير- د.سالم الشكيلي
إن حرية الرأي والتعبير عنها مكفولة للجميع ، للقاصي وللداني ، وللغني وللفقير ، للأبيض وللأسود ، فالكلّ في ذلك سواء ، ولغة الاختلاف مقبولة باعتبارها ظاهرة صحية حميدة ، وأسلوب النقد البنّاء الهادف مرغوب فيه طالما ابتعد عن الشخصنة والنكاية في الآخرين ، وطالما لم تُجعَل قضية الخلاف مجالًا للمساومة وكأنها حِكْرٌ لطرف دون سواه ، وأن ما يراه بشأنها هو الصحيح ؛ فيفرض رأيه ، وكأني به يقول : ” ما أُريكم إلا ما أرى ” ، في حين أن الاختلاف سنة كونية ، “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدةً ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ، ولذلك خلقهم ” .
فإذا كان الأمر على الوجه ذاك ، فهذا ممّا لا غضاضة منه ، ونقبله فيكون ردّ الحجة بالحجة ، والبرهان بالبرهان ، من غير تكلّف ولا تشنّج ، ولا مساومة على القضايا التي تخص العرب جميعًا.
نعم نُؤمن بكل هذا النقاش البنّاء لغة ، وموضوعًا والمستند إلى عناصر كفيلة بأن تجعل له وزنًا من ضمن جملة آراء قد تكون متفقة في المضمون، لكنها مختلفة في الوسيلة ، وقد تكون مختلفة في المضمون والوسيلة، أما أن تظهر بعض الأصوات وفي قنوات إعلامية بلا هوية ، غير هواية القذف بالتهم والتخوين ، والسباب والشتائم للآخرين أفرادًا ودولًا ، فهذا ليس حوارًا ولا أسلوبًا للتعبير عن حرية الرأي ، فهو أقل ما يُوصف بأنه ليس إلا كمثل زوبعة في فنجان لا يكاد يمتد أثرها خارج حدوده ، والصوت الناعق لا يملك صاحبه غير الصراخ ، ليغطي فشله وضعف حجته .
وفي الواقع لم تكن كتابة هذا المقال واردة على الإطلاق ، لولا أنني سمعت بعض الأصوات تنعق في بعض وسائل الإعلام ، وتنال من سلطنة عمان كبلد وكيان له حضارة وتاريخ ، وبُعد جغرافي وسياسي قديمًا وحديثًا ، كما تناولت هذه الأصوات الغوغائية ، من مقام حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم على أثر زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي للسلطنة .
وترددت في الرد على هذه الأصوات النشاز؛ لعلمي أنها لا تفقه شيئا ممّا تدّعيه في علم السياسة والأخلاق الدولية غير ما برعت فيه من بثّ الفتنة والإثارة ، وذلك نزولا عند قول الشاعر :
إذا نطق الغراب فلا تُجِبْهُ فخيرٌ من إجابتهِ السكوتُ .
غير أنّ السكوت في هذا الزمان يُفسّر بالضعف، ويدفع مثل هذه الأصوات للتمادي ، ولما كانت تلك الأصوات قد نالت من عمان وقائدها ، فلا سكوت مع هؤلاء ينفع ، ولا احترام لهم يردع ، لأنهم ببساطة لا يفقهون غير لغة واحدة ، وصوت واحد هو صوت الغربان .
عندما يصف أحدهم أرض الحضارة والتاريخ ، بتلك الدولة الصغيرة التي تقبع في أقصى الجنوب من شبه الجزيرة العربية ، والتي لا يُعرف عنها شيء ، ولا تعرف شيئًا عن القضية الفلسطينية ، فنقول بأنَ مثل هذا لا يعرف التاريخ ، ولا يفقه سياسة ، ولا يُدرك الواقع الدولي ، فهو ليس إلا طبل أجوف ليس به إلا كتلة من الهواء الفاسد ، كالممتلئ بطنه بالخبائث والغازات .
وعندما يظهر بعضهم ويُلقي كلامًا ينال من مقام حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم ، فلا بدّ من الانبراء له ، فنلجمه حجر الحقيقة ، ليعرف قدر حضرة الكبار والحكماء والعقلاء، ولنُعلمه حقيقته من أنه ليس إلا صِعلوك قادته الأقدار أن يكون كنافخ الكير ، فهو إمّا أن يحرق ثيابك أو أنْ تشتمّ منه ريحًا منتنة .
والأدهى والأمَرّ أنّ مثل هؤلاء يحسبون أنفسهم أنهم يُحسنون صنعًا ، وهم للغواية أدعى ، وللفتنة أفعى ، يهذون كهذيان الذي أصابه مسٌ من شيطان ، تراه يصرخ ويولول ، كلامه هواء ، وصوته خواء .
