د.رجب العويسي يكتب: كفاءة التعليم واستحقاقات الشباب العماني في يومه السنوي

عن الكاتب

د. رجب  العويسي
د. رجب العويسي

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏كاتب ومؤلف وباحث

د.رجب العويسي يكتب: كفاءة التعليم واستحقاقات الشباب العماني في يومه السنوي
د.رجب العويسي يكتب: كفاءة التعليم واستحقاقات الشباب العماني في يومه السنوي

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية مجلس الدولة

الشباب في أي مجتمع ناهض ثروة وطنية، وقيمة مضافة، ورصيد ثري، يبعث للإنتاجية والعطاء والتنافسية والإلهام والإبداع والابتكار، وأيّ أمة وضعت الشباب في مقدمة أولوياتها، وأولوية اهتمامها، وركيزة عملها، وسخّرت له كل الفرص والممكنات الداعمة لنجاحه، وفتحت له طرق الحياة ونوافذ الامل وابواب العمل وفضاءات الإنجاز بلا توقف؛ كلما صنع ذلك علامة فارقة في حياة الشباب، واستطاع أن يحقق أفضل مؤشرات الأداء عالميا في كل المجالات، غير أن تحقق ذلك في الواقع وحضوره في استراتيجيات التنمية الوطنية الموجهة للشباب، يرتبط بوجود ممكنات أخرى داعمة لنهضته، ومنطلقات متجددة ترسم طريق القوة ومسار التقدم في أدائه، ويبقى التعليم بوابة الدخول للمستقبل أهم هذه الممكنات في الانطلاقة بالشباب نحو عالم أرحب وفضاء أوسع، ونقل حركة الحياة وديناميكيتها في حياة الشباب وتقوية عنصر الارادة واستنهاض فرص التجديد واستنطاق قيم العمل لديه، فهو المتوقع منه أن يحمل أجندة التطوير ويعيد انتاج الممارسة ويرسم ابجديات العمل، ويجسد أنماط الفكر البناء والروح الداعمة لحياة الشباب وقدرته على العيش في ظرف صعبة ، وينطلق به وبطاقاته ومداركة نحو افاق رحبه يحلق بها في سموات القيم ويبحر به في أمواج الحياة وظروفها ويصنع لحضوره سيمفونية العطاء المتجددة وروح التجديد الواعدة التي لا تقف عند حد ، لذلك كانت النُهُج العمانية للتعليم والشباب قائمة على التكاملية والانسجام، فهما وجهان لعملة واحدة، لا ينفك أحدهما عن الآخر ، إذ لا يُتصور أن ينتج المجتمع شبابا طموحا يمتلك توقعات عالية وفكر مستنير خلاق ومهارات حياتية متنوعة ، ومبادئ وقيم وأخلاقيات في ظل تعليم متدن الأداء غير قادر على مواكبة التحولات ومواجهة التحديات ومعايشة الأزمات والمعطيات، أو قراءة المتغيرات الحاصلة في مجتمعه واعادة انتاجها لخدمة العمل الوطني وتحقيق الجودة فيه، كما أن قوة الشباب ومهاراته والثقافة الأصيلة التي يحملها والأدوات النوعية التي يتقنها والأفكار العميقة التي يصنعها في عالمه المتغير، إنما هي نتاج تعليم عالي الجودة واضح المسارات، متناغم في أهدافه ورسالته، وسياساته وأنظمته وبرامجه.

