د. محمد الزّكري القضاعي كاتب بحريني
تتوفر الكتب بكميات كبيرة وبأسعار زهيدة نتيجة تدشين “المطبعة” في المجتمع العربي الأمر الذي أوجد واقعًا مهمًا جدًا. كما أن إنتاج الكتب بأعداد ضخمة في زمن قليل سمح بنشر ثقافة مشتركة بين العرب، والأهم من ذلك هيأ لإيجاد وبث هويات كبرى وهويات وسطى وهويات صغرى وهن المكونات الأهم لخلق الجماعة والمجتمع والدولة.
ولكن صاحَب لحظة اختراع أو تقبل الآلة (قديمًا) إثارات فكرية عربية-إسلامية تناظر وتجادل وتسائل قضية التغيير، لماذا التغيير، ومسار التغيير و ما حجم جرعة التغيير المناسبة؟
ولما لآلة الطباعة العربية من أسبقية تاريخية كأداة مغيـّرة فعـّالة سبقت غيرها من الآلات، وبفعل وصول منتجاتها من العملات النقدية والرسائل والكتب إلى أيادي الناس في المساجد والكنائس والمدارس والكتاتيب والمنازل فقد كانت أول آلة أسهمت بتوعية الجماهير في المجتمع العربي-المسلم بعصر التمدّن. وعليه ستكون هي الآلة التي يتمحور حولها البحث.
المقالة لا تركز على الآلة كحدث مادي علمي في المجتمع لضآلة المادة في هذا الجانب في مشوار النهضة العربية، بل ستتطرق إلى البحث في الآلة كحدث خطابي غير مادي، مثل أن تكون حدثا دينيا يتناوله علماء الدين أو حدثا ثقافيا يتناوله أهل الثقافة أو حدثا سياسيا يتناوله رجال السياسة أو حدثا اقتصاديا يتناوله النخبة.
ولكون خطاب الآلة منبرا تعبيريا فهو موعى لكل جماعة (دينية أو تيار ديني أوثقافي أو سياسي أو اقتصادي) بخصوصيته وعليه سترصد هذه المقالة مدى توغل خطاب الآلة إلى أعماق هوية المعرفة وهوية الإنسان الذي يدور في فلكها.
هوية المعرفة ما قبل الآلة، الشـّفاهيـّة والذاكرة، الكتاتيب وجماهيرية محو الأمية، الخط وارتباطه بالنخبة
بعد نزول الآية القرآنية “اقرأ باسم ربك الذي خلق” فطن العربي المسلم إلى حتمية ارتباطه بالقراءة، والتي تعني وجود الكاتب والمكتوب و القارئ. وبدأ التحول من ثقافة الشفاهية المعتمدة على أدوات الذاكرة والرواية والاستماع إلى ثقافة التدوين المرتبطة مع حراك النبي (صلى الله عليه وسلم) الكريم وأصحابه (رضي الله عنهم) في عملية تدوين القرآن، وسرعان ما ظهرت “الكتاتيب “.
وللكتاتيب دُوْر مهم لمحو الأمية، فقد استخدمت هذه المراكز القرآن العظيم كتابا يتعلم الصبي منه القراءة والكتابة ودينه. بعد عملية محو الأمية ظهرت حوانيت النـّسخ، وهي دكاكين متخصصة في نسخ وتجليد وبيع وتأجير الكتب لتلبية حاجة المتعلمين. وعلى هامش صناعة النـّسْخ تطورت صناعة الورق والحبر والأقلام القصبية.