أيها السادة أصحاب ” ما أُريكم إلا ما أرى ” ممن تدّعون الحميّة للقضية الفلسطينية ، ماذا فعلتم وقدمتم لها ، تُركْتم عقودًا تزعمون وتضحكون على أفراد الأمة أنكم تدافعون عن مصالح الشعب الفلسطيني ، وأنكم ستردون أرضه المسلوبة وحقوقه المغتصبة ، فماذا عساكم فعلتم !!؟ لم يرَ المواطن العربي غير التخاذل والعمل على بيع القضية الفلسطينية ، يسمع جعجعاتكم تملأ عنان السماء فلا يرى طحْنا ، فزادت إسرائيل من غطرستها وعنجهيتها واغتصابها للأرض وبناء المستوطنات ، وتهجير الفلسطينيين وقتلهم ، تعاملتم مع إسرائيل في السر والعلن . سئمنا تصريحاتكم الجوفاء ، وأطروحاتكم الحمقاء ، وسماجة عقولكم الخرقاء ، فلا محوتم إسرائيل من الوجود ، ولَم ترموا المغتصبين في البحر ، ولَم ترجعوهم من حيث أتَوا ، بلْ الفلسطيني الذي في المخيّمات تحت ذلّ المنح الدولية طوال العقود الماضية ، وليس من جميل صنيعكم ، ولا من سخاء هباتكم ، ولا من نخوة هبّاتكم . ذكّرونا بعمل واحد يفتح أملا لهؤلاء المشردين ، ولأولئك المحاصرين ، وللّذين يتمّ التنكيل بهم يوميًا ؟!!!! فهل أنتم قادرون وفاعلون حقا !!!! حينها إِنْ تقاعسنا عنكم فأطلقوا عنان أبواق شتائمكم واتهاماتكم .
عُمان لا تريد أن تأخذ مكان أو دور أحد ، ولا تسعى لشهرة أو صخب إعلامي ، لأنها “قيادة وشعبًا” ليسوا بحاجة إلى ذلك فقد أغناهم الله بقناعته ، ووهبهم التواضع ومعرفة قيمة الذات التي لا تدانيها قيمة ، أما شهرة عمان وحجم دورها أيها الغوغائي فلا يدركه أمثالك ، لأنّك على شاكلة من أوهم نفسه بما ليس أهل له ، فصدقها حتى بات أحمقًا ، والحماقة داءٌ أعْيَتْ من يداويها .
قلنا عن زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي بأنها أتت في وضح النهار ، وليست كزيارات واتصالات الآخرين التي يحدث الكثير منها في الخفاء وفي الغرف المغلقة ، سواء في إسرائيل نفسها ، أو في عواصم أخرى بقصد التمويه ، أما الغرض من الزيارة فكان واضحًا أنه من أجل المساعدة في الدفع بعملية السلام التي توقفت منذ فترة ، والشعب الفلسطيني يُعاني القتل والدمار والتشريد ، وأنتم تعيشون بعيدين عن نار الاحتلال في سعادة تامة وراحة بال ، قولوا لنا بالله عليكم ماذا فعلتم للقضية الفلسطينية غير الصراخ والولولة والتباكي على ضياع الحقوق الفلسطينية وأنتم وأشباهكم كنتم السبب في ضياعها ونكبة أهلها .
وكما هو معلوم فإنّ زيارة الأخير سبقتها زيارة أبو مازن للسلطنة التي قال عنها ” بلاد الحكمة” وهو يعلم جهود عمان ودورها وما تفعله لصالح الفلسطينيين ، وما يفعله قائد عمان لصالح هذه القضية القومية ، فاسألوه وهو صاحب الشأن ، واسألوا الإخوة في قطاع غزة ، يجيبونكم بما يُخرس ألْسنتكم ، اسألوا الشعب الفلسطيني في غزة ورفح عن دور عمان وأهل عمان ، نحن لا نريد منّا ولا أذى كما يفعل غيرنا ، ولم نطلب من الفلسطينيين ثمنًا مقابل ما نفعل كما يساومهم غيرنا ، لأننا نقوم بذلك عن واجب ديني وأخلاقي وإنساني وحضاري وعماني .
ونقول للذي يسأل عن مولانا جلالة السلطان بأنه موجود بحكمته المعهودة ، وبصيرته الثاقبة التي يشهد لها الجميع من دول العالم إلا الغوغائي المسترزق المغيّب عن الوعي ، وجلالته حفظه الله بإرادة الله وبشهادة المنصفين ، هو رجل السلام الذي هو أصله ومصدره ، شاء من شاء وأبى من أبى .
إنّ الاستغراب الأشدّ من هذه الحملة المسعورة التي تنشئها بعض القنوات الهابطة والأقلام المأجورة ، والهجوم الموظف لأغراض سياسية تخدم أطرافًا معينة ، ومع ذلك ليس بوارد أن نتهم أحدًا أو ننشر غسيل أحد ، فكل إنسان على نفسه بصيرة ، ولو ألقى معاذيره ، وكل إناء بما فيه ينضح ، وستظل عمان تمارس دورها الإيجابي حسب قناعاتها وليس قناعات الآخرين ، وبإرادتها وليس بوحي وضغط من أي أحد كان .
سيظل جلالة السلطان المعظم ، رمزًا للسلام ، وبيتًا للحكمة ، ونصيرًا للمظلومين ، وسيبقى الشعب العماني واثقًا بحكمة وبصيرة جلالته التي لن تحيد عن الحق والصواب ، فمن للحكمة والسلام غيره في هذا الزمان ؟!
أمّا المغرضون والزوباعيون ، فعليهم أن يراجعوا أنفسهم ، وليفهموا الواقع الدولي فهمًا صحيحًا، وكفى خداعًا للأمة وتنويمها بالأوهام ، وأنتم تعلمون الحقيقة ، فالبطولات والشهرة لا تتحقق على أجساد الشهداء من أبناء الشعب الفلسطيني ، وكفى بالله شاهدًا ونصيرًا.





