الروائي العربي واسيني الأعرج يكتب عبر “أثير”: زُولِيخَا… الذِّئْبَةُ الحَمْرَاء

يروي النص ذكريات الكاتب عن زوليخا التي توفيت في نوفمبر 1960، مستحضرا طفولتهما في القرية، واستشهاد والدهما، والتهجير، والعمل في بناء البيت بالطين.

عن الكاتب

واسيني الأعرج
واسيني الأعرج

روائي وأكاديمي جزائري

الروائي العربي واسيني الأعرج يكتب عبر “أثير”: زُولِيخَا… الذِّئْبَةُ الحَمْرَاء
الروائي العربي د.واسيني الأعرج

أثير- الروائي العربي واسيني الأعرج

كانت أختي زوليخا (ة) تسمى ” الذئبة الحمراء” لكونها حميراء” البشرة وذكية.
كانت هنا، ثم فجأة، انسحبت في عمر الشوق، سبع عشرة سنة فقط، عمر النور والحماقة. هل جرب أحدكم أن يترك الحياة وينسحب على رؤوس أصابعه، في صمت وخذلان في القلب؟
كانت زوليخا نوارة القرية، بعينين واسعتين صافيتين، تميلان نحو خضرة غابية، وشفتين بنعومة حبات الكرز، لا تغادرهما الابتسامة، ووجه يشبه صباحا ربيعيا من صباحات القرية وهي تستيقظ من ليلة هادئة. تقف بصرامة في وجه من يظلمها بحدة حتى يكاد خداها المنمشان ينفجران من شدة الحمرة والغضب.
كنت أخاها الصغير وكانت دليلي في الحياة.
بسبب حمرة بشرتها سماها الأهل، وعمي “رمضان” الذي كان يطلق النعوت على كل أبناء العائلة، التي ترسخ لا أدري بأي سحر: la louve rouge الذئبة الحمراء. كلما رايتها تركض أو تدافع عن حقها، أو اصرخ، شعرت بأن التسمية تركب عليها تماما.
شيء واحد وقفتْ أمامه زوليخا مشدوهة، استشهاد والدي تحت التعذيب. فقدت قدرة على الكلام. فجأة أصبحت الذئبة الحمراء، حمامة مقصوصة الجناحين.
ظلت عيناها تدوران في الفراغ. لا لغة لأمي إلا البكاء.
لا أعتقد أنها شفيت من فقدان والدي.
نحن في شتاء 1959. العواصف تهز كل شيء، حتى الأرواح. عمري خمس سنوات. سُحب كل سكان المداشر من مساكنهم. أجبرنا الاحتلال على ترك بيوتنا. قضينا حوالي السنة في الخيام في “القعدة”، المرتفع الصغير الذي تحول اليوم إلى مقبرة. كان الاحتلال الفرنسي قد انتهى من مشروع خط موريس وشال وتحويط المنطقة كلها بالأسلاك الشائكة المكهربة والملغمة، التي تعزل القرية وتجعلنا سجناء المكان في الخيام.
بعد شهور عديدة من الإقامة في المخيمات حيث ولد أخي عزيز تحت العواصف حتى كادت الخيمة تطير بنا وبعزيز وبأمي، ميراث ابي الأخير قبل استشهاده، سمح للسكان المرحّلين بالبناء بالحجر والطين لمن استطاع إلى ذلك سبيلا. لم يكن مهما شكل البناء. استقامته واعوجاجه. المهم أربعة حيطان وسقف.
كانت البيوت وقتها طبيعية. تبني بالطين “البغلي” والحجارة الكلسية “تيفكرت” المتوفرة بكثرة في المنطقة والتي كان يخرجها من تحت التراب عمي شقرون، الرجل الصلب الذي يشبه صخوره التي كان يفتتها ويكومها ويعيش ببيعيها. تُسقف البيوت بأعمدة الأشجار “العريش والكريش والصفصاف” ثم القصب، وتوضع فوقه نبتة المرامان الخضراء التي تلتصق في اليد مخلفة رائحة قوية، تشبه الزفت. تلتصق بالقصب بسهولة، عندما توضع فوقها كتل التراب الأبيض الممزوج بالتبن. تبدأ بعدها عملية “التمليس” بحيث تسوى عجينة التراب الأبيض على الحائط تسمى العملية “التقورير”. للتراب الأبيض عندما يختلط بالماء مخلفا رائحة زكية.
كنت كل صباح أرافق أختي زوليخا لجلب التراب الأبيض من “القعدة”. تقوم باكرا. تشمر على ذراعيها. وتسحبني وراءها.
– يا الله يا لزعر الحمصي (الأشقر)، برك من الرقاد.
ثم نصعد إلى القعدة. هي تسير وأنا على ظهر الحمار.
نصل إلى البئر، وهو المكان الذي يوجد فيه التراب الأبيض. تتهيأ زوليخا ثم تبدأ في الحفر. من حين لآخر تبكي. تمسح وجهها تاركة علامات البياض على خديها بسبب التربة العالقة. أقترب منها. أشعر بأنفاسها المتقطعة ودمعها، وتمتمتها العميقة.
“آه يا خويا العزيز. لو كان بابا حي، ما تركنا نتعب بهذا الشكل”
ثم تعود إلى الحفر بقوة أكثر.