يمكن للورّاق أن ينسخ ما يقارب 75 صفحة في اليوم، مع أن هذا يبطئ من سرعة نسخ الكتب، فهو أيضًا عامل من عوامل غلائها. وارتبطت الكتابة بالكتاتيب ولكن هناك طبقة الخطاطين وعلينا أن نميز بين الكاتب والخطاط، كما أن الخط العربي ليس فوق علاقات القوة وديناميكية التغيير وبكل اختصار ومنعًا للخروج عن الموضوع علي أن أبين أن كل بروز لنوع خط من الخطوط العربية ارتبط ارتباطًا وثيقا بالتيار الذي يبنى عليه، وكان جزءًا من خطابهم ومشكل لهويتهم ووعيهم الجماعي، واستمرار الخطاب المرتبط بنوع الخط يعد علامة على فاعلية تلك الجماعة في المجتمع وانقطاعه دلالة على أفولهم. ولاستمرار هوية نوع الخط عبر الأجيال ألفت كل جماعة كتبا تبقي على وجودهم. وتحت ذريعة جودة النـّسخ وضع الخطاطون في كتب الخط معايير جمالية توعّي النـّاسخ والقارئ بالمقبولات والمرفوضات الحسيـّة والفنيـّة لهوية ذلك الخط، أي هوية الجماعة. كما ارتبط نجاح الجماعة بإقناع السلطان من ربط هوية الجغرافيا بخط ما، فعرفت بلاد معينة خطًا دون آخر، مثل الخط المغربي أوالأندلسي الفارسي. ومن ثم توطدت هذه المعايير وتأكد بقائهم من خلال عنصر التبجيل في الذهن العربي.
القرن 12م والظهور الأول للآلة في دمشق وتشكيل الوعي العربي في وسط خطابات اقتصادية ودينية وسياسية
وقعت خزانة الديار الشامية تحت ضغط تمويل المقاومة ضد الغزو الصليبي مما دفع دمشق إلى ابتداع نظام مصرفي جديد مرتبط بالآلة، حيث قررت دمشق طباعة النقود الورقية ومقايضتها مع تجار الشام مقابل ما يملكون من ذهب وفضة لتتمكن الدولة من تمويل حروبها ضد الغزاة. طورت العبقرية الدمشقية نظام الطباعة وهي الآلية المعتمد على قوالب خشبية وطبعت النقود الورقية بدقة تجاوزت تفاوت الإنتاج اليدوي، وضمنت سرعة الإنتاج للأعداد الكبيرة المطلوبة (1 )، فطبع أهل دمشق نقود ورقية تسمى القراطيس السود أو العادليةquot; (2) وذلك في زمن السلطان نور الدين زنكي (1118م – 1174م).
تجربة العرب المبكرة للتعامل مع الآلة لم تثر قضية التراث-المعاصرة بل أثارت أسئلة تدور حول مشكلة التضخم المالي، فقد رصد المقدسي ( 3) انعقاد مؤتمر بين التجار والسلطان نور الدين، دارت محاوره حول تراجع قيمة عملة القراطيس أمام قطع الدنانير المعدنية، فطلبوا من السلطان إلغاء التعامل بالقراطيس لكنه رفض لما له من تأثير على قوة الدولة المالية. استمر خطاب تظلم التجار وبسبب غياب مؤسسة مالية تنظم سعر القراطيس في سوق دمشق تحولت القضية المالية إلى قضية دينية. حينها أبدى الشيخ ابن اليونيني (نسبة إلى يونين قرية في الشمال من بعلبك) تخوفه من الظلم الذي يقع بجراء تقلب قيمة عملة القراطيس على الناس. وفي زمن الجهاد الإسلامي لم يسهل على الحكام المؤمنين بقيم الإسلام مخالفة دينهم، فرضخ سلاطين دمشق لمخاوف الشيخ اليونيني، وهو شخصية موقرة عندهم ( 4) وألغيت العملة.
أسهم دعم الدولة للطباعة الآلية في توسيع نطاق تلمس حدث الآلة عند كل بيت وفرد في المجتمع الدمشقي. وفهم العربي الآلة من خلال عدة محاور متنوعة وصلت إلى وعيه من خلال خطاب مالي وديني وسياسي. ويبقى الواضح في الخطابات الآنفة هو غياب مسألة تحريم الآلة أو ربطها بآفة تحطيم التراث أو قيم الماضي.
