د. رجب بن علي العويسي
مع القناعة بأن التعليم والهّوية وجهان لعملة واحدة وهي بناء الإنسان الواعي وصناعة الوطن القوي، كون التعليم العنصر الأهم في تشكيل الهوية وإنتاجها وإخراجها وإنباتها نباتا حسناً، فإن قوة الهوية تظهر في كفاءة التعليم وقدرته على إنتاج الواقع، إذ كلما استطاع التعليم أن يضع الهوية والقيم والأخلاقيات في أولوياته وفلسفة عمله وجسدت مناهج التعليم ذلك؛ كلما تمكنت الهوية الوطنية في نفوس أبناء الوطن واستقامت ركائزها وتأصلت قواعدها في ممارساته وارتبطت بكل تفاصيل حياته، غير أن الواقع الاجتماعي ونكوص الممارسة التعليمية إلى التكرارية والسطحية يجعل من تأثير التعليم واقعيا ليس بالمستوى المطلوب في ظل علامات الاستفهام التي تطرح حول قدرة التعليم على صناعة الهوية وترسيخ القيم وبناء القدوات وصناعة القدرات عملا لا قولا، وممارسة وفكرا لا شعارات ومشروعات وقتية، ذلك أن ما تفصح عنه حالات التكدس وطوابير الانتظار من مخرجات التعليم الباحثين عن عمل أحد هذه المؤشرات التي تعكس هذا الواقع، كما أن حالة التباين والتناقضات التي تعيشها الممارسة التعليمية والتنازلات المستمرة عن تكريس لغة القيم والهوية في المناهج، أو كذلك في تنازله عن مسؤولياته في التنشئة الأخلاقية للمتعلمين، وتركيزه على إجراءات التعليم أكثر من موجهات التربية، وإهماله الظاهري للتربية الأخلاقية والاجتماعية للنشء معطيات أفصح عنها الواقع التعليمي أدت إلى فصل الممارسة التعليمية عن الواقع وتغريب الطالب عن قيمه وأخلاقياته ومبادئه، ليضع التعليم أمام علامات استفهام كبرى في قدرته على تصحيح فجواته وإعادة ترميم بنيانه وهيكلة واقعه.
على أن هذه الفجوة التي كرّستها الممارسة التعليمية تأخذنا إلى طرح تساؤلنا العميق: إلى أي مدى تسهم أهداف التعليم في تعزيز الهوية الوطنية ودعم الهوية الثقافية، وتعميق الإحساس بالانتماء والمواطنة؟ ومع الإيمان بأن فلسفة التعليم في سلطنة عمان التي أعيد إصدارها في عام 2017 بما حملته في مصادرها ومبادئها من مرتكزات وموجهات كونها مرجعية وطنية تستهدف توجيه مؤسسات التعليم نحو تبني أفضل الآليات والإستراتيجيات التي تؤسس لتعليم عالي الجودة، وقد بنيت على جملة من المصادر من بينها: المصدر الخامس (المجتمع العماني خصائصه واحتياجاته وطموحاته) قد أعطت الهوية العمانية حضورا وأهمية في مبادئها، حيث ورد في المبدأ الثاني من الفلسفة: الهوية والمواطنة، جملة من الأهداف المرتبطة بتعزيز الهوية في التعليم، من خلال اللغة العربية، والعقيدة الصحيحة، والتاريخ العماني، والانتماء العربي والإسلامي، والتراث الحضاري لعمان، وحس المسؤولية، وقيم المشاركة، والاهتمام بالأسرة، والأصالة والمعاصرة وغيرها من الممكنات الداعمة لتجسيد الهوية في واقع الممارسة التعليمية، إلا أن واقع الأمر يبدوا على عكس هذه الطموحات، فإخراج هذه النصوص ونفخ الروح فيها بحاجة إلى أدوات وبرامج ومسارات تصنع لها الحياة في الواقع، الأمر الذي يفترض أن تعكسه العمليات الإطارية في مؤسسات التعليم بحيث تتجسد ممارسة عملية في دور المعلم ونمط التدريس وأساليبه والمناهج الدراسية والبرامج والأنشطة وعمليات إدارة التفاعل اليومي، وثقافة الصف والمدرسة والجامعة، تطبيقا لا قولا، وترغيبا لا تنفيرا، ونماذج عمل ومبادرات جادة لا شعارات أو مشروعات وقتية، وهو الأمر الذي يعد غائبا إلى حد ما عن الواقع التعليمي.
