الدواء أم المصنع؟ كيف أعاد “كوفيد-19” تعريف الأمن الدوائي في سلطنة عُمان؟

تنتقل سلطنة عُمان من إدارة نقص الدواء وقت الأزمات إلى بناء قدرة صناعية ولوجستية متكاملة، مدعومة بـ20 مصنعًا وعقود شراء ومخزون استراتيجي للطوارئ.

الدواء أم المصنع؟ كيف أعاد “كوفيد-19” تعريف الأمن الدوائي في سلطنة عُمان؟
الأمن الدوائي
رصد-أثير
متابعة-جميلة العبرية
حين بارك جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه، خلال ترؤس اجتماع مجلس الوزراء أمس، مقترح تأسيس تجمعات صناعية متخصصة في الصناعات الدوائية والأجهزة الطبية في المناطق الاقتصادية والمناطق الحرة، كان الهدف المعلن واضحًا ويتجلى في “تعزيز الأمن الدوائي الوطني، وتوطين الصناعات الدوائية والطبية الحيوية”. ويفتح تأسيس هذه التجمعات سؤالاً استراتيجيًا:

في وقت الأزمات، أيهما يحمي الدولة أكثر، أن تمتلك مخزونًا من الدواء، أم أن تمتلك القدرة على صناعته؟

الإجابة على هذا السؤال ربما بدأت تتشكل قبل ستة أعوام، عندما أغلقت جائحة “كوفيد-19” الحدود، وأربكت حركة الطيران والشحن، ووضعت الدول أمام حقيقة لم تكن حاضرة بالقوة نفسها قبل 2020م، حيث حينها كان وجود المال لا يعني بالضرورة القدرة على شراء الدواء إذا كان المصنع في دولة أخرى، والنقل متوقفًا، والدول المنتجة تحمي احتياجاتها المحلية أولًا.

حين اهتزت سلاسل الإمداد

في مارس 2020، كانت وزارة الصحة تؤكد أن سلطنة عُمان تمتلك مخزونًا جيدًا من الأدوية المنقذة للحياة والمعدات والمستلزمات الطبية، لكن البيان نفسه يكشف حجم التحدي الذي واجه العالم، فقد ارتفع الطلب العالمي بصورة كبيرة، وتعطلت المسارات الجوية والبحرية والبرية، وأوقفت بعض الدول مؤقتًا تصدير أدوية ومستلزمات طبية معينة.

كيف تعاملت سلطنة عُمان مع ذلك؟

تحركت على أكثر من مسار، استخدمت المخزون الاستراتيجي، وعملت على تعزيز الكميات الموجودة، والبحث عن مصادر توريد بديلة، وربطت المخازن المركزية بنظام آلي لمتابعة الكميات، كما نقل سلاح الجو السلطاني العُماني شحنات من المعدات والمستلزمات الطبية من الصين، في وقت كانت فيه المنافسة الدولية شديدة على الاختبارات والكمامات والأجهزة والمستلزمات الطبية.
إذًا لم تكن تجربة سلطنة عُمان خلال الأشهر الأولى للجائحة قصة “نفاد للأدوية”، فالمصدر الرسمي (وزارة الصحة) أكد وجود مخزون احتياطي، لكنها كانت اختبارًا فعليًا لمدى اعتماد الأمن الصحي على سلاسل إمداد تمتد خارج الحدود.
وفي أبريل 2020، وصل النقاش الخليجي نفسه إلى ضرورة إنشاء مصانع للمستلزمات الطبية لمواجهة الأزمات المستقبلية، فيما أكد معالي د. أحمد السعيدي، وزير الصحة في تصريح آنذاك أن الأزمة أثبتت أن الأمن الصحي لا يقل أهمية عن أشكال الأمن الأخرى، مع اتجاه إلى زيادة تصنيع بعض الاحتياجات الصحية داخل سلطنة عُمان.

