منار بنت حمد المعمري
باحثة ماجستير
كلية الحقوق – جامعة السلطان قابوس
لا جدال بأن عقوبة السجن كانت وما زالت هي عماد العقوبة الجنائية، إلا أنه مع ظهور أنماط جرمية حديثة عجزت عقوبة السجن عن مواجهتها، فاتجهت السياسات الجنائية الحديثة إلى استحداث تدابير وعقوبات بديلة تتناسب والعصر الحديث، وتساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في آن واحد.
إن الصورة الرئيسية للجزاء الجنائي وكما هو معلوم هي العقوبة السالبة للحرية في معظم التشريعات، فيما أثبتت الميادين العقابية والدراسات عجز العقوبة السالبة للحرية من تحقيق الغاية الأسمى منها وهو الإصلاح المطلوب. ومع تطوّر الإنسان تطوّر الفكر العقابي، لذلك كان من اللازم إيجاد معاملات عقابية تتناسب مع متطلبات العصر الحديث.
إن فقهاء القانون لم يضعوا تعريف مقنن للعقوبات البديلة، فيما عرفها البعض على أنها الجزاءات التي يضعها المشرّع أمام القاضي لتحل بصفة ذاتية وموازية مع العقوبات السالبة للحرية، فهي افتراضا تتخذ فيها جميع الإجراءات وصدور حكم بعقوبة أو تدبير آخر لا ينطوي عليه سلب حرية المحكوم عليه.
وبالنسبة لقانون الجزاء العماني رقم (7/2018) فإنه استحدث مؤخرًا عقوبات تكميلية جديدة، إلا أن المشرّع لم ينص على اعتبارها عقوبات بديلة، بل هي عقوبات تبعية وتكميلية يشترط فيها أن تكون مضافة لعقوبة السجن، وهو المسلك الذي لا يتوافق مع رؤية عمان 2040.
وذهب البعض في شأن ذلك بأن ذكروا أن إصلاح الضرر الناشئ عن العقوبة باعتباره أحد العقوبات البديلة أو ما يسمى بدعوى التعويض, حيث ذكر تعريف التعويض كما جاء في الفقه الفرنسي الذي أشار إلى أنه “جبر كل من أصابه ضرراً في حق من حقوقه أو في مصلحة مشروعة له، كما عرفه أيضاً على أنه تعويض المتضرر عن الضرر الذي أصابه نتيجة وقوع الجريمة عليه سواء كان ذلك متعلق بذمته المالية أو الغير مالية”.
ومن خلال مطالعتنا لنصوص القانون الجزائي العماني نجد أنه أغفل عن بعض صور العقوبات البديلة وأخذ بها في نطاق ضيق وفي نصوص متفرقة مثل استبدال عقوبة الحبس بالغرامة والحكم بالحبس مع وقف التنفيذ وكذلك المصادرة، ولكن هناك العديد من صور العقوبات البديلة التي قد تتلائم بشكل أكبر مع البيئة العمانية ومنها إصلاح الضرر الناشئ عن إرتكاب الجريمة والذي قد يكون ملائماً للجرائم البسيطة المرتكبة من طرف المجرمين قليلي الخطورة.
وبالمقارنة مع المشرّع البحريني نصّت المادة (2) من قانون العقوبات رقم 18/2017 على تطبيق العقوبات البديلة، وفي الفقرة (ز) على إصلاح الضرر الناشئ عن إرتكاب الجريمة، وعرفه في الماة (6) بأن يكون إصلاح الضرر الناشئ عن إرتكاب الجريمة بإلزام المحكوم عليه برد الشيء إلى أصله أو جبره أو التعويض عنه. وبعد أقل من سنتين من العمل به صرّح وزير العدل البحريني عن استفادة 1022 محكومًا من تلك العقوبة، وشدّد على ضرورة توسيع نطاق التطبيق.
وفيما يتعلق بالمشرّع العماني نجدهُ اعتبر التعويض وإعادة الحال إلى ما كان عليه سابقًا من قبيل الالتزامات المدنية، وأوجدت المادة (57) من قانون الجزاء العماني أنواعًا للعقوبات التبعية والتكميلية، ولا يمكن الحكم بعقوبات خارج إطار هذه المادة.
كما أن المشرّع العماني لم ينصّ بصورة مباشرة وصريحة على العقوبات البديلة مثلما انتهج المشرّع البحريني، ومن هذا المنطلق، أرى أنه من الضرورة تبنّي منهج العقوبات البديلة بمختلف أنواعها وفي الجرائم التي تتناسب وطبيعة العقوبة البديلة، حيث أثبتت الدراسات أن إصلاح الضرر الناشئ عن إرتكاب الجريمة له فعالية مجدية في التخفيف من الآثار السلبية التي تطال بالمجني عليه وتدفعه للانتقام، وكذلك زجر وردع الجاني، مما يترتب عليه التقليل من فرص العودة الإجرامية.
عليه، فإننا نأمل من القضاء اليوم الأخذ بذلك النهج الحديث وتطبيقه على أرض الواقع كما فعلت التشريعات الجنائية الأخرى.
كما نرى أن السياسة العقابية الحالية تتعارض مع الأهداف الحديثة من حيث تطوير العقوبة ومقاصدها في الإصلاح والتأهيل، كذلك فأنها لا تتوافق مع رؤية عمان 2040. وتبدو الحاجة ملحّة للتدخل التشريعي واستحداث العقوبات البديلة انسجامًا مع أهداف هذه الرؤية.
وأخيرا نرى أن المسلك التقليدي للعقوبات لا يتفق وأهداف الرؤية المستقبلية للسلطنة، ولا يستجيب للتطلعات الاجتماعية والسياسات الاقتصادية، فرؤية عمان المستقبلية 2040 لها غايات وأهداف حول تحقيق الكفاءة التشريعية والعدالة الناجزة كلبنات أساسية للتنمية المستدامة، وبالتالي كل ما لا يسهم في تحقيق هذه الأهداف فهو بمثابة عائق لها.