وبالتالي ما تعنيه كفاءة هذا الدور نحو تعظيم الهوية كفعل وممارسة تعليمية وتشريع وطني من الحاجة إلى إعادة هيكلة نظام التعليم بحيث يقف على معطيات الواقع الاجتماعي الذي يعيشه ويعمل على ترسيخ الهوية من خلال التأكيد على قيم المواطنة ومقومات الانتماء والاعتزاز باللغة العربية كمرتكز لهذه الهوية، ومفتاح للوعي بها، بما يعني سد فجوة النقص في الهوية الوطنية والتغريب الحاصل لدى النشء بها أو في إدراك معالمها وإتقان تفاصيلها، من حيث تطوير المناهج الدراسية، وتعزيز كفاءة المحتوى القيمي والاجتماعي والإنساني والأخلاقي والوطني والبيئي على مستوى التعليم العالي والمدرسي، بحيث يصبح عاملاً معززّاً للهوّية لا مشكّكاً فيها حافظا لها لا متجاوزاً لقواعدها وتشريعاتها، وأن تعاد عملية تقييم المناهج الدراسية وفق معايير الكفاءة والكفاية والاحترافية والابتكارية لتقترب من الواقع وتتجه للتطبيقات العملية والممارسات التأملية وتجيب عن التساؤلات العميقة الناتجة عن المؤثرات السلبية التي يتلقاها المتعلم من خارج المنظومة التعليمية أو داخلها، وتبرز في مواقف محاكاة ونماذج عملية لتجديد الولاء الوطني كمدخل أساسي للهوية الوطنية، وتحصين أبناء الوطن من المناهج الخفية التي باتت تضع المتعلمين في حلقة مفرغة ومعلومات مغلوطة بما تبثه فيهم من قلب المفاهيم وازدواجية المعايير والتشكيك في الهوية.
ولمّا كان التعليم يمثل ركيزة بناء شخصية المواطن وصقلها وتهذيبها ووضعها في المسار الآمن لتساهم بدورها في عمليات التنمية الوطنية الشاملة كل في مجاله وإمكانياته، وفي ظل ما يفرضه الواقع العالمي الجديد من تحولات اقتصادية واجتماعية ودخول التقنية والمنصات التفاعلية في خط المواجهة وما ترتب عليها من تحديات انعكست على ارتفاع الفاقد التعليم ودور المنصات التواصلية التي سلبت النشء خصوصيته وتأثره بالأفكار التحريضية والتنمر وغيرها، يضع التعليم أمام مسؤولية تبني أفضل الممارسات في سبيل الحفاظ عليها والجاهزية في التعامل مع الأخطار التي تهددها وأسباب ذلك، ورصد مواطن التميّز والقوة في الهوية العمانية التي شكلت خصوصية المجتمع العماني، والعمل على إحيائها ومراقبتها ورصدها وتنقيتها من الثغرات والشوائب، وجعلها حية ناصعة نابضة في نفوس الطلبة يفتخرون ويتفاخرون بها، بما يؤكد أن ثمة استحقاق وجوبي على مؤسسات التعليم أن تتحمّله في استنهاض بيئة تحفيزية منتجة تعيد النشء إلى هويتهم الوطنية، كما تعيد إنتاج الهوية العمانية من جديد بالاستفادة من حجم الفرص التي أتاحتها التقنية والبرامج المحوسبة والمنصات الاجتماعية والمحتوى الرقمي التفاعلي.
أخيرا فإن الهوية العمانية امتداد تاريخي للمشروع الحضاري العماني في بناء المستقبل وتحقيق أحلام العمانيين وطموحاتهم، لصناعة اقتصاد المعرفة، وحماية قواعد السلم الاجتماعي في مواجهة تحديات الأمن الاجتماعي والجريمة وغيرها، فإن تعاظم الظواهر السلبية والممارسات المشوّهة لصورة الهوية العمانية وأخلاقيات الإنسان العماني والتي قد يكون التعليم أحد مسبباتها، يؤكد على أهمية الالتفات إلى الهوية العمانية في ظل التحوّلات التي يعيشها المجتمع العماني الاقتصادية والاجتماعية وما فرضته جائحة كورونا (كوفيد-19) من واقع اجتماعي جديد ينبغي الاستفادة منه في تأطير لغة الهوية وترسيخ معالمها وترقية النماذج الوطنية المعبرة عنها سواء ما يتعلق منها باللغة العربية أو المشتركات القيمية والمؤتلفات الإنسانية، كما أن تصحيح الممارسة التعليمية وتقييمها في ظل فلسفة التعليم وأهدافه ورؤية عمان 2040، الطريق للحفاظ على مستوى التوازنات والثقة في التعليم خاصة في ظل ما يظهر من تجاوزات تمارس باسم التعليم ومناهجه عبر إدخال محتواه في دوامة التناقضات وازدواجية المعايير، الأمر الذي سيكون له تبعاته على جودة التعليم، والاعتراف المجتمعي به، ومن ثم فقدان الثقة في المؤسسة التعليمية وامتداد أثر ذلك على علاقة النشء بوطنه ومبادئه ورموزه. حفظ الله عمان وجلالة السلطان.