انتهت الجائحة ولم تنتهِ المشكلة

الآثار لم تختفِ بانحسار الجائحة، ففي عام 2023 أوضحت وزارة الصحة لـ“أثير” أن اضطرابات التصنيع ونقص المواد الخام وارتفاع أسعار الطاقة وتراكم الإجراءات الطبية المؤجلة بعد “كوفيد-19” أسهمت في استمرار الضغط على الإمدادات، وقد تصل مدة توريد بعض الأصناف إلى أكثر من ثمانية أشهر.
والأرقام كانت أكثر وضوحًا، فوزير الصحة ذكر أن يونيو 2022 شهد نقصًا في نحو 214 دواء من أصل 1200 دواء، قبل أن ينخفض الرقم لاحقًا إلى 90 ثم إلى 54 دواءً وقت التصريح في 2023، فيما قالت الوزارة إن نحو 95% من الأدوية الأساسية والمعتمدة كانت متوفرة وفق تقرير مارس 2023.
وكان أحد التشخيصات التي أعلنتها الوزارة آنذاك مباشرًا هو الاعتماد الكبير على الاستيراد وغياب التصنيع المحلي لعدد من الأدوية يمثلان جزءًا من المشكلة، وهنا أصبحت الحاجة قائمة نحو الانتقال من شراء الدواء حين يحدث النقص، إلى ما يمكن أن نصنعه في الدولة قبل حدوث النقص.

من ثلاثة مصانع إلى منظومة أوسع

في الفترة التالية، بدأت خريطة التصنيع تتغير، ففي يناير 2023 افتُتح مصنع “فيلكس” للصناعات الدوائية في المنطقة الحرة بصلالة باستثمارات معلنة تقارب 150 مليون دولار أمريكي (نحو 58 مليون ريال عُماني) للمشروع، مع خطط لإنتاج أكثر من 100 صنف دوائي وتطوير قدرات للصناعات الدوائية والبيولوجية.
وفي سبتمبر 2024 افتُتح مصنع ظفار للصناعات الدوائية في مدينة ريسوت الصناعية باستثمار يتجاوز 15 مليون ريال عُماني وعلى مساحة 22 ألف متر مربع، متخصصًا في المحاليل الوريدية ومحاليل الغسيل الكلوي، بطاقة معلنة تبلغ 15 مليون كيس من المحاليل الوريدية و2.3 مليون عبوة لمحاليل الغسيل الكلوي سنويًا.
كما أصبح مصنع “ميناجين” للصناعات الدوائية في الرسيل جزءًا من قاعدة التصنيع المحلية، وظهر ضمن المنشآت التي زارتها وفود صحية دولية في عام 2025 للاطلاع على التجربة العُمانية في التصنيع الدوائي.
وفي أبريل 2026 افتُتح مصنع “عز الدوائية” بمدينة نزوى الصناعية، مع تركيز على منتجات من بينها المحاليل الوريدية، وربطت وزارة الصحة المشروع صراحة بتقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز استدامة سلاسل التوريد في الظروف الاعتيادية والطوارئ.
وتشير أحدث البيانات الرسمية إلى وجود 20 مصنعًا للأدوية والمستلزمات الطبية تدعمها وزارة الصحة، موزعة بين 7 مصانع للأدوية، ومصنعين للمواد الخام الدوائية، و11 مصنعًا للمستلزمات الطبية، إلى جانب مصانع أخرى قيد الإنشاء، كما سجلت الشركات الوطنية 389 مستحضرًا دوائيًا وفق بيانات وزارة الصحة.

