د. رجب بن علي العويسي-خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة
يشكّل الهاجس النفسي للمواطن من أكثر التحديات التي فرضها فيروس كورونا (كوفيد19) في ظل ما اوجده من ضغوط نفسية انعكست سلبا على الحالة العاطفية والمزاجية وصعوبة التكيف مع الواقع الاجتماعي ورسمه من صورة ذهنية قاتمة عززت من ثورة القلق والخوف والانطواء في حياة الأفراد والمجتمعات ؛ ولعل ما صاحب انتشار هذا الفيروس من سباق معرفي محموم ارتبط في أكثر حالاته بالشائعات وتهويل الأحداث ونشر ثقافة الخوف والذعر والحزن التي غطت على سماء العالم كله ، والذي ساهم بشكل كبير في تعقد نفسيات الافراد وضمور أمزجتهم وتلبد قناعاتهم الشخصية حول مستجدات المرض وما يفصح عنه انتشاره السريع من تزايد حالات الإصابة والوفيات في حالة غير مسبوقة في تاريخ البشرية المعاصر، فعلى الرغم من حجم الازمات والجوائح والكوارث التي مرت على العالم في فترات متعاقبة سواء الحالات المدارية والزلازل والأعاصير منها والأوبئة والأمراض؛ إلا أن الاحداث التي رافقت جائحة كورونا وحالة الارتباك والهلع والجزع التي أثارها في حياة المجتمعات والشعوب والإجراءات غير المسبوقة المتخذة في هذا الشأن ، والتي فاقت الوصف وتعدت التقديرات والمؤشرات وتجاوزت التوقعات، فلقد ترك كورونا اثارا نفسيه في غاية الصعوبة والتعقيد، واوجد حالة من الألم والتعثر في كل مجالات الحياة اليومية للأفراد والأسر والمجتمعات والدول في ظل حالة التقييد التي تعيشها البشرية مع فقدان الكثير من الامتيازات التي كان تعيشها في فترة ما قبل انتشار المرض.
على أن ما صاحب انتشار الفيروس من اشاعات وتهويل للأحداث واتساع مستوى الترويج للمعلومات المغلوطة والاخبار الكاذبة ، وتناول القنوات الفضائية والاعلام الرقمي وتداوله لمشاهد مؤلمه تعيشها المجتمعات جراء هذا الوباء ، وما تظهره الفضائيات من صور المرضى المصابين بالفيروس وهم يتعثرون في الطرقات وصورة المستشفيات وهي تضج بأعداد المصابين والموتى، وحجم السلوكيات والتصرفات الخاطئة الممارسة من قبل المرضى المصابين أنفسهم أو المحجور عليهم صحيا والمودعين في العزل الصحي المنزلي والمؤسسي على حد سواء والتي يظهر عليها حالة الاستهتار وعدم المبالاة، أو حالة القلق التي تعيشها الكثير من الاسر في طريقة تعاملها مع الوضع، وكثافة الإجراءات الاحترازية الممارسة في نطاق الاسرة الواحدة، والظروف الصعبة التي تعيشها الاسر عند وجود مصاب لديها، أو الوساوس والضغط النفسي الذي تعيشه من خروج احد أبنائها خارج المنزل أو ارتباطه بالعمل أو غيرها، وما ولدته هذه الممارسات من آثار نفسية أسهمت في اتساع حاجز النفرة وضعف التواصل والحوار وثقافة الخوف التي عايشت الاسر والمجتمعات بشكل دائم؛ خاصة في ظل ما اتخذته دول العالم من إجراءات قسرية بالمنع من الخروج من المنازل إلا للضرورة والتباعد الاجتماعي والإجراءات الصحية المرتبطة بغسل اليدين بالماء والصابون واتباع التعليمات السليمة في أثناء العطس والسعال، وغيرها.
وبالتالي أنتجت هذه التراكمية المعرفية في التوجيهات والنصائح والتعليمات والتباينات الحاصلة بينها وبين الممارسات الاسرية والمجتمعية؛ أنتجت حالة نفسية غير مستقرة ووضعا اسريا غير مريح، انعكست سلبا على الصحة النفسية للأطفال في ظل تلقيها المستمر لهذه التعليمات، وتعرضها لهذه الممارسات ورؤيتهم لهذه المشاهد، وحالة التباعد والنفور الحاصلة بين أبناء الاسرة الواحدة في طريقة التعامل وأساليب التعايش وظروف العيش تحت سقف واحد، الناتجة عن سوء الفهم وسرعة الأحكام العشوائية في تشخيص المرض وأعراضه، مما ولّد صورة ذهنية سلبية وقناعات فكرية غير مستقرة ، عززت من تشويه الصورة الحقيقية التي يجب أن ترسم حول الإجراءات الصحيحة التي تحد من انتشار المرض، في حين أن التراكمات الحاصلة في رصد الحالة وتفسيراتها أسهمت في زيادة تأثيرها على حياة الأفراد المصابين بالفيروس وغير المصابين خاصة كبار السن والأطفال، وتأثر الأطفال بمشاعر آبائهم ومستوى الخوف والقلق والهاجس الذي يسيطر على ثقافة أولياء الأمور وانعكاساته على الأطفال.