منذ استشهاد والدي تحت التعذيب، في سجن “السواني”، نحف جسمها، وزاد خوفها على الرغم من جرأتها الزائدة.
كانت زوليخا تحب مضغ العلكة باستمرار. كان يأتي به عسكري سنيغالي يقول إنه مسلم، وإنه هو أيضا ضحية، وإنه ينتظر متى يُسرّح من الجيش الفرنسي، ويغادر المكان.
زوليخا تواصل الحفر بقوة أكثر حتى يغيب صوته تحت ضربات الفأس.
لا ترفع رأسها وكأنها لا تريد أن تسمع شيئا.
في الأخير، يسلمني العسكري السنيغالي علبة العلكة، وهو يقول منبها بلكنة إفريقية:
– Attention ce n’est pas pour toi seulement, partage avec ta sœur.
(انتبه. ليست لك وحدك فقط. اقتسمها مع أختك)
ثم يعود إلى مكان حراسته، بمحاذاة الأسلاك الشائكة. وقبل أن أتناول العكلة الأولى من العلبة في غفلة من زوليخا المنهمكة في حفر التربة البيضاء، تقفز أمامي بعد أن ترمي الفأس جانبا.
– استنّ يا وحد الشيطان. واااش راك دير؟ “على كرشه يخلي عرشه”. آكل أنا أولا، إذا شفتني طحت، أة سقطت بكلي، تأكد أن العلكة مسمومة، انتظر.
ثم تفتح العلكة الزهرية الطويلة، وتنزع عنها غلافها الورقي الأخضر. تأتيني رائحتها الشهية، ثم تضعها في فمها. تمضغها بسكون وهدوء وتلذذ، ثم تسمح لي بأخذ واحدة.
تمسح وجهها من العرق، ثم تعود إلى حفر التربة البيضاء “البياضة”
نملأ عيني الخرج ونعود إلى البيت، ندفع بالحمار المثقل دفعا.
تغربل أمي التربة في “الشباك” فتنزل ناعمة صافية من وراء الشباك. تقول أمي هذه “نحرر” (من الحرير) بها البيت من الداخل. “صافية ومليحة”.
نعجن التربة الصافية التي تصعد منها رائحة التراب لحظة سقوط المطر، لا أستطيع وصفها ولا أجد لها النعت المقابل. نسوة القرية الحوامل كن يقشرن الحائط عندما يجفّ صيفا، ويأكلنه.
تبدأ امي العمل بغلق كل الفجوات الكبيرة على الحائط، التي تنام فيها الحشرات عادة، بالبياضة الخشنة، قبل أن تعجن زوليخا وأمي التربة البيضاء الناعمة بالماء الذي تكون قد أحضرته زهور من السقاية على ظهرها بواسطة “البوش” أو “جدو”.
أنظر إلي زوليخا وهي تملس الحائط.
أشعر بالسعادة.
عينا زوليخا كانتا بسعة الحلم
وجهها بنعومة التربة الصافية
رشاقتها غزالة برية.
كانت زوليخا أجمل نساء القرية، ربما لأنها فقط كانت أختي.
لم أر في حياتي زوليخا هادئة، إما منتفضة ضد شيء فرض عليها، أو باكية على أب سرق منها ولم تشبع منه. أتذكرها، يوم وصول خبر اغتيال والدي، وهي تتموغ على الأرض، شعرها الأحمر منفوش، تندب وجهها وتصرخ.
– الله يرحمك يا بابا تعلموا فيك الشمايت والحركة.
ولا تتوقف إلا عندما تدخلها أمي وأختي الكبيرة خيرة، إلى الغرفة وقد فقدت وعيها بشهقة تكاد تخنقها.
أبي اغتيل في سجن السواني تحت التعذيب في 4 أبريل 1959، وزوليخا توفيت بعده بشهور، بمرض غامض، في نوفمير 1960. أمي تقول بسبب العكلة لأنها كانت تستهلكها كثيرا؟ بعضهم يقول إنها أصيبت ب”الملكلفة” (التفوئيد) من شدة الحرارة التي انتابتها فجأة بقوة؟ ومن رآها تتقيأ سوادا مزق أمعاءها، لا يستبعد تسميما؟ هل سممها العسكري السينغالي؟ وأنا، إلى اليوم ما زلت أعتقد، أو أريد أن أعتقد، أن زوليخا ما تزال متخفية وراء العريشة الكبيرة، أو بطمة سيدي صالح، داخل مقام الولي، أو وراء خروبة الأجداد الضخمة التي كنا نذهب نحوها، ونلعب “لعبة الغمايضة”، أو “طاب الخوخ”، أو “هاني والذيب كلاني”، أو “الشارطة”، أو نخرج لاستقبال المطر، برؤوس عارية، ونركض مثل المجانين تحت مياه الأمطار التي تحولنا إلى قطرات ماء في مهب الريح، وأصرخ باحثا عنها: “زوليخا؟ هل أنت هنا؟” قبل أن تخفينا السيول وراءها كليا ولا أسمع إلا صوتها القوي.
“يا النو صبّي
ما تصبيش عليّ،
حتى يجي خويا حمو
ويغطيني بالزربية.”
إلى اليوم ما زلت أبحث عن زوليخا “الذئبة الحمراء”، الوحيدة التي تشبه جدي الطوطمي الدئب رماد. تشبهه في كل شيء، في عينيه الحذرتين، في نظرته الحادة، في ركضه بلا توقف بحثا عن شيء داخلي يطفئ حريقه.
























شارك هذا الخبر