الروائي العربي واسيني الأعرج يكتب عبر “أثير”: عَلى رُوحِكَ السَّلام يَا أبِي

الروائي العربي واسيني الأعرج يكتب عبر “أثير”: عَلى رُوحِكَ السَّلام يَا أبِي
Atheer - أثير

أثير- الروائي العربي واسيني الأعرج

كان الربيع نيروزيا بالضبط 02-04-1959، عندما استشهد والدي تحت التعذيب بقسوة، هو ورفيق غربته لكحل بوزيان ، في ثكنة السواني (تلمسان)، على الساعة الحادية عشرة ليلا، وخمس عشرة دقيقة، بحسب ما تم تثبيته في الدفتر العائلي. على الرغم من أن سلطات السجن الاستعماري لم تعترف بجريمتها.
إلى اليوم لا أحد يعرف مكان دفنهما.
كل شيء تغير أيها الكبير، ولكن ليس بالاتجاه الذي حلمتم به.
الرحمة والسلام لك يا والدي الأعز، ولكل شهداء الحق الذين حلموا بإنسانية أكبر عدلا، وأكثر حبا، وأوسع نبلا، وأشمل أمنا بشريا.
يااااه يا بابا أحمد، كم أشتهي أن أحدثك هذا المساء.
دعني يا والدي العزيز أختفي في ظلك لأقول لك ما في قلبي. البلاد التي تركتها وراءك ليست بخير. وأصدقاؤك الذين أمنتنا عليهم، لم يعودوا أصدقاء. لقد اختصروا التاريخ وذهبوا نحو ما كنت تخاف منه.
أسمع دقات الساعة الخلفية مختلطة بقطرات دمك النازف، والماء الذي يأتي من حنفية مغلقة قصدا بشكل سيء.
أرى في عينيك شيئا غريبا لا يموت. يقاوم فناء اللحظة والموت المتربص بك في كل ثانية. تتأمل أدوات التعذيب البدائية من حولك. مقص قديم. كلاب. المغطس المليء بالماء والصابون الذي شربوك منه كثيرا. خيوط كهربائية موصولة بجهاز مولد للتعذيب القاسي، لاجيجين، الحبل النازل من السقف الذي علقت عليه كثيرا حتى ظننت أن حياتك انتهت الآن. لم يسلم جزء واحد من جسدك من الألم. تضحك في أعماقك: ما أغبى يقينهم القاتل، كثرة الألم تبطل مفعول الألم.
أنت جالس على كرسي التعذيب منذ الصباح، بلا ماء ولا أكل، وجسدك أصبح مزقا صغيرة تنزف حياة، ولباسك لم يبق فيه الشيء الكثير. لم يتركوا فيك مساحة واحدة سالمة من تعذيبهم. ماذا يريدون أن يعرفوا في النهاية؟ تضحك. أفراد النقابة التي كنت تشتغل معهم في فرنسا؟ وسيطك بين الجبهة وفيدرالية الجزائريين في فرنسا التي انتميت إليها في وقت مبكر؟ المرأة التي كنت تعيش معها وخرجت برفقتها، ووضعتم الحواجز في الشوارع الخلفية لصد النازية، قبل أن تسيرا معا اليد في اليد، في شوارع باريس الواسعة احتفاء بنهاية النازية، وأملا في حرية بلدك كما فعل إخوتك في سطيف وخراطة وقالمة. قبل أن تكتشف اللعبة الاستعمارية، أنت ورفيقة النقابية التي علمتك الكثير في الجامعة الشعبية الفرنسية، أنت الشاب البسيط الذي دخل إلى فرنسا وعمره لم يتخط ست عشرة سنة، بحثا عما يعيل العائلة في زمن صعب. لم تكن الحرب قد بدأت، لكنك كنت تراها كلما تحدثت مع أصدقائك من النقابيين.