من هنا تأتي مسؤولية التعليم عبر ما يؤسسه من فرص إيجابية لإعادة انتاج الواقع وعبر استنهاض همم الأفراد واستنطاق قيمهم ومبادئهم في التغيير الذاتي وإدارة السلوك النفسي وتقليل حاجز الصدمات النفسية المترتبة على انتشار فيروس كورونا (كوفيد19) للحفاظ على حالة التوازن التي يستطيع خلالها المواطن التكيف مع طبيعة الظروف والمعطيات الحاصلة، وبناء روح متجددة تعزز من رغبته في التغيير ودافعيته نحو الالتزام بكل القرارات المتخذة من اللجنة العليا المكلفة، لضمان قدرته على تجاوز حالة الهلع والضجر والملل ، وبناء فرص إيجابية لقراءة الحياة في ظل التسامح الذاتي والرضا النفسي والتعايش الفكري وتقوية فرص السلام الداخلي والايمان بالقضاء والقدر الذي يمنح النفس هرمون القوة ومدد العطاء في التكيف مع الواقع واستشعار الحياة في ثوب جديد ومداخل متجددة، بحيث تعكس تصرفاته مع الجائحة امتلاكه قوة الارادة في تشافي الحالة وعلاج الأزمة، ليفتح خلالها نوافذ الامل بقادم أفضل، فيعمل على تعزيز الصحة النفسية في سلوك المواطن في مواجهة حالة الكآبة والحزن والالم وضيق الوسع وكبت النفس، وعبر ترقية النفسيات والذوق والمزاج العام وتصحيح الأفكار المغلوطة حول الذات وإدارة المشاعر بطريقة راقية، وإشعال ثورة الايجابية في التعامل مع معطيات ومستجدات فيروس كورونا المستجد (كوفيد19)، دون تشويه للحقائق أو ادخاله في دوامة الشكوك والأوهام، او تضليله بمعلومات كاذبه وأخبار تفتقر للموضوعية وتتجافى مع مصداقية الخبر، وعبر تعزيز فقه حس الانتقاء وحسن الاختيار لمصادر المعرفة التي يستقي منها المواطن معلوماته ويبني عليها أفكاره حول كورونا( كوفيد 19)، وعندها سيضمن المتعلم قدرته على التكيف مع هذه الجائحة ومستجداتها بكل أريحية مع استقرار الوضع النفسي لديه ما دام قد التزم المسار وعمل بالإجراءات وتقيد بالقرارات، وألزم نفسه واسرته المنزل آخذا بكل التوجيهات الصادرة من اللجنة العليا عاضا عليها بالنواجذ ، ليقرأ فيها مؤشرات لانفراج الكربة وزوال الغمة وتحصين النفس من كل الوساوس التي تثار حول الجائحة، ويجد في إدارته لمحطاتها حافزا ذاتيا نحو الوصول إلى هدف تجنيب نفسه واسرته ومجتمعه أي فرصة لانتقال العدوى أو السماح بوصوله إليه، وعليه فإن منظومة الأمان والصحة النفسية التي يصنعها التعليم في ذات الفرد في مقاعد الدراسة، والقواعد والمبادئ التي يتعلمها في سبيل تحصينه من عقده الخوف المشحون بالسلبيات، وسلوك الاحباط الذي تعيشه بعض الاسر نحو أبنائها، وسلوك التذمر والتنمّر والاتكالية وضعف الثقة بالنفس التي تتولد لدى الأبناء في ظل هذا الوضع الذي يقيد حريتهم في الخروج والتواصل مع الأصدقاء باللعب وقضاء الوقت معا.
إن مسؤولية التعليم في تقديم حصانة نفسيه وإنتاج فرص نجاحها في حياة المتعلم؛ مدخل لقدرته في إيجاد مواطن متعلم قادر على المواجهة والتعامل بأريحية مع جائحة كورونا المستجد، في ظل ما يمتلكه من قوة الدليل وشواهد الانجاز، لا يعتريه الوهن والانسحاب والسلبية والخوف من المواجهة، أو النزوع إلى التخلي عن مبادئه وقيمه بمجرد تذمره من الوضع الذي يعيشه، فيصبح مجرد انسان خامل هامل لا يمتلك مهارات الارادة والبحث، والتقصي عن الحقائق واختبار المعلومات التي تصل إليه ، مع أنه في هذه الفترة يمتلك مساحة مرنة أكثر من أي مضى في استغلال وقته في تقييم هذه المعلومات وتصنيفها في ذاته وتفنيد مزاعمها واختبار مصداقيتها؛ فإن المطلوب من التعليم اليوم توفير الممكنات النفسية وترسيخها في حياة المتعلمين ويبرزها في محطات انتاجيتهم وشواهد انجازاتهم ، فيطور من أدوات تشخيصه للسلوك النفسي، ويوفر مقاييس للرصد والتحليل ، وتقليل أثر الاضطراب والقلق، وتوفير المنصات الالكترونية والمبادرات التوعوية والتثقيفية والبرامج الارشادية التي تحاكي الواقع وينشط في تسخير كل طاقاته وقدراته في تقوية رصيد المناعة النفسية وتعريض المواطن لمواقف محاكاة وحالات استثنائية يسهم التعليم في إيجاد حلول لها بحيث يعالجها التعليم بطرائق مختلفة وعبر الحوار والأسئلة والأجوبة او استخدام القصة أو المسرح أو تجسيدها في نماذج تدريسية وتوعوية وشواهد واقعية حية مبتكره.
وأخيرا فإن كان فيروس كورونا ( كوفيد19) قد أحرج مؤسسات التعليم ومراكز البحث العلمي الوطنية في تقديم أصالة بحثية مشهودة وإنتاج أمصال ولقاح وتصنيع أدوات التعقيم وغيرها، فلا أقل من أن يسهم في تخفيف الثقل النفسي عن كاهل المواطن وتعزيز الصحة النفسية لديه من الأوبئة والجوائح والكوارث وبناء حصانة نفسيه قادرة على تمكين المواطن من إعادة صياغة ذاتية لأفكاره وقناعاته وانطباعاته، يعيد خلالها تقريب معادلة التوازن النفسي فيسلوكه اليومي لمواجهة جائحة كورونا ( كوفيد 19).






