كيف يمارس التعليم مسؤولياته الأخلاقية في تصحيح تجاوزات الواقع؟

يرى المقال، المنشور عام 2022، أن التعليم مطالب بموازنة التأهيل لسوق العمل مع بناء القيم والوعي والرقابة الذاتية، وتعزيز قدرة الطلبة على قراءة الواقع والتفاعل معه.

عن الكاتب

د. رجب  العويسي
د. رجب العويسي

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏كاتب ومؤلف وباحث

كيف يمارس التعليم مسؤولياته الأخلاقية في تصحيح تجاوزات الواقع؟
Atheer - أثير

أثير – د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتربوية في مجلس الدولة

أثير –
د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتربوية في مجلس الدولة

أدى الصراع المحموم على المصالح  الاقتصادية واستحواذها على درجة كبيرة من الاهتمام، إلى إقصاء التعليم من الواقع الاجتماعي وعلاقته بتفاصيل حياة الشباب والمجتمعات اليومية النفسية والعاطفية والفكرية، وقراءته  في إطار  اقتصادي بحت. وأسهم التركيز على المواد العلمية والمناهج المهنية  المعززة لاقتصاد المعرفة، والوظائف والتنويع والاستثمار وإنتاج مخرجات تمتلك مشروعاتها الاقتصادية، إلى اختزال دور العلوم الإنسانية والاجتماعية  في قدرة مخرجاتها على شق طريق المستقبل والحصول على الوظائف والقيام بدور محوري في تشكيل ملامح المجتمع الوظيفي القادم، الأمر الذي انعكس على مستوى الاهتمام  بدور التعليم كممارس قيمي أصيل، وموجه أخلاقي مؤثر، وكيان حضاري لحفظ ثوابت الشعوب وقيم المجتمعات ومبادئها وأخلاقها،  بما انعكس سلبا على  حياة الطالب وتصالحه مع نفسه وتعايشه مع الآخرين،  والافتقار إلى  المسارات الإنسانية والعاطفية والروحية والتواصلية في ظل جشع المادة، وأنانية الذات، وفوقية المصالح،  والسباق المرير على  تأمين المستقبل، وما ارتبط بهذا الأمر من  بروز قوي لدور المنصات التواصلية، وأصحاب المعلبات الفارغة  وما يسمون بمشاهير التواصل الاجتماعي( مشاهير الغفلة) ، في بث أفكارهم  للأجيال، وتأثرهم  بهذه المنصات التواصلية، في ظل تنوع الطرق وأساليب الاقناع المؤثرة التي يستخدمها هؤلاء في ترويج أفكارهم بين أوساط الشباب والمراهقين، الأمر الذي أدى  إلى  ارتماء الكثير منهم في أحضان المنصات التواصلية، وإغلاق آذانهم وأبصارهم عن أي مصادر معرفية أخرى، في إشارة إلى حالة  الإدمان التي يعيشها الكثير من الشباب المراهقين والأطفال  مع هذه المنصات.

وأسهم  انحسار اهتمام التعليم بالبعد الروحي والفكري  والعاطفي المعزز لبناء الأخلاق ونهضة القيم إلى اتساع انتشار الكثير من  الظواهر السلبية في أوساط المجتمعات وفئات الشباب كنتاج للسباق الاقتصادي المحموم أو غيره من المستجدات التي أوجدت  فجوة فكرية بين مجتمع الشباب والواقع الاجتماعي، انعكست سلبا على حياتهم اليومية وقراءتهم للواقع وتقديرهم للأمور المرتبطة بظروف المعيشة وسوق العمل وضغوطات الحياة، وما ارتفاع مؤشرات الجرائم الاقتصادية والواقعة على المال العام من حيث جرائم  الاختلاس للمال العام، والتزوير، والغش، والرشوة، والتدليس والاحتكار، والمعاملات الربوية  وغيرها من الممارسات، والظواهر السلبية كالتنمر والإحباطات والتذمر، إلا جزء يسير من معطيات هذا الفراغ  الروحي ونواتجه، والتي كانت بحاجة إلى ثورة  أخلاقية  للتعليم تنتشل الأجيال من مأزق السقوط، وحالة الغرق التي يعيشها كثير منها في وحل  الأفكار التحريضية  العلمانية والنسوية والشذوذ الجنسي والمثلية وغيرها من المفاهيم المتداولة  على ألسنة الشباب والمراهقين،  فيعمل  على إعادة هندسة السلوك الاجتماعي، وتقوية الروح الايمانية والرقابة الذاتية، وصحوة  الضمير، وحقنه بهرمون  المبادئ والقيم والأخلاقيات في  تجاوز مهاترات الواقع وغوغائيته، وتراكمية الاحداث السلبية، والمنغصات التي  باتت تلقي بظلالها على حياة  الشباب وتوجهاته، وقدرته على السيطرة على أفكاره والمحافظة على  مبادئه وهويته وقيمه وأخلاقه.