ما يزال بعض الوقت يا أبي، وعليك أن تسمعني قبل أن تذهب نحو أبدية لم تخترها، لأنك كنت تحب الحياة، لكنك اخترت الطريق الموصل إليها. أليست الشهادة يا أبي هي الطريق الأول نحو الأبدية؟
اراك بكل دمك وجراحاتك. أعرف أنك لا تراني جيدا من شدة الورمين اللذين خلفهما التعذيب في عينيك. لكنك تسمعني.
سألتني مرة في حلم صغير تماهى بحقيقة كانت في داخلي: هل البلاد بخير؟
لا يا والدي البلاد ليست بخير. لقد تربى فيها ناس من جيلكم داخل الأطماع والجشع، وداخل تاريخكم الحي فسرقوه وأبادوا كل من خالفهم. لا أتحدث عن نفسي. فقد كان وفاء أمي كبيرا لك، بأن علمتنا في المدارس الفرنسية المتاحة، وأكملت جدتي المهمة بأن وضعتني أنا تحديدا في مدرسة قرآنية لأتمكن من العربية، وقد تمكنت منها كمن يسترجع كنزا ثمينا سرق منه. الوفاء لهذه اللغة هو وفاء لك ولأحلامك التي لم ترها لأنك حرمت منها، وظللت مؤمنا بها حتى وأنت في آخر نزع للحياة. كانت الفرنسية لغتك للتواصل، فقد كبرتَ هناك، وعملتَ هناك، وكانت العامية وسيلتك مع أمي ومع أهل البلاد، لكنك كنت تحلم بقدر أجمل لأبنائك ولأبناء الجزائر. صارعت الحياة وانتصرت على كل العقبات. لكن ورثة الدم أخذوا كل ميراثكم وعطر دمكم.
ليس هذا ما أريد أن أقوله لك يا أبي، شيء يتخطاني وأكبر مني، لهذا قلت لك منذ البداية دعني أختفي في ظلك.
دمك يا والدي باعه ورثة الدم بأوطأ الأثمان. دمك/ دمكم حول إلى حسابات بنكية مسروقة من مال الشعب، إقامات دولية واستثمارات بعيدا عن الأرض التي مت من أجلها. نسوا جميعا العهد الذي قطعوه أمامكم على أنفسهم. حولوا البلاد إلى مرتع للضباع والقتلة المأجورين. كم من أناس ساروا في مساركم؟ قليلون أيها الحبيب. جاء هؤلاء القتلة فصفوا ميراثكم حتى كرهناه. كنت دائما كلما انغلقت أمامي سبل الحياة، أتساءل بخوف: أمن أجل هذا استشهدتم لدرجة كنت أحيانا أتمنى لو بقيت حيا ولم تترمل أمي في شبابها، وقدتني إلى المدرسة لأول مرة، فقد كنت أحبك على الرغم من أني لم أرك كثيرا. عندما تأتي بعد كل سنتين من الغربة، أو عندما تعبر ليلا برفقة عناصر من الجيش بلباسك العسكري وسلاحك. في مرة من المرات قمت ليلا ورأيتك. لا أدري بماذا أحسست. أجلسني جندي على ركبته وقال لا تخف نحن لسنا عسكر، نحن جيش تحرير. لم أفهم الفرق، لكني كنت أدرك أن حمل والدي للسلاح كان من أجل شيء آخر غير العساكر الذين كانوا يمرون في كل وقت رفقة الحركة، بحثا عن أبي فيخلطون الدقيق بالزيت، والماء ثم يطلقون النار على الحائط حيث الخزانات القديمة والكؤوس، وعندما يخرجون تفتح أمي الخزانة فتخيط الاقمشة بعد أن تنزع منها حب الرصاص. وتجبر الأواني التي لم تكسر كليا. تمنتك أن تفرح معي يوم نجحت في السيزيام وتذهب معي بدل أمي وبدل أن أكذب على أصدقائي عندما يسألونني: لماذا لم يرافقك والدك فأردد الجملة المعتادة: هو مريض أو هو في العمل، ولا مرة قلت إنك استشهدت، وأنك غير موجود إلا بعد سنوات، لأنه في أعماقي كنت أرفض موتك. كنت في حاجة ماسة إلى أب يلعب معي والعب معه، واعيش في ظله.
