حين تبتعد الروح: كيف نعود إلى الله؟

عن الكاتب

أحمد الشبيبي
أحمد الشبيبي

استشاري علاقات أسرية

حين تبتعد الروح: كيف نعود إلى الله؟
تبتعد الروح: كيف نعود إلى الله؟
أثير: أحمد بن عبدالله الشبيبي
خبير الاستشارات الاسرية
وردني سؤال يحمل في كلماته ألمًا وأملًا: كنت قريبًا من الله، محافظًا على عبادتي، ثم ابتعدت ووقعت في بعض الأخطاء، فكيف أعالج الفتور الإيماني؟
ولعل أول ما ينبغي قوله إن الفتور الإيماني حالة قد يمر بها الإنسان، ولا تعني أن الخير قد انطفأ في قلبه أو أن طريق العودة قد أُغلق أمامه. إنها فترة من الضعف أو الابتعاد تحتاج إلى فهم أسبابها، ثم البدء في رحلة هادئة للعودة إلى الله.
والبشارة الأولى لهذا الإنسان أن شعوره بالألم بسبب البعد، ورغبته الصادقة في الرجوع، وسؤاله عن الطريق؛ كل ذلك يدل على أن الخير ما زال حيًا في قلبه. فالقلب الذي مات لا يتألم، أما القلب الذي يشتاق إلى العودة فقد خطا بالفعل أول خطوة فيها.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. تأمل قوله: يجد الله غفورًا رحيمًا؛ فالله سبحانه لا يغلق بابه في وجه العائدين، ولا تتغير رحمته بسبب تأخرنا أو تقصيرنا. نحن الذين نبتعد، فإذا عدنا وجدنا الباب مفتوحًا، والرحمة واسعة، والمغفرة أقرب مما نظن.
إن أخطر ما يواجه الإنسان بعد الذنب ليس الذنب وحده، بل الفكرة التي تهمس له: لقد ابتعدت كثيرًا، ولم تعد صالحًا للعودة. وهذه الفكرة مدخل من مداخل اليأس؛ لأن الشيطان يريد من الإنسان، بعد أن يوقعه في الخطأ، أن يمنعه أيضًا من التوبة. ولذلك فإن أول العلاج هو أن نصحح نظرتنا إلى أنفسنا: أنا لست إنسانًا انتهى، بل إنسان تعثر ويستطيع النهوض من جديد.
لكن الرغبة وحدها لا تكفي، ولا بد من خطوات عملية تساعد على الثبات.
أولى هذه الخطوات أن يحدد الإنسان ”باب الوقوع“: من أين يدخل إليه الضعف؟ فقد تكون المشكلة صحبة تجرّه إلى الخطأ، أو محتوى يراه عبر وسائل التواصل، أو فراغًا طويلًا، أو علاقة مؤذية، أو ضغطًا نفسيًا، أو مقارنة مستمرة بالآخرين، أو إسرافًا يدفعه إلى المال الحرام.
إن معرفة الذنب مهمة، لكن معرفة الطريق المؤدي إليه أكثر أهمية. فبدلًا من أن يسأل الإنسان نفسه: لماذا أنا ضعيف؟ يسأل: متى أضعف؟ وأين؟ ومع من؟ وما المشاعر التي تسبق وقوعي؟ بهذه الأسئلة ينتقل من جلد الذات إلى فهمها، ومن الشعور بالعجز إلى القدرة على تغيير البيئة والأسباب.
والخطوة الثانية هي ألّا يؤخر التوبة انتظارًا للحظة مثالية. بعض الناس يقول: سأتوب عندما تتحسن نفسيتي، أو حين أتخلص نهائيًا من الذنب، أو عندما أستطيع الالتزام الكامل. والحقيقة أن التوبة ليست جائزة يصل إليها الإنسان بعد أن يصبح قويًا، بل هي الطريق الذي يستمد منه القوة.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل. فكل لحظة فرصة جديدة، وكل عودة صادقة لها قيمتها، ولو تكرر بعدها التعثر. وليس المطلوب أن تضمن أنك لن تخطئ مرة أخرى، وإنما أن تكون صادقًا في توبتك الآن، وأن تعود كلما ضعفت.
أما الخطوة الثالثة فهي العودة المتدرجة. لا تحاول أن تستعيد في يوم واحد كل ما فقدته خلال أشهر أو سنوات؛ لأن البدايات الثقيلة كثيرًا ما تنتهي سريعًا. ابدأ بالقليل الذي تستطيع المداومة عليه: صلاة في وقتها، أو صفحة من القرآن، أو دقائق للاستغفار، أو ركعتان في جوف الليل، أو صدقة يسيرة، أو ترك سبب واحد يقودك إلى الذنب. فالثبات على القليل يبني علاقة مستقرة، بينما الاندفاع المؤقت قد يصنع شعورًا جديدًا بالفشل.
والخطوة الرابعة أن تبحث عن صحبة صالحة تعينك ولا تدينك؛ إنسان يذكّرك بالله بمحبة، ويأخذ بيدك من غير تعالٍ، ويمنحك مساحة للنمو من غير أن يختزلك في ماضيك. فقد كان عبدالله بن رواحة رضي الله عنه يقول لأصحابه: ”تعالوا نؤمن ساعة“. والإنسان يحتاج دائمًا إلى من يشاركه الصلاة والذكر والعمل النافع وخدمة الناس؛ فالإيمان يقوى بالبيئة التي تحتضنه.
ولا ينبغي أن نغفل الجانب النفسي؛ فقد يكون الفتور الإيماني مرتبطًا بالاكتئاب، أو القلق، أو الإنهاك النفسي، أو الوسواس القهري الديني. وفي هذه الحالات لا يكفي أن نلوم الإنسان على ضعف إرادته، بل يحتاج إلى فهم حالته وطلب المساعدة المتخصصة، مع المحافظة على علاقته بالله بحسب استطاعته. فالعلاج النفسي لا يعارض الإيمان، وإنما قد يزيل ما يحول بين الإنسان وبين الطمأنينة والعبادة المتوازنة.
وفي النهاية، لا تجعل علاقتك بالله محكومة بصورة مثالية لا تسمح بالضعف. نحن بشر نُقبل وندبر، ونقوى ونضعف، لكن الفرق الحقيقي ليس بين من يخطئ ومن لا يخطئ؛ بل بين من يحوّل خطأه إلى إقامة دائمة بعيدًا عن الله، ومن يجعل كل تعثر بداية لعودة أصدق.
فإذا كنت تتألم من بُعدك وتشتاق إلى الرجوع، فلا تقل: هل يقبلني الله؟ بل قل: ما الخطوة التي أستطيع أن أبدأ بها اليوم؟ لقد بدأت العودة منذ اللحظة التي اشتاق فيها قلبك إلى الله؛ فانهض بهدوء، واقترب خطوة بعد خطوة، ولا تيأس مهما تكرر التعثر؛ لأن باب الله لا يُغلق في وجه من عاد إليه.

شارك هذا الخبر