ومعنى ذلك أن اتجاه التعليم نحو تعزيز المسؤولية الأخلاقية ورسم معالمها في الأجيال لم يعد اليوم سلوكا وقتيا، أو حالة مزاجية ترتبط بظرف معين، بل استحقاقا وجوبيا للأجيال والمجتمعات، يمارسه التعليم بإرادة وإخلاص وثقة في التزام مناهجه وعناصره بالأساليب والممكنات  الداعمة لذلك،  فانطلاقة التعليم نحو تنمية القدرات العليا والابتكار والإجادة والعالمية، واتجاهه نحو سوق العمل، وصناعة الإلهام في شخصية الطلبة ، والمحافظة على  سلامة مبادئهم ورفع سقف التوقعات لديهم ، بحاجة إلى  نهضة الروح وسلامة المبدأ ونهر الأخلاق الذي يعمل على  احتوائها ونقلها من  مرحلة الخمول إلى إعادة إنتاج الحياة فيها، مع المحافظة على منظومة الدوافع والقدرات والاستعدادات والرغبات، ورفع سقف  الطموح مرتفعا بما  لا يفقد الأجيال ثقتها بنفسها، أو  حضورها الفاعل في منصات المبادرة،  وميادين المنافسة أو قدرتها على  ابتكار مستلزمات وحلول الواقع.، وعندها تصبح المسؤولية الأخلاقية للتعليم جسر عبور ممتد، ومحطة اتصال مستمرة تربط الأجيال بتاريخهم وتراثهم وعقيدتهم وهويتهم ومجتمعهم، مع الاحتفاظ بحقهم في قراءة المستقبل والتعبير عن إرادتهم نحوه، وإبداء رأيهم فيه، وإثبات بصمه حضورهم في كل تفاصيله، بما يضمن تحقيق معادلة التوازن في  صناعة الإنسان، ورفع درجة الاستحقاق الممنوحة له بما ينعكس إيجابا على حجم ما يتركه من مآثر على أرض الواقع.

من هنا نعتقد بان مسؤولية التعليم اليوم أن يسلك مسلك التوازن في تأصيل البناء الفكري للأجيال، بما  لا يفقد الأجيال ثقتهم فيه، أو التزامهم نحوه، بل يشعر فيه مجتمع الطلبة بأن التعليم نقطة التحول في بناء شخصية المتعلم التي تدفعه لمعرفة حقوقه، والتعبير عن إرادته، والإفصاح عن أولوياته واهتماماته بكل حرية وثقة، ويضعها في قالب تطبيقي عملي يتجاوز السطحيات، مترفعا عن كل الأنانيات والصيحات التي باتت تتجه إلى إثارة الفرد وإحداث خلل في تفكيره أو تحاول أن تصنع لها مسارا آخر في ظل القوالب الفارغة، وصيحات الإعلانات والموضة والتقليد والسوشل ميديا وغيرها،  وفي غياب الرقابة الاسرية، والتأثير المباشر للوالدين، فإن ما يحصل من تشوهات حول صورة الاخلاق والقيم والمبادئ والالتزام والعفة والستر واحترام كينونة المرأة كإنسان له حقوقه ومنزلته ومكانته بين العالمين، من قبل  بعض قنوات الاعلام ووسائط التواصل الاجتماعي والصورة السلبية الأخرى التي تصل إلى المجتمعات حولها،  تستدعي اليوم دورا محوريا للتعليم  يفند فيه هذه المزاعم، ويصحح خلاله هذه النظرات السلبية الضيقة، ويفتح فيه الآفاق للأجيال للدفاع عن حقوقها المشروعة في الحياة ، وتمكين فرص التأمل والبحث  والتحليل في قراءة ما يحصل في العالم من تناقضات تتجه بالأجيال إلى السطحية في  التفكير، والتضييق عليه، وتعميق الأثرة والأنانية والتفكير السلبي لدى الشباب  في ظل اقناعهم نحو البحث عن مصالحهم الشخصية، ونظرتهم للكبار وغيرهم من أصحاب الشركات والأموال أو من يكلفون بمناصب قيادية من وزراء ووكلاء ومن في حكمهم.

أخيرا هل سيخرج  التعليم  من عباءة السطحية والتكرار وعقدة الجراثيم التي تستهلك موارده وثرواته وكفاءاته، إلى الدخول في العمق البشري، وإدارة  تفاصيل السلوك الطلابي، بحيث يستوعب ما يقدمه في مناهجه ومحتواه وبرامجه، ليسمو بذات الانسان،  ويعيش التفاعل الروحي فيه، ويجسد مبادئه الايمانية واخلاقه الرفيعة، ويصحح ما علق  في ذهنه من أدران الشكوك والاوهام والخرافات ، ليصنع  في الأجيال فارق السلوك، ويبني فيهم قوة التأثير، وثورة الذات ورقيها،  واسلامها وسلامها، واخلاقها ومبادئها، لتتجاوز سطحية الواقع ، وتسمو فوق كل صيحات التغريب والفقد القيمي والأخلاقي؟.

شارك هذا الخبر