د.سعود الفارسي: خمسينية عُمان الذهبية

د.سعود الفارسي: خمسينية عُمان الذهبية
د.سعود الفارسي: خمسينية عُمان الذهبية

سعود الفارسي

في الليلة المباركة، ليلة الثامن عشر من نوفمبر هذا العام، “تُشْعِلُ” سلطنتنا الحبيبة شمعتَها الخمسين، معلنةً من جانب عن انقضاء خمسين عامًا من عمر نهضتها الحديثة؛ لتضاف هذه الخمسون إلى آلاف السنين من عمر هذا الوطن العزيز، تلك النهضة الضاربة بجذورها وأطنابها في عمق التاريخ، وعبر مراحله المترامية، ولتؤكد من جانب آخر استمرار هذه النهضة دائمًا، وأبدًا بإذن الله.

وعلى خلاف السنوات الماضية، يأتي هذا العيد مختلفًا، من عدة أوجه: أهمها أن مؤسس نهضة عُمان الحديثة، الذي رأينا موكبه لآخر مرة، ونحن نقف مع أبنائنا على الطريق لتحيته، وهو متجه إلى قاعدة سعيد بن سلطان البحرية لرعاية الحفل العسكري قبل سنة تقريبًا – قد رحل، وعلى خلاف الكثيرين، فإنني إلى اللحظة، لم أستطع كتابة مقال واحد في رثائه، وتأبينه ، فرغم مرارة وعمق الحزن، وفظاعة ألم الفقد الذي شعر به الجميع: الصغير قبل الكبير، لم يحملني قلمي، ولم تسعفني كلماتي، ولغتي على الكتابة آنذاك، ولعلي في مقامي هذا أتمثل ما كان قد قاله الشاعر النابغة الذبياني في موت حصن، حيث قال:
يقولونَ حِصْنٌ ثُمَّ تَأبَى نُفوسُهُم … وَكَيفَ بِحِصْنٍ وَالجِبالُ جُموحُ


وَلَم تَلفِظِ المَوتَى القُبورُ وَلَم تَزَل … نُجومُ السَماءِ وَالأَديمُ صَحيحُ
وذلك ليقيني بأن السلطان قابوس- طيب الله ثراه- ليس مجرد إنسان، وسلطان، بل لأنه قد كان وطنًا بأكمله، والأوطان لا تموت، بل تظل ماثلةً في القلوب، مزهرة في الأفئدة، وأنه قد كان، ولا يزال نجمًا ساطعا في سماء عُمان، وفي قلب كل عُماني على أرض هذا الوطن العزيز، ومعلوم أن ضوء النجوم لا يخفت، ولا يأفل ؛ لذلك ، فإن قابوس كان وما يزال ، وسيظل بيننا بسيرته، وحسن مسيرته، وأبوته، وكلماته التي لا، ولن ينساها له شعبُ عُمان الوفيُّ الكريمُ .


د.سعود الفارسي: خمسينية عُمان الذهبية
د.سعود الفارسي: خمسينية عُمان الذهبية

وفي المقابل، يأتي هذا العيد، وعُمان على مرمى حجر من بداية رؤية 2040 م، وما تتطلبه هذه الرؤية من تغييرات جذرية في الكثير من الفلسفات، والمعطيات، والحقائق، والمسلمات، والمفاهيم، ناهيك عن الأزمة الاقتصادية، وما ألقتْ به من انعكاسات، وآثار على الوضعين: المالي، والاقتصادي للدولة، يضاف إلى ذلك كله التحديات السياسية الكبيرة التي تشهدها المنطقة، فهذا العيد أتى في خضم زحام شديد من التحديات، لكنْ، وباذن الله، وبقيادة السلطان هيثم بن طارق، وهو من توسم فيه السلطانُ الراحل – طيب الله ثراه- كل الخير، ووصَّى به، ستبحر سفينة الوطن في هذا البحر الواسع ذي الأمواج المتلاطمة بتحدياتها العاتية، وباتزان كبير بفضل قيادة قبطانها المعظم، وبتجديف العُمانيين سَوِيَّةً معه بشكل منتظم، وبصدق، وتناغم كبير- ستصل تلك السفينة إلى مراسي الخير، ومرافئ النعم، ومواضع السؤدد، وشواطئ الاستقرار، فالتاريخ البحري لعُمان، تلك الامبراطورية المترامية الأطراف، وما شهدته من أحداث تاريخية جسام، ومقاومة للأعداء، ودحر للغزاة، وما قام به الملاحون العمانيون العظام، كأحمد بن ماجد، وغيره قد أثبت التاريخ لهم بكل فخار وعزة أنهم كانوا ولا يزالون ملوكًا للبحار، وأن أمواج البحر وإن اشتدت، وأن رياحه مهما عَتَتْ، فهم قادرون على تجاوزها.

نعم، إن عُمان لا تطفئ الشموع، بل تشعلها شمعةً تلو أخرى؛ لتنير العالم حُبًّا، وتملأه إخاءً ووُدًّا، وسلامًا، وعطاءً، فعُمان طالما كانت هي القِبلة التي تَحُجُّ إليها الأمم؛ طلبًا للوساطة، وسعيا للتهدئة، وحلًّا للخلافات، فهي صديقة الجميع، وهي بحق للجميع خير مَهْدٍ، وأكرم وطن.

وفي الأخير، إنها رسالةٌ لما وراء الوعي، رسالة إلى قابوس الخالد: أنِ اطمئنَّ، وطبْ في مرقدك، فعُمان بخير، فقد أبهرتَ العالم بعميق حنكتك، وسديد فكرك المتقد قبل رحيلك، وأبهرتَهم بشكل أكبر بعد رحيلك، فهيثم السلطان، هو خير مؤتمنٍ على عُمان.

شارك هذا الخبر