أثير- جميلة العبري
عرفت سلطنة عُمان “البيوت الشعبية” منذ أكثر من 50 عامًا، فمع بداية تولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- الحكم، كان حريصًا على توفير المسكن الملائم لذوي الدخل المحدود، وانتشر مصطلح “البيوت الشعبية” الذي كان يعكس هذا التوجه في أنحاء سلطنة عُمان، بشروط مُيسّرة، فالحكومة توفر الأرض، وتعطي القرض لسنوات طويلة تصل إلى 30 عامًا، وما يزال عدد من هذه البيوت قائمًا حتى اليوم، لتشكل ذكرى لتلك المرحلة، التي بدأ فيها “الإسكان الاجتماعي”.
منذ ذلك الحين، شهد الإسكان الاجتماعي تطورات عديدة، رافقت التغيرات والأحداث المختلفة، وتراكم المعرفة والخبرة، خصوصًا مع ازدياد الطلب على السكن، وتوسع المدن والزيادة السكانية، وتداخل العوامل الاقتصادية، ليبرز السؤال: هل ما نشهده اليوم هو تطوير في الإسكان أم إعادة بناء كاملة لمفهومه؟
من الدعم إلى التخطيط
تكشف بيانات المديرية العامة للإسكان الاجتماعي والمشاريع في وزارة الإسكان والتخطيط العمراني -التي اطلعت عليها “أثير”- أن التحول في هذا القطاع يقوم على مسارين متوازيين: الأول، الاستجابة المباشرة للاحتياج السكني عبر برامج المساعدات، والثاني، بناء منظومة أكثر استدامة قادرة على استيعاب المستقبل، ففي إطار تنفيذ برنامج المساعدات السكنية، بلغ عدد الحالات في عام 2024م نحو 1112 حالة بمبلغ معتمد يقارب الـ 35 مليون ريال عُماني، تم إنجاز معظمها مع استلام 1010 حالات، فيما استمر تنفيذ عدد محدود من الحالات، وتوزعت هذه الحالات على مختلف المحافظات، حيث سجلت شمال الباطنة (139 حالة مستهدفة) ومسقط (105 حالات) والداخلية (110 حالات) ضمن أبرز المحافظات في التنفيذ.
أما في عام 2025م فقد ارتفع العدد إلى 1682 حالة بتمويل يصل إلى 43 مليون ريال عُماني، مع استمرار جزء كبير من الحالات قيد التنفيذ، حيث بلغت الحالات قيد التنفيذ 1148 حالة، مقابل 534 حالة تم استلامها، وتوزعت الحالات بصورة لافتة في شمال الباطنة (239 حالة مستهدفة) وظفار (179 حالة) وجنوب الشرقية (223 حالة)؛ ما يعكس اتساع نطاق الطلب وتنوعه جغرافيًا.
وتعكس هذه الأرقام حجم الجهد والتحول في طبيعة التدخل؛ من دعم محدود إلى برامج واسعة النطاق ترتبط بالتخطيط طويل الأمد، خصوصًا مع توقف الإسكان الاجتماعي في الفترة 2015-2020م.
2026م: مرحلة التوسع المشروط
مع دخول عام 2026م يظهر بوضوح انتقال البرنامج إلى مرحلة أكثر طموحًا، حيث تم اعتماد 1350 حالة بميزانية تصل إلى 50 مليون ريال عُماني، إلى جانب تخصيص 10 ملايين ريال لشراء وحدات جاهزة، و2.5 مليون ريال لأعمال الصيانة، مع الإشارة إلى أن جزءًا من هذه الحالات ما يزال في انتظار توفر المخصصات المالية للبدء في التنفيذ.
توزيع يعكس الأولويات
عند قراءة التوزيع الجغرافي للمشروعات، يتضح أن الإسكان الاجتماعي امتد ليشمل مختلف المحافظات، مع تباين في نسب التنفيذ يعكس خصوصية كل منطقة، حيث تظهر البيانات تفاوتًا بين عدد الحالات المستهدفة والمستلمة وقيد التنفيذ، وهو ما يعكس اختلاف سرعة الإنجاز والتحديات التنفيذية بين المحافظات، ففي عام 2025م مثلًا، سجلت محافظات مثل شمال الباطنة وجنوب الشرقية أعدادًا مرتفعة من الحالات المستهدفة، في حين أظهرت محافظات أخرى توازنًا بين التنفيذ والاستلام، وهو ما يشير إلى اختلاف في طبيعة التحديات بين المناطق، سواء من حيث الكثافة السكانية أو طبيعة الأراضي أو سرعة التنفيذ.
