لا بديل عن التفاوض إلا التفاوض

يرى الكاتب أن التصعيد بين إيران والولايات المتحدة لن يمنح أي طرف نصرًا عسكريًا حاسمًا، وأن العودة إلى تفاوض صادق بتفاهمات واضحة هي السبيل لإنهاء الحرب.

عن الكاتب

لا بديل عن التفاوض إلا التفاوض
إيران وأمريكا
أثير - الركابي حسن يعقوب
مع دخول موجة التصعيد بين إيران وأمريكا أسبوعها الثاني، لا يبدو في الأفق أي اتجاه نحو التهدئة والعودة إلى التفاوض، وتبدو كل السبل المؤدية إلى التهدئة مغلقة تمامًا وملغومة، والسير فيها محفوفًا بمخاطر جمّة، تمامًا مثل سير السفن عبر مضيق هرمز هذه الأيام.
كلا الطرفين، الإيراني والأمريكي، أصبح يراهن على الانتصار العسكري الميداني، وباتت احتمالات التوصل إلى اتفاق عبر التفاوض خارج حسابات كل طرف، وإن كان الطرف الأمريكي هو الأكثر اعتمادًا على رهان النصر العسكري الميداني المطلق، ويظهر ذلك من حجم التحشيد العسكري والاستعدادات اللوجستية التي يجريها الجيش الأمريكي منذ أيام.
بالمقابل، وعلى الجانب الإيراني، يبدو الإصرار على المضي قُدمًا في خط المواجهة والتصعيد، والاستعداد للانخراط في حرب شاملة مع الولايات المتحدة مهما كانت الكلفة باهظة، أمرًا جليًّا وواضحًا، حيث يرى الإيرانيون أن التعويل على التفاوض مع أمريكا، وقد جرّبوا ذلك ثلاث مرات، هو مضيعة للوقت، ولا يفضي إلا إلى مزيد من الخدع ونقض العهود.
ونظرة فاحصة إلى واقع الحال والسجال بين الجانبين خلال الأيام التسعة الماضية تفيد بأنه ليس بمقدور أيٍّ من الطرفين تحقيق نصر عسكري حاسم على الآخر، ويبدو الأمر أكثر صعوبة على الجانب الأمريكي إذا ما أخذنا في الحسبان أن النصر بالنسبة لأمريكا لا يقف عند حد تحقيق التفوق العسكري الميداني فحسب، بل يشمل أيضًا تحقيق الأهداف التي من أجلها شنت أمريكا الحرب على إيران.
ولتوضيح ذلك، فإنه وفقًا للمعايير العسكرية والإستراتيجية، فإن الطرف المبادر بالهجوم يتحمل عبء تحقيق نصر عسكري ميداني، مضافًا إليه تحقيق الأهداف التي بسببها بادر بالهجوم، وإلا عُدَّ نصره العسكري الميداني منقوصًا. بينما الطرف المدافع، الذي وقع عليه الهجوم، يقع عليه عبء صدّ الهجوم فقط، فإن حقق ذلك اعتُبر منتصرًا، لأن صدّ الهجوم والدفاع عن النفس يصبح هدفًا في حد ذاته. ولما كان معيار النصر النهائي في الحروب هو تحقيق الأهداف، فإن صدّ العدوان يُعد نصرًا.
وبتطبيق هذه المعادلة على طرفي الحرب، إيران وأمريكا، نجد أن الأخيرة هي التي بادرت بالهجوم والعدوان على إيران، وبالتالي عليها عبء مزدوج، وهو تحقيق نصر عسكري حاسم، مضافًا إليه تحقيق أهدافها التي على أساسها شنت هجومها وحربها على إيران.
وعلى الجانب الآخر، نجد أن إيران هي الطرف المدافع والمعتدى عليه، وهذا معلوم بالضرورة ومثبت، وبالتالي فإن عليها عبء صدّ العدوان والحيلولة دون تحقيق أمريكا لأهدافها فقط، وتكون بذلك قد استحقت صفة المنتصر. وبناءً على ذلك، فإن إيران، نظريًا، هي الأقرب إلى تحقيق النصر، بشرط بقاء الأمور على ما هي عليه الآن، وما لم تحدث متغيرات غير منظورة في الوقت الراهن.