مباشرة بعد إلغاء دمشق لآلة الطباعة تحولت الآلة إلى مشروع فردي وتضاءل حضورها الاجتماعي. والسبب وراء عدم رَواج الطباعة في العالم الإسلامي هو عثور علماء الآثار على أعداد قليلة فقط من نصوص، حوالي خمسين كتابًا تم طباعتها بواسطة نظام الطباعة بالقوالب الخشبية. وآخر ما عثر عليه هو كتاب ديني مطبوع يعود إلى عام 1350 م وقد عثر عليه قرب مدينة الفيوم المصرية (5. (
من ألمانيا إلى اسطنبول وتأسيس مطابع الأقليات اليهودية
بعد عدة قرون، تحديدا في عام 1450م وفي مدينة ماينز الألمانية Mainz ، اخترع الصائغ الألماني يوهان غوتنبرغ Johannes Gensfleisch طريقة الطباعة بالأحرف المنفصلة أو المتحركة باستخدام النحاس و الفولاذ؛ حيث إنه استوحى فكرته من آلة كبس العنب Weinpresse لصنع آلة كبس كتب Buchdruckmaschine .
بعد 35 عاما من تاريخ ظهور أول مطبعة، أي في عام 1485، أُثير في بلاط السلطان بايزيد الثاني العثماني (1447- 1512) موضوع إدخال الآلة في صلب الثقافة الإسلامية من خلال استيراد المطابع من أوروبا. لكن أبدت مؤسسة المشيخة الإسلامية ( 6) العثمانية (تأسست 1425م) تخوفها من تشييد المطابع العربية بحجة أن المطابع أداة يمكن استعمالها لتحريف القرآن الكريم. الغريب في الفتوى أنها لم تسمح بطباعة الكتب الأخرى وكأنما المصحف الشريف غطاء لمنع شيء آخر. يذكر التاريخ أن فتوى الفقهاء العثمانيين كانت تتخوف من إخراج الآلة لقطاع اليدويين من الخطاطين خارج الطلب حيث ستهمشهم الآلة، بمعنى أن التحريم دار حول ما هو أفضل: صناعة توظف عددا أكبر من الشعب، أم صناعة توظف عددا أقل من الأتراك؟ تحت غطاء خطاب قطع الرزق وتحريف المصحف فهم الأتراك معنى الآلة فأصدر السلطان فرمان (أمرا) يمنع إدخال تقنية المطابع باللغة العربية والتـّركية في جميع أرجاء السلطنة. وخلال عقود قنـّنَ العثمانيون عقوبة الإعدام لمن يطبع من المسلمين الكتب باللغة العربية أو التـّركية وثبـّـتوا ذلك بإصدار فتوى من المشايخ تكفر من يقدم على الطباعة.
في تلك الأثناء برز خطاب فتح الأذرع في الإمبراطورية العثمانية للترحيب بالعرب واليهود الفارين أو المطرودين من إسبانيا.
إسبانيا التي طبقت محاكم التفتيش الدينية (Spanish Inquisition) على العرب واليهود منذ 1478 م إلى عام 1789م. كان أحد الأسبان الفارين من محاكم التفتيش يهودي اسمه صموئيل بن نهمياس، دخل السيد صموئيل في عام 1493 على السلطان بايزيد الثاني وأقنعه بإعطاء اليهود حق تشييد المطابع من باب حفظ دينهم وصيانة هويتهم عن الذوبان. وتحت ذريعة خطاب التسامح فهم التركي دوافع أَجازة السلطان للرعايا العثمانيين من أتباع الديانة اليهودية من الأسبان (السفارديين) إقامة مطابع تطبع باللغات التي يتحدثون بها وهي: العبرية واليونانية واللاتينية والإسبانية. على الفور أسس السيد صموئيل أول مطبعة في العالم الإسلامي وطبع التوراة بالعبرية مع تفسيرها في عام 1494م، وطبع كتابا في قواعد اللغة العبريـّة عام 1495م ( 7). ازداد عدد مطابع اليهود حتى بلغت ثلاث مطابع، وطبعت كتب بعدة لغات في عهد السلطان بايزيد الثاني بلغت تسعة عشر كتابًا. على نهج الاستثناء لليهود سمح العثمانيون المتسامحون للأرمن من تأسيس مطبعة بلغتهم وذلك عام 1565م في مدينة اسطنبول.
