أثير-د.سالم بن سلمان الشكيلي
لا تأتي المواقف الشجاعة والنبيلة، وخاصة في خضمّ تلاطُم الأمواج العاتية ، والعواصف الهوجاء ، إلا إذا انبرى لها مَن أهلها من الشجعان وأصحاب الحكمة ، ذوي الإرث الأصيل المتأصّل ، الذين لا يخافون بأسا ولا يخشون ردّات الفعل من أي كان ، ممّن توارثوا المجد كابرا عن كابر ، وامتطَوا صهوات العزّ والإباء والأنَفَة والشموخ ، متّكئًا في مواقفه على جبل أشمّ صلدٍ صلبٍ من التاريخ الناصع البياض من الحقائق التي تكاد لا تُنسَب إلّا للعماني ، ذلك أنّه الواثق من نفسه المتوكل على الله ، المتمسك بالحق، يصنع قراراته ويعلنها في الزمان والظروف التي يراها مناسبة مهما كانت شدة الأمواج والعواصف ، طالما أنها في صالح من تعنيهم القرارات ، وأنهم مستحقون لها .
ففي الوقت الذي تُطبخ فيه ما تسمى بصفقة القرن ، التي يراها الكثيرون وأْدًا للقضية الفلسطينية التي تناضل من أجلها الشعوب العربية منذ عام ١٩٤٨م ، تأتي الصرخة العمانية القابوسية مدوية لتعلن عن افتتاح بعثة دبلوماسية على مستوى سفارة في رام الله مقر السلطة الفلسطينية ، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ، موجهةً بذلك ضربة قاصمة الظهر لأولئك الذين تحيّنوا الفرصة في لحظة من اللحظات فأرهقوا أنفسهم زورا وبهتانا وفجورا سياسيا مبيتا في التشكيك في المواقف العمانية تجاه القضية الفلسطينية ، واصطف مع هؤلاء من كانت عمان تكرمه وترحب به ضيفا عزيزا مكرما ، لكنها السياسة التي لا تثبت ولا تبقى على حال .
استخدموا -وقتها- كل مصطلحات ومفردات البذاءات في قواميس تربيتهم الذميمة ، بالقول والكتابة ، وجُندت أقلام كان غرضها وهدفها الأسمى هو الإساءة إلى سلطنة عمان ورمزها ، ولأنّ الحلم حكمة ، والسكوت عن السفهاء لغة عبقرية ، لا يفقهها إلا الكبار ممن تربّوا على الفضيلة وترفعوا عن سفاسف الأمور ، فكاد الحلم يقتلهم والصمت عن الرد عليهم يقلق مضاجعهم ، لأنهم تعوّدوا النباح والنباح المضاد ، وقلنا وقتها إنّ المواقف العمانية من القضية الفلسطينية ، ثابتة وراسخة ، فهي مع الشعب الفلسطيني في استرداد أرضه وحقوقه المسلوبة من الكيان الصهيوني المحتل ، ومع ذلك لم نسلم من الأذى في كل مرة نقول فيها كلمة الحق والصدق .
ليست عمان من تبيع القضية ولو بقيت بمفردها ، ولن تكون عمان أبدا من يتآمر على الشعب الفلسطيني وحقوقه ، ولأن عُمان بلد المواقف الواضحة والشفافة ، يعلم بذلك القاصي والداني ، فهي ليست ممّن يعلن شيئا في العلن ويخفي شيئا في الباطن ، قلناها وقالها معنا كثيرون ليس عاطفة ولا نفاقا ولا تطبيلا ، كما يحلو للبعض استخدام هذه المفردة بالذات ، وإنما عن إيمان وقناعة بالمواقف العمانية التي لم تتزحزح عن الاعتدال والحياد الإيجابي ، وهذا ثابت بالدليل القاطع والبرهان الساطع في كل الأحداث والمنعطفات التي مرّ بها المجتمع الدولي عامة ، والأمة العربية خاصة . والشيء بالشيء يُذكر ، فقد سمعت أحدهم مؤخرا يزعم بأن السلطنة تخلّت عن حيادها في الحالتين اليمنية والإيرانية ، وليس بمستغرب صدور هذا القول من مثل هذا الرجل ومَن في شاكلته ، فإذا كان الموقف العماني ليس حيادا ، فمَن عساه يكون ؟! ما هذا الغباء الفكري والسياسي السطحي ، وبيع الضمير الفجّ المُعلَن بلا استحياء ! فهل عساه يكون بالدخول في الحرب اليمنية مع طرف ضد طرف ، وكلا الطرفين عربي مسلم ؟! أم يكون بدفع أمريكا للحرب على إيران لإشعال المنطقة قتلا ودمارا ؟! اعقلوا يا قوم ، إن كان لديكم بقية من عقل يفكّر .
تثبت سلطنة عمان من جديد أنها عند الحدث ، وعلى قدر الحدث ، وعلى مستوى الحدث ، لا يثنيها عن ذلك من طأطأت له رؤوس الحالمين بنيران الحروب ، ولم تتهافت كما تهافت غيرها في عقد صفقات الأسلحة ، ودفع الشيكات المجانية ؛ إرضاءً لمن يهدد ويتوعد بسحب مليارات الدولارات ، وإلا سيرفع حمايته عمّن لا يدفع ، مهدّدا إياهم بزوال عروشهم في غمضة عين ، وأن طائراتهم ستبقى في مرابضها ، وسيعودون عربانا إلى قديم مرابعها .
عمان نأَت بنفسها عن الصراعات وسياسة المحاور ، وفي لحظة تاريخية فارقة وعند منعطف سبيل ، إذا بها تصوب البوصلة من جديد ، عسى من فقد مساره في ليل فكريّ حالك السواد ، يصحح مساره مستهديا بنور النجم العماني الصائب الساطع .
عظيمة أنت يا عمان ، عظيمة بسلطانك رأس
الحكمة وسنام مجد السياسة ، جلالة السلطان
قابوس المعظم حفظه الله ورعاه .
عظيمة أنتِ يا عمان ، بشعبك الذي لا يرضى
ذلا ، ولا يهادن في الحق ، ولا يخشى في الله
لومة لائم .
عظيمة أنتِ يا عمان ، في سياساتك ومواقفك
الشجاعة ، المختومة بختم “صناعة عمانية
خالصة ” .
عظيمة أنتِ يا عمان وسلطانك وشعبك ، في
حِلمكم وصبركم وغفران زلّت الآخرين .
عظيمة أنتِ يا عمان ، وستبقين كذلك ، رغم حقد
الحاقدين وكيد المكيدين ، وحماقات
المستكبرين المغرورين .