لقد جاء خطاب المرحلة الذي تفضل به حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه شاملا جامعا، مجسدا هذا التناغم، مؤكدا على دور التعليم في صناعة جيل المستقل وإنتاج القوة فيه، ورفع مستوى توقعاته، وحاثا التعليم ومؤسساته على بذل كل ما في الوسع ليرقى الى طموحات الشباب ويجسد في صميم أولوياته قدرته على نقل الشباب إلى مستوى الطموح والتوقعات، ليس هذا فحسب بل أن ذكر التعليم جاء مقترنا بالشباب، فتحدث عن الشباب باعتباره ثروة وطنية يجب أن تحظى بمزيد من الرعاية والاهتمام ليس بتوفير الاحتياجات والمتطلبات وعبر الاستماع اليهم وتلمس احتياجاتهم والوقوف على تطلعاتهم وتجسيد شغف العطاء لديهم فحسب؛ بل أن يكون للشباب حضوره الفاعل في استراتيجيات التنمية وموقعه الحيوي في أبجديات بناء الدولة العمانية المعاصرة، وهو ما يمكن أن يولّده التعليم عالي الجودة في تعزيز الوعي وترسيخ الفهم وبناء القدرات وإنتاج القدوات الشبابية التي تنهض بإرادة هذا البلد وعبر الاهتمام بقطاع التعليم بمختلف أنواعه ومستوياته وتوفير البيئة الداعمة والمحفزة للبحث العلمي والابتكار والتمكين باعتباره الأساس الذي من خلاله سيتمكن أبناء عمان من الإسهام في بناء متطلبات المرحلة المقبلة، وهي مرحلة تستدعي المزيد من الجهد في الأداء التعليمي المبتكر في ظل التحديات الفكرية والاقتصادية والمالية وتحديات الأمن الاجتماعي وانتشار الجريمة والتنمر الاجتماعي وقضايا المخدرات والتنمر الحاصل في منصات التواصل الاجتماعي وحالة الإحباط والكبت والضيق والضغوطات النفسية والفكرية التي تلقى على كاهل الشباب وقضايا الباحثين عن عمل والمسرحين ومخرجات العلوم الاجتماعية والإنسانية وغيرها من الأمور التي تستدعي دورا اعمق للتعليم في طريقة طرحها والتعامل معها والية تنفيذها والقيم التي يغرسها والأفكار البناءة التي يؤسسها في فكر الشباب وقناعاته، وتضع مؤشرات الحالة العمانية التعليم أمام خيار استراتيجي يجب أن يثبت قدرته على التعامل معها وتبني مبادرات وطنية مستدامة موجهة نحو الشباب، إذ حضور الشباب العماني ما زال يشكل رقما صعبا في التركيبة السكانية للسلطنة، فهو مجتمع فتي يمثل فيه الشباب والأطفال (الأقل من 29 سنة) الشريحة الأكبر، بحوالي ثلثي السكان العمانيين وما نسبته (65%)، كما تمثل فئة الأطفال ( الأقل من 5 سنوات) لوحدها أكبر الفئات حيث بلغت (15%)، وبالتالي حجم ما يطرحه ذلك على التعليم من مسؤوليات في صناعة انموذج حضاري عماني تبنيه إرادة الشباب وروحه المفعمة بالحيوية وشغف المبادرة وحب المخاطرة والدخول في موقع التجريب بالشكل الذي يضمن بناء مواطن المرحلة وإنتاج الشباب العماني الحاذق بظروفها ومعطياتها، مرحلة يعيد فيها التعليم ترتيب اولوياته وتصحيح أوضاعه، وتوجيه ممارساته وتوفير القوة والاعتماد لبرامجه، ونقل المحتوى التعليمي من الدوران حول ذاته وفجوة الواقعية في أجندته ومفرداته؛ الى ان يكون الشباب محور عمله وركيزة اهتمامه، بحيث يمتلك القوة التحفيزية والالهامية التي تصنع للشباب استحقاقات المستقبل، مستفيدا من جائحة كورونا( كوفيد19) مدخلا له في صياغة تعليم المرحلة الذي يثق فيه الشباب ويعبر عن إرادتهم وبعكس طموحهم، بما يؤسس فيهم روح المسؤولية وحس الإرادة.

وتبقى استحقاقات احتفال السلطنة بيوم الشباب العماني السادس والعشرين من أكتوبر، مرهونة بمستوى التناغم والتكامل الوطني في قراءة ملف الشباب والدخول في أعماقه، ورصد المتغيرات والظروف التي باتت تؤثر سلبا على انتاجيته، أو تصنع فيه ثقافة مضادة قد يكون لها انعكاساتها على مر الوقت، ومعالجة الاجندة التي ما زالت تقف حجر عثره في تحقيق أحلامه وبلوغ أمانيه، والتقدم الذي يحققه التعليم في الوقوف على واقع الشباب وإعادة انتاجه في ظل المؤشرات الصحية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والفكرية وقضايا الامن الاجتماعي والجريمة والباحثين عن عمل والتي باتت تدق ناقوس الخطر، وما تبرزه الاحصائيات من أن (74%) من الباحثين عن عمل في السلطنة هم من فئة الشباب الواقعة بين(15-29 ) سنة، حيث يشكل الذكور ما نسبته (37%)، في حين تشكل الاناث( 63%)، وهي مؤشرات باتت تلقي بظلالها اليوم على كفاءة التعليم وقدرته على صناعة الفرص وإنتاج الوظائف وتخريج شباب يمتلك المهارات اللازمة لسوق العمل الوطني؛ مؤشرات تصنع للتعليم صورة ذهنية إيجابية واقعية في فقه الشباب العماني الواعد في قدرته على إعادة انتاج واقعهم المأمول والوفاء لطموحهم المنظور.

شارك هذا الخبر