لكنك اخترت اخترا قاسيا، قدرا خلف وراءه وديانا من الدموع ويتما يرميني في حضنك كلما تذكرتك حتى وأنت بعيد.
ماذا بقي من كل هذا الآن؟ وطن ظننت أنه سيبرأ بعدك، ويشفى من كل جراحاته، وسيأتي من يحضنه ويعرف قدر الدم الذي ضاع. لا يا ابي بعدك، خانك/ خانكم ورثاء الدم. بدأت حرب الإخوة التي لا أحد يعلم كم خلفت. الكثير من الناس راحوا تحت حوافر الإخوة. ومن خرج سالما من حرب الإخوة، لم يسلم من الانقلابات الشرعية المعلنة، ومن التصحيحات الثورية، فدخل حربا لم تكن له، قيل له إن إخوتك يحاربون عدوا يريد الشر بالبلاد. هم من كان يبني الشر الذي أفسدهم. قتلوا إخوتهم بلا رحمة. هل هو التاريخ يا والدي؟ ستقول لي وأنت المشبع بتاريخ الثورات: روبيسبيير قتل دانتون رفيق دربه في الثورة الفرنسية؟ لكن روبسبيير جاء من يقتله من الجماعة التي دفعت به للتخلص من صديقه؟ تبتسم وتقول وأنا أتخفى في ظلك: أنظر من حولك. أنظر. أرى أعلاما ملونة وأناشيد جديدة. وشوارع مليئة بالناس الذين يرددون النشيد الحزين الذي كلما سمعته بكيت: إخوني لا تنسوا الشهداء، اللي ضحوا في سبيل الوطن. أبكي واعبر الشوارع رافعا علم والذي الذي لم يكتب لنا أن نضعه على تابوته. والدي شهيد بلا مكان.
والدي شهيد في كل الأمكنة.
لقد كذب علينا كثيرا ورثاء الدم حتى ولو صدق بعضهم، يا والدي الحبيب. كذبوا علينا بلا هوادة، حتى ظننا أن في بلادنا الكذب حقيقة، والحقيقة كذب.
الوقت. الساعة تزحف نحو وقت الموت تحت التعذيب.
أراك الآن بكل التفاصيل التي لم أرها لم منذ ستين سنة. صراخك المكتوم غاب نهائيا. تحرك يديك للمرة الأخيرة، ثم تغيب شيئا فشيئا، فجأة تنطفئ أضواء ساحة السجن. يأتي مجموعة من الأشخاص، أربعة، ببطانية عسكرية. يلفونك فيها ثم يضعونك في سيارة جيب لا يسمع إلا محركها المخنوق وهي تغادر ساحة الثكنة والسجن. نور خافت يخرج اللحظة من تحت دمك. ربما كان به جزء من حلمك؟ لا أعلم. شوارعنا المليئة بالألوان تحييك وأنت تستعد للالتحاق بقافلة الشهداء، بلا قبر، سوى تاريخ تركته السجلات الاستعمارية وراءها وهي تلملم بقاياها: توفي في 02-04-1959 على الساعة الحادية عشرة ليلا وخمس عشرة دقيقة.
كم أنت هنا يا أبي. كم أنت هناك.
كم أشتهي أن أقول الكثير بخجل كبير أمام دمك.
على روحك السلام يا ابي في هذه الليلة الجديدة والصعبة.
عليك السلام يا قدرا جميلا منحني القدرة لأحلم، ولأكبر دوما في ظلك حتى وأنت هناك في الأبدية.
وأنت هنا… هنا، في القلب.














شارك هذا الخبر