المطابع العربية الأوروبية حمـّسها خطاب التواصل الجماهيري مع العرب على الطباعة
على العكس من عقلية رجل الدين المسلم، تقبلت عقلية رجل الدين والمستشرق الأوروبي اختراع المطابع والذي وظـّفـَه لنشر تعاليم المسيحية ولنشر معارف المسلمين بالعربية (لغة النخبة) لتنوير أوروبا. وفي آخر سنة من بابويـّـتِه، فطن البابا بولس الثاني (Pope Julius II 1443 ndash;1513) إلى الإمكانية الجبارة للكتب كواسطة اتصال جماهيرية مع العرب المسيحيين. بعزيمة مثل هذا الخطاب أمر البابا مطبعة مدينة فانوالإيطالية طباعة أول كتاب ظهر باللغة العربية في أوروبا وهو كتاب صلاة السواعي.
توفي البابا بولس الثاني قبل إتمام الطباعة ( 8). فواصل البابا ليون العاشر (1475 ;(1521 Pope Leo X المشروع، وعندما جهز الكتاب في عام 1514م، ولضمان ولائهم للمؤسسة البابويـّة، أمر بتوزيعه حصريا على العرب من الروم الأرثوذكس الشرقيين. أراد البابا ليون مع الملك الفرنسي فرانكو الأول (king François I،1494-1547 ( استعراض تفوق وقدرات الآلة الأوربية (التي تطبع الكتب ليست فقط بسرعة بل أيضا بجودة) على العرب المتفاخرين باليدوية؛ فأمر في عام 1516م بطباعة كتاب مزامير داود وقد طُبع ضمن 50 نسخة فاخرة أهداها القادة العرب لأمراء مسيحيين ومسلمين ( 9.(
شعر العرب المسيحيون بأهمية تيسير نقل المعرفة من خلال الكتب الرخيصة ولتوطيد استقلالية محلية فأنشأوا أول مطبعة عربية في مدينة حمص على يد رجل من آل دباس ثم نشر فيها عام 1706م كتاب الإنجيل مزينًا بصورة الإنجليين الأربعة، وبعد ذلك قامت مطبعة دير الشوير بلبنان وكان باكورة مطبوعاتها كتاب (ميزان الزمان) سنة 1734م.
سمحت فتاوى روما باستشعار الآلة وبتقدير دورها على تخفيض تكلفة نقل المعرفة إلى عامة الناس. سمح هذا التفهم المبكر من ارتباط الطباعة العربية بالمسيحيين العرب ومن خلالهم بدأت الكتب العربية بالانتشار.
1716 م عام إجازة تشييد المطبعة
أسهمت فتوى مفتي الامبراطورية العثمانية زمن السلطان أحمد الثالث (1673- 1736) شيخ الإسلام عبدالله أفندي سنة 1716 م بإلغاء عقبة الحاجز الديني من أمام العقل المسلم بعد أن أجاز المطابع (10). حصل هذا بعد مناقشات قاد مجهودها التنويري إبراهيم مُتـَفرّقـة (1674 1745 مع المفتي. اقتنع المفتي، فأجاز استخدام المطبعة لطباعة كتب الحكمة واللغة والتاريخ والطب والهيئة على أن تتعهد المطابع بعدم طباعة كتب الفقه والتفسير والحديث وعلم الكلام. وعندما لاحظت مؤسسة المشيخة العثمانية انتشار الكتب بين الاسطنبوليين بسبب رخص أسعارها أصدروا فتوى أخرى تجيز طبع الكتب الدينية وآذنوا بطبع وتجليد القرآن الكريم.