وبهذا المفهوم، لا تستطيع أمريكا تحقيق نصر عسكري حاسم، وبالتالي لن تستطيع تحقيق أهدافها السياسية، والسبب ببساطة أن هذه الأهداف السياسية لن تتحقق إلا بناءً على تحقيق نصر عسكري ميداني، وهو ما يبدو بعيد المنال بالنظر إلى المنهجية العسكرية التي تتبعها أمريكا، والتي تقوم أساسًا على القصف الجوي والبحري. أما النصر الحاسم، فيتطلب النزول إلى الميدان بإنزال قوات برية مهمتها حسم المواجهة على الأرض، وإدارة معارك برية، ومواجهة الجيش والحرس الثوري الإيراني وجهًا لوجه، وهي مهمة شبه مستحيلة، ونقطة ضعف مزمنة، ليس فقط للمؤسسة العسكرية الأمريكية، وإنما لجيوش الدول الغربية عمومًا، حيث تقوم عقيدة هذه الجيوش على تجنب المواجهات البرية والقتال على الأرض خشية وقوع خسائر بشرية في صفوف قواتها. ويمثل مشهد توابيت القتلى من الجنود والضباط التي تعاد إلى بلادهم من ساحة الحرب، فضلًا عن المفقودين، صورة مأساوية ذات تأثير مباشر في الأوضاع السياسية في تلك البلدان، وتمثل سبة ووصمة عار تلتصق بمتخذي قرار الحرب. لذلك أصبحت هذه الحالة بمثابة فوبيا تجعل هؤلاء يترددون كثيرًا في اتخاذ قرار المواجهة البرية. وتجد هذه الحالة جذرها التاريخي فيما وقع من خسائر بشرية مليونية في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولا سيما الحرب الثانية، وقد ألقى ذلك بظلاله على الثقافة السياسية والاستراتيجيات العسكرية لدى دول الغرب، فاعتمدت بشكل أساسي على سلاح الجو والقصف عن بُعد، وطورت أدوات وأسلحة ذكية غير مأهولة تُدار إلكترونيًا، مثل الطائرات والزوارق المسيّرة، وذلك من أجل تقليل نسبة الخسائر البشرية في صفوف قواتها.
وتجدر الإشارة هنا إلى ما قاله الرئيس ترامب الأسبوع الماضي في مقابلة له مع قناة فوكس نيوز، حينما سُئل عن احتمالات نشر قوات برية في جنوب إيران، فردّ بالقول: «لا أريد القيام بذلك»، ثم استدرك قائلًا: «أحيانًا نحتاج إلى حملة برية، لكن لدينا من سيقوم بها نيابة عنا».
وقد أثار تلميحه إلى أن هناك من سيقوم بالحملة البرية نيابة عن الجيش الأمريكي تساؤلات عديدة، كونها تشير إلى التلميح باستخدام مرتزقة، وهو خيار كارثي بكل المقاييس، فضلًا عن أنه سيؤدي إلى خسارة أمريكا للحرب، ويضعها على قدم المساواة مع الدول الراعية للإرهاب، بحسب القانون الدولي.
وبالمقابل، فإن إيران هي الأخرى ليس في مقدورها إلحاق الهزيمة المطلقة ميدانيًا بأمريكا بسبب الفارق الكبير بينهما في العتاد، لكنها في الوقت نفسه تستطيع صدّ الهجمات الأمريكية وامتصاصها، وتحمل تبعاتها، والحيلولة دون تحقيق أمريكا لأهدافها السياسية، ويمكنها الصمود لوقت أطول، ولم يعد لديها ما تخشاه بعد كل هذا القصف الذي طال كل شيء فيها، ولسان حالها يردد المثل الشعبي: «الحوت لا يُهدَّد بالغرق».
وبناءً على ما سبق، فإن الخيار الأوحد الذي يمكن أن يكون مثمرًا ومنتجًا بالنسبة للطرفين، ويضع حدًّا لهذه الحرب، هو العودة إلى خيار التفاوض وإلى مائدة الحوار، ولكن ليست عودة كسابقاتها، بل عودة بنية صادقة، ووفق تفاهمات واضحة، وبنود لا تحتمل التناقضات والتفسيرات الخاصة والخاطئة، واحترام التعهدات، والإيمان الراسخ بأن ما لم يحققه التفاوض لن تحققه الحرب، وأنه لا بديل عن التفاوض إلا التفاوض.

شارك هذا الخبر