من وحدات إلى مجتمعات
ويمتد هذا التحول إلى طبيعة المشروعات نفسها، فهي أصبحت تجمعات متكاملة تضم: (وحدات سكنية، ومساجد ومجالس، وبنية أساسية متكاملة).
كما في مشروعات مثل:
• إنشاء 45 وحدة سكنية مع مسجد ومجلس بولاية القابل بقيمة تعاقدية تجاوزت 2.4 مليون ريال عُماني.
• إنشاء 14 وحدة سكنية مع مرافقها في ولاية قريات.
• إنشاء 19 وحدة سكنية في وادي بني خالد.
• تنفيذ مشروعات في مناطق نائية مثل جزيرة الحلانيات تشمل إنشاء 20 وحدة وصيانة 32 وحدة سكنية.
كما تُظهر نسب الإنجاز في هذه المشروعات تفاوتًا بين التعاقدي والفعلي، حيث وصل إنجاز بعضها إلى أكثر من 80%؛ ما يعكس تقدمًا ملحوظًا وسرعة في التنفيذ.
استجابة للأزمات
برز دور الإسكان الاجتماعي أيضًا كأداة للتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصًا بعد تأثيرات الحالات الجوية الاستثنائية التي تمر بها السلطنة، ففي محافظة جنوب الشرقية، تم تعويض 349 حالة متضررة، من خلال:
• بناء 97 وحدة سكنية
• شراء مساكن جاهزة لبعض الحالات
• صرف مبالغ نقدية لعدد كبير من المستفيدين
بمعدل يصل إلى 40 ألف ريال عُماني لكل حالة، كما تم تعويض 58 حالة أخرى ضمن مشروعات منخفض المطير بإجمالي 2.03 مليون ريال عُماني، مع توزيع هذه الحالات على عدة محافظات منها شمال الباطنة والداخلية والشرقية.
التحدي الحقيقي: بين التنفيذ والواقع
وضعت الحكومة المواطن نصب الأعين وفي مقدمة الأولويات لتوفير حياة كريمة لجميع فئات المجتمع، على الرغم ما قد تفرضه بعض التحديات التي تواجه تنفيذ بعض مشاريع الإسكان الاجتماعي والمرتبطة بطبيعة المناطق أو آليات التمويل. حيث بعض التحديات لا ترتبط بشكل مباشر بالجهات المنفذة، وإنما تمتد لتشمل جوانب تمويلية أو لوجستية، خاصة في المناطق ذات التضاريس الصعبة، ومع ذلك، تواصل الدولة جهودها لتذليل هذه التحديات، كما في مشروع كمزار بمحافظة مسندم، حيث تم تنفيذ مشاريع سكنية رغم صعوبة الوصول، من خلال شق الطرق واستخدام النقل البحري لإيصال مواد البناء، بما يعكس التزامًا ثابتًا بتوفير السكن الملائم لكل مواطن، بغض النظر عن موقعه الجغرافي، والتحديات التي قد تواجه المشروع في التنفيذ.
وعلى ما نشهده من التوسع في المشاريع الإسكانية، تكشف المؤشرات عن فجوة بين التخطيط والتنفيذ نتيجة تعقيد الإجراءات وتداخل الجهات، فقد أُحيلت بعض المشاريع لمراجعة التكاليف قبل التنفيذ، مثل مشروع مركز صحي كمزار ، فيما تم رفع توصيات بسحب مشاريع أخرى لأسباب فنية كما في مبنى دائرة الإسكان بالمضيبي ، كما يظهر تفاوت في نسب الإنجاز بين التعاقدي والفعلي، مثل مشروع فنس في قريات، إلى جانب بطء التنفيذ في مشاريع أخرى مقارنة بالخطط الزمنية، فيما واجهت بعض المشاريع تأخيرًا بسبب انتظار المخصصات المالية، خصوصًا في برامج الإسكان الاجتماعي، وأدى طرح خيارات متعددة للمستفيدين في مشاريع مثل الطحايم بجعلان بني بو حسن إلى إطالة دورة اتخاذ القرار والتنفيذ.