1820 م بداية خطاب التنوير العربي الإسلامي المدعوم من قبل السلطة
لم تستنهض فتوى الشيخ عبدالله أفندي المبيحة للمطابع الهمم العربية الإسلامية بنقل تقنية الطباعة إلى العرب، فالبناء الثقافي الذي ينتمي إليه الراغبون في إبقاء الوضع الثقافي كما كان هو الفاعل الأقوى في المجتمع من تلك الأبنية الثقافية الراغبة بتطور العالم الإسلامي. نفوذ نخبة اللاتغيريين الواسع مضافًا إليه غياب سلطان متـَنـَور أدى إلى إقباع مـَلـَكة التفكير العلمي ورغبة البحث التطبيقي عند المسلمين خلف قيود متخيلة تخيلها خطاب. رغم ذلك دخلت المطبعة العربية لأول مرة في مصر عندما استعمرها نابليون في عام 1798م (11). واستخدمها نابليون لطبع إرشاداته لجنده ولتوزيع تحذيراته على الشعب المصري من مغبـّة عصيان أوامره، وفي عام 1801م رحل الفرنسيون ومعهم المطبعة. وهنا، استيقظ المسلمون على حجم قوة تقنية الآلة الأوروبية العسكرية، وعلى سعة براعتهم الإدارية، أدرك العرب أن ممالكهم لن تدوم إلا بامتلاك ناصية القوة التي يمتلكها الأوروبيون. صدمة استعمار مصر نقلت ولأول مرة مهمة الرحلات العلمية من نطاق مجهود الأفراد إلى مسؤولية السلطة. فقامت حكومتا مصر وإيران (التي كانت تراقب بقلق ما حصل في مصر) ببعث خيرة تلاميذهما إلى أوروبا لنقل المعارف ومن ضمنها المطابع.
استوعبت كل من مصر وإيران مدى ارتباط المطابع بالتبشير المسيحي، فبعثت إيران السيد ميرزا صالح شيرازي (ت بعد1841) إلى بريطانيا. تعلم السيد ميرزا سياسة التملق من خلال المشاركة في لقاءات التسامح الدينية مع المسيحيين البريطانيين. كما انخرط في دروس خاصة لتعلم الكياسة الأتيكيت الإنكليزي وأذواق ملابسهم ومأكلهم و فنونهم كما أجاد الإنكليزية بطلاقة. وعاد إلى إيران مع مطبعة عربية\فارسية إلى تبريز في عام 1820م، على صعيد الجبهة المصرية أدرك محمد علي، أيضًا مدى ارتباط صناعة المطابع بالتبشير المسيحي، فأوفد مسيحيًا إلى إيطاليا في عام 1815م لجلب المطبعة مع تقنية تشغيلها، وهو السيد نيقولا مسابكي البيروتي. وعندما عاد، أسس السيد مسابكي أفندي مطبعة في القاهرة وهي مطبعة بولاق التي افتتحت في عام 1820م، كما أسس المسلمون في عام 1820م في مدينة لكناو الهندية مطبعتهم، والتي بالإضافة إلى اللغات الأخرى تطبع بالأحرف العربية (12).
التأثير الحضاري للمطابع بعد 1820 م وتغيير مؤسسات المعرفة في العالم العربي
لقد كانت مطابع القاهرة ، تبريز ولكناو بداية التاريخ الحقيقي للطباعة في العالم العربي والمسلم. فما بدأت هذه المطابع عملها، حتى تلتها مطابع أخرى كثيرة، أدت إلى رخص أسعار الكتب، فقاد ذلك عملية تبدّل ثوري في نظام المدارس، وصار لكل تلميذ كتابه، وأصبح ممكنًا للمدارس أن تعتمد على الكتب المدرسية المطبوعة، مما أسهم في تغيير نظام المدارس، النواة الأولى لظهور المدارس الحديثة.