المصنع يحتاج إلى مشترٍ

لكن إنشاء المصنع وحده لا يضمن الأمن الدوائي، فمصنع بلا طلب مستقر قد لا يستطيع الاستمرار اقتصاديًا، لذلك ظهرت خطوة أخرى في فبراير 2025، عندما وقعت وزارة الصحة اتفاقيات للشراء المسبق مع ستة مصانع محلية، شملت منتجات مثل الأدوية القابلة للحقن، وعلاجات الأمراض الوراثية والاستقلابية وأمراض الدم، والأدوية الحيوية، والمحاليل الوريدية ومحاليل الغسيل الكلوي.
وفي عام 2025 ارتفعت قيمة مشتريات وزارة الصحة من الشركات الوطنية بنسبة 150% لتصل إلى 18.65 مليون ريال عُماني، كما ارتفع عدد أصناف الدواء العُمانية المشتراة بنسبة 105%، وفق بيانات الوزارة المنشورة في 2026.
وهذا التحول مهم، لأن الأمن الدوائي لا يبدأ عند بوابة المصنع وينتهي عند خروج العبوة، إنما يحتاج إلى دورة متكاملة تبدأ بالبحث والتطوير والمواد الخام والتصنيع، وتمر بالتسجيل والشراء والتخزين والنقل، وتنتهي بوصول الدواء إلى المريض.

من المصانع المنفردة إلى “تجمعات دوائية”

وهنا تظهر دلالة التوجيه الأخير، فالمرحلة المقبلة لا تقوم على إنشاء مصنع هنا وآخر هناك، وإنما على بناء تجمعات صناعية مترابطة، فالمرحلة الأولى تتضمن مدينة صلالة للصناعات الدوائية والطبية بمساحة إجمالية تتجاوز مليون متر مربع، موزعة بين المنطقة الحرة بصلالة ومدينة ريسوت الصناعية، إضافة إلى منطقة متخصصة في مدينة خزائن الاقتصادية تتجاوز مساحتها 500 ألف متر مربع، حيث أن الهدف المعلن هو جمع التصنيع والتخزين والتوزيع والتصدير والخدمات المرتبطة بالصناعة ضمن منظومة واحدة.
وكانت الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة قد عقدت في يوليو 2026 ورشة متخصصة لبحث الاستثمار في الصناعات الدوائية والأجهزة الطبية، بما في ذلك تحديد حلقات سلاسل القيمة ذات الأولوية ونماذج الحوافز لجذب هذه الصناعات، ما يشير إلى أن التجمعات الجديدة تأتي ضمن عمل بدأ قبل الإعلان الأخير.

هل المصنع أهم من الدواء؟

ربما تكشف تجربة السنوات الست الماضية أن السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة، فالدولة تحتاج إلى دواء موجود اليوم، ومخزون يكفي للطوارئ، ومصنع يستطيع الإنتاج غدًا، ومواد خام لا تنقطع، وعقود شراء تجعل المصنع قابلًا للاستمرار، وشبكة لوجستية قادرة على إيصال المنتج عند تعطل طرق الإمداد الخارجية.
ولهذا رفعت وزارة الصحة مخصصات المخزون الاستراتيجي للأدوية والمستلزمات الطبية إلى 10 ملايين ريال عُماني، مع الاحتفاظ عادة باحتياطي يغطي قرابة ثلاثة أشهر من استهلاك الأصناف الحيوية والمنقذة للحياة، فبعد “كوفيد-19”، لم يعد الأمن الدوائي يُقاس بعدد علب الدواء الموجودة في المستودع في يوم معين، وإنما بقدرة الدولة على الصمود عندما تتعطل السلسلة التي أوصلت تلك العلبة إليها.
ومن هنا يمكن قراءة التوجه الأخير نحو التجمعات الصناعية بأنها مرحلة الانتقال من إدارة نقص الدواء عند الأزمات، إلى بناء قدرة صناعية ولوجستية تقلل احتمال وقوعه من الأساس. وهنا يظهر سؤال يمكن أن يقود المرحلة المقبلة:
إذا كانت السلطنة قد بدأت ببناء المصنع، فكم من احتياجاتها الدوائية الحرجة تستطيع أن تنتج محليًا إذا تعطلت سلاسل الإمداد العالمية مرة أخرى؟
المصادر

شارك هذا الخبر