د. رجب بن علي العويسي – خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة
التعليم في حياة الأمم والمجتمعات مساحة أمان للعيش في ظل معطيات واقع متغير، بما يحمله من رسالة الوعي ونهضة الخلق ومسيرة البناء والتطوير وتجسيد روح التغيير ممارسات تمشي على الأرض، فيحقنها بأنسولين الحياة وجمالياتها ويضفي عليها نكهات الإيجابية والتفاؤل والذوق ورقي المشاعر ، إنه وقفة تأمل والتقاط الأنفاس لصناعة الحياة في ثوبها المتجدد، وتحريك النوازع والأفكار والاستعدادات والتفاعلات الداخلية لتخرج للواقع في صورة منجزات وعطاء مستمر وعمل دؤوب، ورابطة مجتمعية يتشارك الجميع في تقاسم مسؤوليتها، ورسم معالمها، وتحقيق أجندتها.
وفي ظل ما يعيشه العالم من أحداث جائحة كورونا ( كوفيد 19) التي غيرت المشهد العالمي وأعادت إنتاجه، وكشفت عن مواطن القوة وجوانب الضعف وأولويات التطوير والتحديث في حياة المجتمعات والدول، وغيرت من قواعد العمل العالمي والثقافة المجتمعية، وأعادت تصحيح الكثير من الأفكار والعادات والقناعات والمسلمات والخصوصيات التي تعيشها الشعوب، وفي ظل هذا الواقع المتغير والأحداث المتسارعة والظروف المتباينة، ولما كان التعليم الطريق لبناء فكر الأجيال وتعزيز ثقافتهم حول ذواتهم وواقعهم والحياة والآخر، في ظل ما يلهمهم إياه من بصيرة الوعي وحسن الخلق وبناء الذات وصدق الضمير واستشعار قيمة الحياة في ظلال الإيمان والسلام والأمن والوطن، وما يجسده فيهم من قيم التفاؤل والإيجابية ويغرسه فيهم من حب العمل والإنجاز والاجتهاد والمبادرة، لذلك تتجه الأنظار إلى دور التعليم كبوابة المستقبل وجسر عبور لمراحل الحياة وتطور المجتمعات وعبر دوره في تثبيت دعائم العمل ومرتكزات البناء وترسيخ معالم التحول في ثقافة الأجيال وهندسة السلوك الاجتماعي بما يتناغم مع طبيعة التحولات وحجمها بما يحفظ للأوطان هيبتها وقوتها ومكانتها وللإنسان كرامته وأمنه.
ولمّا كانت عمان تعيش مرحلة انتقالية في نهضتها المتجددة، ومسيرتها التنموية المتواصلة، وتشهده من تحولات في مناحي الحياة المختلفة، ورؤية إصلاحية تقف على الكثير من المحطات والأدوات والغايات والأهداف والخطط والاستراتيجيات غيرت المشهد الوطني وأضافت عليه الكثير من التوجهات، في ظل مراجعات للكثير من الجوانب الحياتية سواء ما يتعلق منها بالمنظومة الإدارية والتنظيمية والهيكلية للجهاز الإداري للدولة أو المنظومة الاقتصادية والمالية والاستثمارية والثروات والموارد وضبطها وتقنينها، أو البنية التشريعية للدولة ودستورها ممثلا في النظام الأساسي للدولة والمواد التي أضافها فيما يتعلق بنظام الحكم في عمان ومبادئ العمل الموجهة لاستراتيجيات الدولة ، أو ما يتعلق ببيئة العمل والمجتمع الوظيفي والحقوق والواجبات الوظيفية وصناديق التقاعد، أو كذلك ما يتعلق منها بالمواطن العماني والقناعات والطموحات والاحتياجات والأولويات والتوقعات في قراءة المشهد الوطني واستيعاب التغييرات المتسارعة التي يشهدها، موجهات وعناصر تشكل ثقافة مواطن المرحلة؛ بحاجة إلى دور أكبر للتعليم في تهيئة المواطن لهذه الظروف والتعامل مع هذه التحولات وترسيخ فقه الحياة والعيش في الظروف الصعبة وتوجيهه إلى محطات الأمان والسلامة والاستقرار في مواجهة حالة التبعثر الفكري التي يواجهها والتشتت المعرفي الذي يعيشه في فهم ما يجري من حوله أو إدراك كيفية التعاطي مع هذه الأحداث، وكيف يكسبها المزيد من الثقة في ظل انتظار تلمس نتائجها ومستوى قربها من توقعاته وطموحاته، وسيناريوات العمل الجديدة التي تُطرح حول مستقبل العمل الوطني، بما يعني مسؤولية التعليم في إيصال حقيقة ما يجري للمواطن، فيبصره بدوره ومسؤولياته نحوها، والابعاد الوطنية المعبرة عن هوية الانسان العماني وخصوصيته التي يجب أن يجسدها في شخصيته وأفكاره وتعاملاته وعلاقاته وتفسيراته للأحداث لتنعكس إيجابا على استيعابه لها وطريقة مشاركته فيها أو قدرته على تفسير مدلولاتها وحدود التعامل التي يرسمها، لضمان مساهمته الفاعلة فيها ومشاركته في تحقيق نواتجها والوقوف على تفاصيل العمل ومحطات النجاح، كل بحسب طاقاته واستعداداته.

وتبقى مسؤولية التعليم في إعادة انتاج ثقافة مواطن المرحلة، وفق مبادئ ومنهجيات واطر واستراتيجيات عززتها التشريعات والقوانين وحفظها النظام الأساسي للدولة الصادرة بالمرسوم السلطاني ( 6/2021)، الطريق لإلهام الأجيال فقه التطوير ومحطات التجديد، ويقف بهم على خارطة الطريق ورؤية عمان 2040، وعبر مناهجه وآلياته وأدواته واستراتيجيات التدريس، مستفيدا من الرصيد الحضاري والإرث الحضاري لعمان، والنطاق الشعبي الذي يعمل فيه، والحس المجتمعي الذي يتقاسمه وله حضوره في كل بيت وأسرة ، ليحرك فيهم روح التغيير ويبصرهم بخطوات الأداء، ويبين لها تفاصيل العمل ومحطات العمل في صورة مكبرة واضحة المعالم صافية غير مبهتة ولا تحتمل التأويلات والتفسيرات الجانبية التي أصبحت تفقدها بصيرتها وترفع هاجس القلق والخوف لدى المواطن حول مستقبله، وهو بحاجة اليوم في ظل معطيات هذا الواقع إلى من يأخذ بيده ويرسى به على بر الأمان ويقدّر دوره ويعظم من قيمة صبره وتحمله، ويضمن وصوله لحقوقه، ويستفيد مما يطرحه من أراء أو يبديه من استغاثات عبر منصات الاعلام المختلفة، من يصنع لخياراته القوة ولحضوره الأهمية، في مواجهة ما يعيشه من تباين في التصريحات الرسمية، وتعدد وجهات النظر المفضية إلى كثرة اللغط والتدخلات في حياة المواطن المعيشية، فهل سيبادر التعليم في قراءة المشهد الوطني – الذي ضيّع الاعلام بريقه واسكت صوته ، ليأتي التعليم – نافذة المواطن المفترضة – فيعيد انتاجه من جديد، ويجسده في أنموذج تعليمي ينقل الأجيال إلى مرحلة القوة والفهم في استيعاب ما يحصل من تحولات في مسيرة العمل الوطني ، فيعمل على تأطيرها وبنائها وإعادة هندستها بأسلوب مهذب وذوق عال يستوعب المواطن أحداثه ويتفاعل مع قضاياه.