بعد عام 1820م انكسر ولأول مرة حكر وذوق النخبة المعظـّم للمخطوطة لقيمة جمالها الخطي والمغيب خلف خطاب الجمال طبقة الكتاتيب وأهمية انتشار الكتب جماهيريـّا. أتاح ذلك تساوي قدرة الأقل مع الأوفر حظًا على الوصول إلى الكتب، منابع القوة المعرفية. بحسب ذلك، اتسعت طبقة المثقفين التي مثلت ركيزة أساسية في تحديث المجتمعات العربية المسلمة. لم تقتصر إنجازات هذه المرحلة عند مجال تأليف الكتب والترجمات بل تطورت إلى حراك ينقل معرفة الآلات وعلومها الهندسية إلى العالم العربي مما أدخله في ديناميكية حضارية ذات إيقاع جديد. كما أدى انتشار المطابع إلى ظهور جنس الصحف والمجلات التي تعالج مشاكل العربي الزمكانيـّة مما رفعت من مقدار وعيه وقدرته النقدية للأحداث المعاصرة له.
هكذا أسهمت المطابع بتحرير الشعوب العربية من حكر سيادة اتجاه الرأي الواحد، وأصبح ممكنًا للثقافات المُهمّشة ذات الرأي الآخر (مخالف أو مختلف) من دخول الساحة الثقافية، مما وعـّى العربي بحجم تشعب مجتمعاته وبتعدد هوياته. مشوار جدل التغيير العربي الإسلامي في عصر الآلة مشوار ثري بتنوع معالجته لشؤونه من منظور سياسي وديني واجتماعي ومالي، واللافت هو غياب جدلية التراث المعاصرة عن مسار آلة الطباعة. وكما ولـدت الآلة خطابات غير مادية متنوعة أسهمت في تكوين هوية معرفية مرتبطة بالآلة وبهوية الإنسان الذي يدور في فلك الآلة.
هوامش:
1) للمزيد ارجع إلى كتاب; ندوة تاريخ الطباعة العربية حتى انتهاء القرن التاسع عشر; من نشر مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث; دبي.
2) ذكر إبن كثير في البداية والنهاية، ج13;تعامل أهل دمشق في القراطيس السود العادليـّة ثم بطلت بعد ذلك ودفنت.
3) كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية. تأليف أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي الشافعي.
4) راجع سير أعلام النبلاء للذهبي.
5) للمزيد اقرأ ”الكتاب العربي المطبوع: من الجذور إلى مطبعة بولاق”. تأليف د. خالد عزب و أحمد منصور.
6) رأس الإفتاء في عهد السلطان بايزيد الثاني: مُلا كوراني أحمد شمس الدين أفندي، ثم مُلا عبدالكريم أفندي، ثم جلبي علاء الدين العربي أفندي، ثم أفضل زاده حميد الدين أفندي، ثم زنبيلي علي أفندي.
7);Jewish Journalism and Printing Houses in the Ottoman Empire and Modern Turkeyquot;, Ed. Nassi, G.
8);The First Book Printed in Arabicquot;, by Philip K. Hitti
9) للمزيد أطلع على quot;الكتب العربية المطبوعة في أوروباquot; من نشر مكتبة الملك عبدالعزيز العامة.
10) Arabic and the Art of Printing, by Paul Lunde
11);تاريخ الرسم الصحفي في مصرquot; تأليف ناصر عراق. من نشر دار ميريت للنشر.
12) Journeymen, Middlemen: Travel, Transculture and technology in the Origins of Muslim Printingquot; by Nile Green