نموذج جديد
ما يتشكل اليوم في قطاع الإسكان الاجتماعي في سلطنة عمان لا يعتمد على كونه برنامج دعم، وإنما هو نموذج متكامل يعيد تعريف السكن كجزء من الاستقرار الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية، وإدارة المخاطر، فالدولة تعمل على تصميم بيئة قادرة على الصمود والاستدامة، والتكيف، وإيجاد مجتمع متوازن، كما يتضح من إدخال أدوات مثل الأدلة الاسترشادية لإدارة الحالات الطارئة وتمكين الفرق الميدانية من تطبيقها بكفاءة .
ويسعى الإسكان الاجتماعي من خلال عدة مبادرات إلى استدامة المسكن وموارده المالية وغيرها، ومبادرة “صون” التي تسعى الوزارة إلى تدشينها قريبا تسهم في صيانة المساكن بشراكة حقيقية بين المجتمع والقطاع الخاص، إضافة إلى تخصيص ميزانيات للصيانة ضمن برامج 2026م لضمان استمرارية جودة المساكن.
الأهمية الأعمق
تكمن أهمية هذه التحولات في أنها تنقل الإسكان من كونه “خدمة حكومية” إلى أداة تسهم في تقليل الفوارق الاجتماعية، وتعزيز الانتماء للمكان، ودعم الاستقرار الأسري وتمكينه، وفي الوقت ذاته، تضع التخطيط العمراني في عمق الحلول، لا على هامشها.
بنك الخرائط
وفي إطار تطوير أدوات الإسكان الاجتماعي وتوسيع خيارات المستفيدين، برزت مبادرات نوعية رفعت من كفاءة الحصول على المسكن وأسهمت في تسريع الإجراءات، من بينها “بنك الخرائط” الذي يوفر 88 خريطة سكنية متكاملة ومبتكرة مخصصة للمواطنين المستفيدين من برنامج المساعدات السكنية، حيث صُممت هذه النماذج لتكون مرنة وقابلة للتوسع، وتراعي أنماط الحياة العُمانية، إلى جانب توافقها مع اشتراطات البناء المعتمدة من الجهات المختصة، كما تراعي تكلفة البناء بما يتناسب مع قيمة المساعدة السكنية، مع توفير خيارات متعددة لكل تصميم، فضلًا عن اعتمادها على معايير الاستدامة من حيث الإضاءة الطبيعية والتهوية والتشجير، بما يعزز جودة المسكن على المدى الطويل.
مسكني جاهز
كما تأتي مبادرة “مسكني جاهز” لتقديم نموذج مكمل، من خلال إتاحة مساكن جاهزة مطابقة لمعايير الإسكان الاجتماعي، يتم تنفيذها من قبل الأفراد والمقاولين والمطورين، ومن ثم عرضها للمستفيدين، بما يسهم في تسريع حصولهم على مسكن مناسب دون الدخول في مراحل البناء التقليدية، وهذه الخدمة تعزز المشاركة المجتمعية للقطاع الخاص، وتسهم في تنشيط السوق العقاري، عبر خلق خيارات جاهزة ومتنوعة تلبي احتياجات مختلف الفئات المستحقة، وتدعم في الوقت ذاته كفاءة تنفيذ برامج الإسكان الاجتماعي.
هل يكتمل التحول؟
يمثّل قطاع الإسكان الاجتماعي أحد الركائز الأساسية في منظومة التنمية في السلطنة، حيث يتجاوز كونه برنامجًا خدميًا ليكون منظومة عمل متكاملة مرتبط في تنفيذها عدة جهات حكومية وشركاء من مختلف القطاعات، ويعكس هذا التكامل المؤسسي حرص الدولة على توحيد الجهود لتوفير حلول سكنية مستدامة، بما يضمن تحقيق الاستقرار الأسري وتعزيز جودة الحياة للمواطنين في مختلف المحافظات.
ومع استمرار التوسع في البرامج، يبقى التحدي الحقيقي في تحقيق التوازن بين سرعة الاستجابة، وجودة التنفيذ، والاستدامة المالية، خصوصًا مع تزايد الطلب وتعدد المشروعات وتنوعها بين سكنية وخدمية.
هنا تتضح الرؤية التي أساسها الإنسان عبر ما يقدمه الإسكان الاجتماعي؛ فالإسكان ليس فقط مبانٍ تُبنى وتسكن وإنما هي تجربة حياة تتشكل بين التخطيط والإنسان وهويته.





